وضوح الهدف مقابل الارتجال .. إيران في مواجهة استراتيجية

الاشراق | متابعة.

في مقابل تباين وغموض الأهداف الأميركية المعلنة من الحرب على إيران، تعكس التصريحات الرسمية الإيرانية وضوحاً أكبر، مع تعدد حلقات صناعة القرار داخل الدولة، في اتجاه واحد يقدمه الخطاب السياسي: الثبات بالمعنى الاستراتيجي، والتركيز على إفشال أهداف الحرب وتحقيق ردع طويل المدى، وتواصل الرد تصاعدياً بالمعنى العسكري، مِثل تصريحات رئيس البرلمان أن إيران لا تسعى لإنهاء الحرب الآن، وأنها "تعتمد قاعدة العين بالعين"، وإعلان الحرس الثوري استهداف منشآت نفط حيفا، رداً على استهداف مخازن النفط الإيرانية، وأن التركيز سينصب على استخدام الرؤوس المتفجرة الثقيلة، وتأكيده أن "المعركة مستمرة حتى النصر"، بعد ساعات من قول ترامب إن الحرب أوشكت على نهايتها، وأيام على تصريح وزير الحرب الأميركي الكاشف، أن الهدف "تدمير قدرات إيران العسكرية وليس إقامة ديمقراطية أو تغيير".
 
تغيرت الأهداف الأميركية تباعاً: من تركيز تصريحات ترامب في البداية على إسقاط النظام، هدفاً للعمليات، ودعوة "الشعب" إلى انتهاز فرصة اغتيال قيادات الدولة، والتأكيد على ضرورة إقراره اسم المرشد الجديد، إلى إعلان الاستعداد للتحدث مع إيران والقيادة الجديدة، وتبرير المبادرة بالحرب بأنه "ظنّ" أنها كانت على وشك مهاجمة الولايات المتحدة، حيث نقطة اللاعودة التي وجَب تحاشيها "في رأيه"، وفق ما سمع من طاقمه، جاريد كوشنر وستيف بانون وماركو روبيو، ختاماً، بتصريح رئيس الأركان الأميركي مؤخراً أن "الأهداف العسكرية هي تدمير مخزون الأسلحة الباليستية"، وقول وزير الخارجية الإسرائيلي إن "العالم لا يدعم عملياتنا لكن يؤيد نتائج أفعالنا"، الذي يعكس الوقوع تحت ضغط سياسي كبير، والاحتياج إلى وقت أطول لتحقيق نتائج، أو إلى مساعدة عسكرية إضافية.
 
جاء تحوّل الأهداف، وتراجع نبرة التصعيد (مع تحذير ترامب من إعاقة تدفق النفط عبر مضيق هرمز)، تحت ضغط فشل الفرضية الأساسية، أي انهيار النظام وتعرّض جهاز الدولة إلى صدمة عميقة تفككه، وتحوّل الموقف إلى مأزق استراتيجي، حيث يصعب منع استهداف المصالح الأميركية في الخليج، وقد أظهرت الاستهدافات دقة عالية، ما يترك أثراً أقليمياً ودولياً فارقاً، وتتكشّف صعوبة حماية منشآت "إسرائيل" الحيوية، وأثر الرؤوس الإيرانية الثقيلة (زنة طن فأكثر) والصواريخ العنقودية والدقيقة، بموازاة دخول المعركة مرحلتها الثانية، وفق إعلان الطرفين.

مأزق يتمثّل في نقل الولايات المتحدة بطاريات صواريخ باتريوت وأجزاء من منظومة "ثاد"، من كوريا الجنوبية إلى "الشرق الأوسط"، بعد تدمير المنظومات المرتكزة في الأردن والإمارات والسعودية بالصواريخ الدقيقة، مع المساحة الشاسعة التي تُطلق منها الصواريخ، وتصاعد قدرتها على النفاذ وحجمها ودقتها، بتصاعد استخدام الأنواع الأكثر تطوراً؛ يقع ملفالطاقة ومضيق هرمز على رأس أوراق القوة عند إيران، وتشمل الإغراق بالصواريخ والمسيرات واستهداف المنشآت العسكرية والحيوية في "إسرائيل"، وتحييد أثر منظومات الإنذار المبكر والدفاع الصاروخي، التي أعلن المتحدث باسم مركز خاتم الأنبياء المركزي استهدافها، أي التخلص من طبقة دفاعية كاملة من عدة طبقات حول البلاد. 
 
ورغم استقرار سعر النفط مؤخراً، بعد ارتفاع حاد، ينذر الصراع -بحد ذاته- حول المضيق بتداعيات اقتصادية سلبية، يستحيل أن تكافىء غياب الإنجاز على الأرض، رغم التفوق الجوي الإسرائيلي والحشد الأميركي غير المسبوق، ومع ما تعتبره إيران "تحكماً ذكياً" فرضته على العبور بالمضيق، يبدو مفاده منع السفن المرتبطة بالدول المعتدية والسماح لغيرها.
 
مشهد يكثّف استخدام الجغرافيا، ونموذج الحرب غير المتناظرة، حيث يكتسب تعميق الخسائر والكلفة المادية والسياسية للخصم النظامي أهمية كبرى، وينعكس في الأثر المتوقع على سلاسل الإمداد، وتكاليف النقل والإنتاج وأسعار السلع والخدمات، إذ يعبر من هرمز حوالي خُمس تجارة النفط العالمية يومياً، وعلى قطاع الاستثمار في الخليج، والبيئة الاستراتيجية والواقع المعيشي في "إسرائيل"، وفي الخلفية نزيف مالي معتبر سببه الثمن الباهظ للصواريخ الاعتراضية، والحاجة الدائمة إلى عدد أكبر من الصواريخ والمسيرات المهاجِمة، مع إخفاق (في المحصلة العامة) في حماية الأهداف الاستراتيجية، العسكرية والأمنية والاقتصادية، في ظل انكشاف استخباري واضح يعكسه بنك الأهداف نفسه.
 
من جهة أخرى، وعلى مستوى سياسي بالتحديد، تواكب إيران نبرة التراجع الأميركية وتقلّبات الخطاب بشأن الأهداف بنبرة تحدٍ واضح، ويعمل خطابها السياسي على تكريس شرعية عملياتها، من موقع يجمع كونها طرف معتدى عليه وند في آن واحد.

ويبدو حريصاً على إيصال رسالة بعدم الممانعة في تصعيد المواجهة، وبشرح أسباب استهداف المواقع الأميركية في الخليج، خاصةً بعد منشور على منصة "إكس" لقيادة المنطقة الوسطى الأميركية، عن استخدام راجمات بريّة "HIMARS" في العمليات من دولة مجاورة، ما اعتبره وزير الخارجية عباس عراقتشي اعترافاً، ينفي حق الدول المجاورة في رفض استهداف المواقع العسكرية الأميركية على أرضها.
 
ومع ما يردده المراقبون عن "نزول ترامب عن الشجرة"، وتحقيق إيران هدفها بحفظ النظام وإيقاع خسائر نوعية، وغير مسبوقة كمّاً، وغموض الخطة والأفق للخطوات الأميركية تحت مظلة أولوية الهيمنة والربح، يظل احتمال لجوء ترامب إلى تكثيف الاتهامات بتصنيع السلاح النووي حاضراً، لتبرير تصعيد أبعد، ويلوح سؤال خطير عن احتمال توسّع استهداف البنية التحتية المتبادل، الذي قد يفتح الباب لانقلاب كبير في مسار المعركة. 

بقلم محمود عبد الحكيم.