الدراما التحريضية لا تحمي "عروش الرمل"!
في سقطة مدوّية لماكينة البروباغندا السعودية، وبُعيد ساعات قليلة من «النفير» الإعلامي الذي واكب الإعلان عن بدء عرض مسلسل «السفارة 87»، تراجعت شبكة MBC ومنصّة «شاهد» عن الخطوة، معلنةً تجميد العمل إلى أجل غير مسمى. هذا التراجع الدراماتيكي، الذي يأتي في ذروة المواجهة العسكرية في المنطقة، يعكس حجم الارتباك في مطبخ القرار السعودي الذي حاول استخدام الدراما كـ «رأس حربة» في حملة التحريض ضد الجمهورية الإسلامية في إيران، قبل أن تصطدم رياحه بواقع الميدان وحسابات الردع.
الدراما كمنصة للفتنة: توقيت مشبوه
المسلسل الذي أخرجه البريطاني كولين تيغ، ويتناول حادثة اقتحام السفارة السعودية في طهران عام 1987، لم يكن مجرد عمل فني، بل أُريد له أن يكون مادة دسمة للشحن الطائفي والسياسي في لحظة إقليمية متفجرة. فبعدما بقي العمل حبيس الأدراج لأشهر نتيجة التفاهمات السياسية السابقة، قررت الإدارة السعودية إخراجه إلى الضوء تزامناً مع العدوان الأميركي - الإسرائيلي على إيران، في محاولة لصب الزيت على نار الأزمات الأمنية التي تعصف بدول الخليج. غير أن قرار «التجميد» المفاجئ كشف عن تخوف حقيقي من أن يتحول العمل إلى صاعق تفجير داخلي لا تحمد عقباه.
تصفية حسابات ومطاردة «أشباح»
بدلاً من قراءة قرار الإيقاف بوصفه خطوة لتبريد الرؤوس الحامية، اندلعت على منصة X حملة تحريضية مسعورة، قادتها جهات معروفة بتبعيّتها للديوان، وجهت سهامها نحو الكوادر اللبنانية المؤسسة في الشبكة منذ التسعينيات. هذه الحملة حاولت تصوير القرار وكأنه «انقلاب» من داخل MBC، متجاهلة الحقيقة الساطعة بأن القناة باتت تدار بمركزية سعودية مطلقة من الرياض، وأن قرارات بهذا الحجم لا تصدر إلا بختم سيادي أخضر، بعيداً عن أوهام «النفوذ اللبناني» التي يُراد منها تصفية حسابات شخصية وإدارية قديمة.
«الجابرية» و«السفارة»: تاريخ من الرعب الإعلامي
ليست هذه المرة الأولى التي تسحب فيها MBC أفلامها من الميدان تحت وطأة الضغوط والنتائج العكسية؛ فالتاريخ يعيد نفسه بعد تجربة مسلسل «الجابرية الرحلة 422» في مارس 2023، حين توقف العرض بعد ثلاث حلقات فقط نتيجة الحساسية الكويتية من تسليط الضوء على شخصية الشهيد القائد عماد مغنية. واليوم، ينضم «السفارة 87» إلى قائمة الأعمال التي سقطت في اختبار الواقع، ليثبت أن الإعلام السعودي، رغم إمكاناته المليارية، لا يزال عاجزاً عن تسويق رواية فتنوية تصمد أمام حقائق الجغرافيا والسياسة.
خلف ستار «التأجيل» تكمن حقيقة واحدة: السلطات السعودية أدركت متأخرة أن فتح ملفات عام 1987 في توقيت عام 2026 هو انتحار إعلامي بامتياز. ففي زمن الصواريخ الباليستية والمسيّرات التي أعادت رسم حدود القوة، لم تعد الدراما التحريضية قادرة على حماية "عروش الرمل" من تداعيات الانخراط في العدوان على إيران، ليبقى المسلسل المجمّد شاهداً جديداً على انكسار موجة الرهان على الفتنة أمام صلابة محور المقاومة.