بكين والشرق الأوسط: استراتيجية "النفس الطويل" في مواجهة الانحسار الأميركي
تتحول منطقة الشرق الأوسط إلى الميدان الأكثر دقة لاختبار قدرة الصين على المواءمة بين "الصعود السلمي" وضرورات "الحضور الاستراتيجي". وبينما تسعى بكين لتكريس انطباع "الدولة الصاعدة" التي تتجنب الصراعات، يبرز تساؤل جوهري حول دورها المستقبلي: هل تكتفي بكونها شريكاً اقتصادياً، أم أنها تمهد لإعادة صياغة قواعد التفاعل الدولي؟
سباق التكنولوجيا وتأجيل المواجهة
يرى مراقبون أن الصراع بين الصين والولايات المتحدة بات "صراعاً مفتوحاً"، حيث تتبنى بكين استراتيجية تقوم على أن "الوقت مكسب صلب"؛ فكلما نجحت في تأجيل المواجهة، قلّصت من احتمالات الخسارة. وفي مقابل الرؤية الأميركية التي لا تتنازل عن الصدارة إلا بالقوة، تستثمر الصين في "القوة الذكية"، مراهنةً على أن الذكاء الاصطناعي هو سلاح هذا القرن، وهو الميدان الذي تُظهر فيه بكين تفوقاً ملموساً.
قمة بوسان.. فجوة الـ 90 دقيقة
عكس اللقاء الخاطف بين الرئيسين شي جين بينغ وترامب في قاعدة بوسان حجم الهوة العميقة؛ فالاختصار المفاجئ للوقت (من 4 ساعات إلى 90 دقيقة) كشف أن المجاملات البروتوكولية لا تغطي تباين المصالح. وبينما تحدث شي عن "توجيه العلاقات نحو المسار الصحيح"، يبقى الواقع يشير إلى صدام بنيوي بين أكبر اقتصادين في العالم.
تفكيك الهيمنة عبر الاقتصاد والطاقة
تسعى الصين لتعزيز نفوذها عبر الشراكات لا التدخلات العسكرية، مقدمةً نفسها كـ "قوة موازنة" في منطقة عانت تاريخياً من التدخلات الخارجية التي تصفها بكين بأنها المصدر الرئيس للتوترات. ومن أبرز ملامح هذا التوجه:
-
تحدي "البترودولار": ريادة الصين في الطاقة المتجددة تهدف إلى منافسة القوى التقليدية المسيطرة، مما قد يؤثر مستقبلاً على ارتباط العملة الأميركية بقطاع الطاقة.
-
الحدود الشفافة: باتت المنطقة جزءاً من المصالح الحيوية لبكين، مما يدفعها للانتقال التدريجي من الحياد الاقتصادي إلى الانخراط السياسي المدروس.
-
طرق التجارة البديلة: الاستثمار في "طريق البحر الشمالي" عبر روسيا يقلل الاعتماد على الممرات التقليدية، مما يمنح التجارة الصينية مرونة عالية بعيداً عن مناطق النفوذ الأميركي.
التحالفات والواقع الجيوسياسي
أثبتت التطورات الأخيرة، وخصوصاً خلال المواجهات في الإقليم، أن الولايات المتحدة لا تملك حليفاً ثابتاً سوى "إسرائيل"، وهو ما دفع بعض الدول العربية للانفتاح على الصين كـ "رد فعل" على تقلب السياسة الأميركية. ومع ذلك، تظل بكين واضحة في كونها "شريكاً تجارياً" لا حليفاً عسكرياً، حيث ترفض الدخول في تحالفات صلبة وتفضل "الاستثمار في الهوامش".
بين الانحياز والمصالح
رغم ارتباطاتها التقنية بـ "إسرائيل"، تظهر الصين انحيازاً لافتاً في خطابها السياسي تجاه حقوق الشعب الفلسطيني، وتشدد دوماً على ضرورة حل أزمات المنطقة من قبل أصحابها دون وصاية خارجية، معتبرة أن نموذجها التنموي يقدم بدلاً عن الأنماط الاستعمارية القديمة.
تتحرك الصين وفق عقيدة "الماء" التي تلتف حول الصخور ولا تصطدم بها، مطبقةً استراتيجية "ضرب مراكز الضعف" لدى الخصوم. وبالنسبة لدول المنطقة، يبدو أن استراتيجية "تنويع الشراكات" هي الخيار الأجدى، لتجنب التحول إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى العظمى، مع الإدراك بأن الصين لديها مشروعها الخاص الذي لن تحيد عنه.