حين تصبح الكلمة جريمة إسرائيلية تستحق الإعدام .. مشاهد قتل الصحافيين في فلسطين ولبنان!
الاشراق | متابعة.
لا احد يتذكر متى أدرك أن الكلمة يمكن أن تقتل. ربما في تلك اللحظة التي شاهد فيها جثة صحافي ترتدي سترة زرقاء كتب عليها "PRESS"، أو حين سمع خبر اغتيال مراسل كان قبل ساعات يهمس بالحقيقة أمام كاميرا صغيرة. في زمن المقاصل الإسرائيلية، تحولت حرية الصحافة من حق مقدس إلى جريمة تستحق الإعدام الميداني رمياً بالرصاص. هذه ليست حكاية عن أرقام أو تقارير أممية باردة. هذه حكاية شهود قُتلوا لأنهم رأوا كثيراً، وعن كاميرات كُسرت لأنها صورت ما لايجب أن يُرى، وعن ضمير عالمي ينام عميقا ملء جفونه كلما سقط صحافي عربي مهني حُر في أرض لا يريد أحد رؤيتها. إنها حكاية الموت الذي يرتدي زي "الخطأ الميداني"، تلك الحيلة التي لا تخدع إلا من يريد أن يُخدع. هكذا هي "إسرائيل" دائماً وأبداً.
المشهد الأول: الدرع القانوني المهشم
في الأوراق الرسمية، الصحافي مدني يتمتع بحصانة كاملة. المادة 79 من البروتكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف تنص بوضوح على أن الصحافيين يتمتعون بالحماية كمدنيين. وهذا يعني أن استهدافهم المتعمد يُشكل انتهاكاً خطيراً للقانون الدولي الإنساني.
في المقابل، القانون الدولي الإنساني واضح وصريح، وتصنفه المادة 79 من البروتكول الإضافي الأول لعام 1977 كمدنيين يتمتعون بكامل حقوق الحماية. لكن "إسرائيل" تضع نفسها فوق القانون.
قبل أحد عشر عاماً، وتحديداً في العام 2015، اتخذ مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة خطوة إضافية بحق قراره رقم 2222، الذي دان بشكل قاطع استهداف الصحافيين في النزاعات المسلحة، ودعا جميع الأطراف إلى احترام حمايتهم. القرار شدد على أن الصحافيين والكوادر الإعلامية يتعبرون مدنيين، وأعرب عن القلق البالغ إزاء استهدافهم وقتلهم واحتجازهم، مطالباً بإنهاء ثقافة الإفلات من العقاب.
لكن الفجوة بين النص القانوني والواقع الميداني شاسعة. في أرض الواقع، تحولت خوذة "PRESS" الزرقاء من رمز للحماية إلى هدف لقناصة إسرائيلي، لم تعد الشارة توفر الأمان، بل تحولت في العقيدة العسكرية الإسرائيلية إلى أداة لتحديد الأهداف. يتم تجاهل مبدأ التمييز بذرائع أمنية واهية تهدف إلى تبرير إسكات الصوت. غياب الآليات التنفيذية الفورية يجعل الأدانة الأممية مجرد طقس دبلوماسي لا يمنع الرصاصة القادمة، ولا يردع من يرون في الصحافي هدفاً مشروعاً. هكذا هي "إسرائيل" دائماً وأبداً.
المشهد الثاني: إعدام الشهود
يتجاوز القتل الإسرائيلي للصحافيين فكرة "الخطأ الميداني" إلى الاغتيال السياسي الممنهج. الهددف هو قطع لسان الحقيقة في اللحظات الحرجة، وإعدام الشهود قبل أن ينقلوا الصورة كاملة.
في غزة وجنوب لبنان، لم تختلف الرصاصة ولا القاتل؛ اختلفت الجغرافيا واتحد الدم ليصوغ رواية الأرض الواحدة.
في لبنان: نالت فاطمة فتوني وعلي شعيب والصحافيون الشهداء شرفين: شرف الكلمة الصادقة، وشرف الدم الطاهر. شهدوا على الجريمة بضمائرهم، ثم شهدوا عليها بدمائهم، فكانوا شهوداً فأصبحوا شهداء.
فاطمة فتوني، ابنة الجنوب ومراسلة الميادين التي نجت من محاولة اغتيال سابقة، لم تنجُ هذه المرة. استشهدت مع شقيقها المصور محمد فتوني، ومع الصحافي علي شعيب الذي نذر ثلاثة عقود من عمره لتوثيق جرائم الاحتلال، بضربة موجهة من مسيرة إسرائيلية استهدفتهم عن قصد، مع سبق الإصرار والترصد. الطائرات المسيرةلا تخطئ عندما تُبرمج على هدف محدد؛ إنها تعرف من تُصيب، وأين تصيب، ومتى تصيب.
هذا الإجرام ليس بجديد على الساحة اللبنانية، فقد تكرر المشهد ذاته حين اغتيل مصور رويترز عصام عبد الله في منطقة بعيدة من خطوط التماس، ثم مراسلة الميادين فرح عمر والمصور ربيع المعماري. قناصة ينتظرون في أماكن مرتفعة، وكاميرات حرارية ترصد تحركات الصحافيين، ثم رصاصة واحدة تأتي من حيث لا يتوقع أحد.
في فلسطين كانت شيرين أبو عاقلة فاتحة لمرحلة جديدة من هذه الارهاب؛ اغتالتها رصاصة قناص إسرائيلي في الرأس، في وضح النهار، وهي ترتدي سترة الصحافة. قالوا "خطأ ميداني"، لكن العين التي رأت اتجاه الرصاصة عرفت أن هذا تصميم. وفي حرب غزة الأخيرة، سُجلت أرقام مرعبة تجاوزت 140 صحافياً. من بينهم حمزة الدحدوح الذي قُتل مع زميله مصطفى ثريا بصاروخ دقيق استهدف سيارتهما. سؤال صغير: كيف لصاروخ موجه بالليزر أن يخطئ بين سيارة مدنية وأخرى عسكرية؟ الجواب: لم يخطئ، كان يعرف تماماً ما يفعل.
هذا التحول من شاهد إلى شهيد هو ما تريد "إسرائيل" محوه. هي التي حولت قطاع غزة إلى "المكان الأخطر في العالم" للصحافيين بحسب المنظمات الدولية. وقد أكدت منظمة "مراسلون بلا حدود" أن جيش الاحتلال هو "أكبر قاتل للصحافيين" للعام الثالث على التوالي، مسؤولاً عن نصف قتلى الصحافيين عالمياً في عام 2025.
كل هؤلاء قتلوا لأنهم رأوا. لأنهم نقلوا. لأنهم رفضوا أن يكونوا عمياناً. الرسالة واضحة: لا شهود. امسح مسرح الجريمة قبل أن يراه أحد.
هكذا هي "إسرائيل"دائماً وأبداً.
المشهد الثالث: التطفيف الدولي وإزدواجية المعايير
الأمم المتحدة تصدر بيانات الإدانة. اليونيسكو تطالب بالتحقيق. مجلس حقوق الإنسان يعقد جلسة طارئة. ثم... لا شيء. القاتل يعرف أن الإدانة مجرد كلمات تذروها الرياح. والجاني يتمتع بكامل الحصانه لأنه "إسرائيل". الوقت يعمل لصالحه؛ فبعد أسبوعين، سينشغل العالم بقصة أخرى، وستُنسى جثث الصحافيين في أرشيف الأخبار القديمة.
هذه هي المفارقة القاتلة: الصحافي يُقتل لأنه ينقل الحقيقة، لكن الحقيقة عن مقتله فيذبحها النظام الأممي ويتستر عليها المجتمع الدولي. إن ببيانات الإدانة التي لا تتبعها عقوبات فورية رادعة هي "حبر ملوث بدماء الضحايا"، ومجرد محاولة لغسل أيدي المؤسسات الدولية من مسؤوليتها التاريخية.
وهنا يبرز التطفيف الدولي بأبشع صوره. في أوكرانيا، قُتل صحافيون ففتحت التحقيقات الجنائية الدولية فوراً. في فلسطين ولبنان، تظل القضية مفتوحة إلى أجل غير مُسمى، أو تُغلق تحت ذريعة "استحالة تحديد الجهة المسؤولة". ازدواجية المعايير الدولية تقتُل. التطفيف الغربي يحصن المجرم. والصحافي المهني الحُر يدفع الثمن.
دور المنظمات الدولية مثل اليونيسكو ومجلس حقوق الإنسان يقتصر غالباً على "الإدانة" و"الرصد"، بينما تفتقر هذه الجهات لإرادة فرض عقوبات حقيقية على "إسرائيل" التي تقتُل الصحافيين بدم بارد. هذا الخذلان الأخلاقي والتباطؤ في فتح تحقيقات جنائية دولية مستقلة يجعل الصحافي في منطقتنا "هدفاً مستباحاً" بلا غطاء دولي رادع. إنه اعتراف ضمني بأن دماء الصحافي المهني الحر أقل قيمة من غيره.
هكذا هي "إسرائيل" دائماً وأبداً.
المشهد الرابع: إعدام الرؤية
الحقيقة الأكبر التي يحاول القاتل إخفاءها هي أنه يخاف. يخاف من الكلمة. يخاف من الصورة. يخاف من عيون العالم إذا رأت ما يحدث فعلاً.
لماذا كل هذا القتل الممنهج؟ لأن الصحافي هو عين الشعوب والأمم، و"إسرائيل" تريد للشعوب الحرة العمى. هي تغتال العين قبل أن ترى، وتقتل الشهود قبل أن يشهدوا، لا فقط لتفلت من العقاب، بل لحماية "مجتمعها" من صدمة مشاهد هزائمها على يد المقاومة، ومنع العالم الحر من تقوية إرادته في مواجهة مشروع الاحتلال. إنه إعلان هزيمة أمام الكلمة.
الجهة التي تقتل الصحافي تعترف ضمنياً بأن روايتها لا تقوى على منافسة الحقيقة. وأن سلاح الكلمة أقوى من سلاح الرصاص. وأنها تخسر معركة الوعي، فتلجأ إلى تصفية من يوثقون الحقيقة. إن استهداف الصحافيين هو إثبات قاطع على إفلاسها الأخلاقي، واعتراف بأن الصورة الحية القادمة من الميدان تشكل خطراً وجودياً على الشرعية المزعومة، والرواية الاعلامية الكذوب.
لهذا السبب، لم يكن قتل الصحافيين في غزة ولبنان مجرد انتهاك للقوانيين الدولية، إنه محاولة يائسة لفرض العتمة على مسرح الجريمة، لعزل الضحية عن ضمير العالم عبر تصفية "الشهود". السلوك الإسرائيلي ليس مجرد خرق للقوانيين، بل هو استراتيجية واعية تهدف إلى فرض "الإعماء" الشامل.
فاطمة فتوني، وشقيها محمد، وعلي شعيب، وشيرين أبو عاقلة، وحمزة الدحدوح، ومصطفى ثريا، وعصام عبد الله، وفرح عمر، وربيع المعماري... كلهم قتلوا لأنهم رأوا. لأنهم رفضوا أن يكونوا أداة للتعمية. لأن كلماتهم وتوثيقهم مثّل تهديداً وجودياً لخطط القاتل الميدانية.
هكذا هي "إسرائيل" دائماً وأبداً.
حماية الصحافي = حماية ما تبقى من الحقيقة
في عالم يغرق في البروباغندا، والتزييف العميق، والحروب الرقمية، يبقى الصحافي في الميدان هو آخر خطوط الدفاع عن الحقيقة. هو الذي يرى بعينيه، ويلمس بيديه، وينقل بقلبه قبل كاميرته.
حين تقتل "إسرائيل الصحافي" لا تقتل شخصاً واحداً. تقتل قدرة العالم على الرؤية. تطفي شمعة في نفق مظلم. نكتب وصية للحقيقة. قضية استهداف الصحافيين اليوم ليست مجرد قضية حقوقية أو قانونية. إنها قضية وجودية: هل نريد عالماً نرى فيه الحقيقة بأعيننا؟ أم عالماً نصدق فيه القاتل الإسرائيلي لأنه قتل كل من رأى؟
الخوذة الزرقاء لم تحم أحداً. لكن ربما، يوماً ما، سيحمي الصحافي ضمير العالم. إذا بقي على قيد الحياة. وتبقى فاطمة ومحمد وعلي وشيرين وحمزة وعصام وفرح وربيع هناك، على تلال الجنوب وفي شوارع غزة، بكاميراتهم وأصواتهم التي لا تخفت، شهداء أن الكلمة أغلى من الدم، وأن التوثيق واجب لايسقط بالاغتيال. لأن جنوب لبنان الذي عشقته فاطمة، والذي وثقه علي لثلاثة عقود، وغزة التي روتها شيرين وحمزة، لا يموت أهلها، ينتقلون من جسد إلى كاميرا، ومن كاميرا إلى ضمير لن ينام أبداً.
هكذا هي "إسرائيل" دائماً وأبداً.. عدوة للضوء، وقاتلة للحقيقة.
محمد حسب الرسول - باحث في الشؤون الإقليمية
إن الآراء المذكورة في هذه التدوينة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الاشراق وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً