من هرمز إلى الأسواق .. كيف فجّر العدوان على إيران أزمة اقتصادية عالمية؟

الاشراق | متابعة.

أسبوع واحد فقط من العدوان الأميركي - الإسرائيلي على إيران، كان كافياً لكي يُربك الاقتصاد العالمي، ويُدخل دول العالم، حتى تلك البعيدة عن منطقة الصراع، في دوامةٍ من الاحتمالات والخيارات بشأن مستقبل اقتصاداتها وسلاسل توريدها، مع ارتفاع أسعار النفط والغاز، عقب توقف الملاحة في مضيق هرمز، نتيجة التحركات العسكرية الأميركية - الإسرائيلية، وهو أحد أهم شرايين الطاقة العالمية، الذي يعبر من خلاله نحو خُمس إمدادات النفط.

فالمضيق، الواقع في منطقة الخليج، يكتسب أهمية جيوسياسية لكونه يربط مياه الخليج شمالاً، بخليج عُمان وبحر العرب جنوباً، ما يجعله ليس مجرد ممر مائي فحسب، بل الصمام الذي يضخ 21 مليون برميل نفط يومياً و20% من الغاز المسال العالمي. وبالتالي، فإنّ الاضطرابات فيه من العوامل التي تؤثر في تحركات الأسعار، التي تعتمد بشكل كبير على مدى ومدة انقطاع حركة النفط والغاز الطبيعي، عبره، بحسب التقارير. 

وهو بالفعل ما شهده العالم كنتيجة مباشرة لهذا الإغلاق، فامتناع ناقلات النفط عن عبور المضيق، وتقليص كبار المنتجين إنتاج الخام مع امتلاء مرافق التخزين لعدم القدرة على توريدها، أدّى إلى قفز أسعار النفط لتتجاوز 115 دولاراً للبرميل، فيما حذّرت إيران أيضاً، من أنّ تواصل الاعتداءات الأميركية - الإسرائيلية على مرافق النفط لديها، وعدم وقفها، سيقود إلى اتخاذ إجراءات مماثلة، ما يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع سعر النفط إلى أكثر من 200 دولار للبرميل. 

ووفق تقديرات "Goldman Sachs"، قد يؤدي اضطراب يستمر شهراً واحداً إلى تجاوز الأسعار الرقم القياسي التاريخي البالغ 145 دولاراً للبرميل، إلى نحو 150 دولاراً نتيجة "تصاعد مخاطر الحرب"، أما إذا استمر الاضطراب ثلاثة أشهر، فقد ترتفع الأسعار إلى 185 دولاراً للبرميل، مع عواقب شديدة على الاقتصاد العالمي، بحسب اقتصاديي "Westpac".

هذا عدا عن ارتفاعات الأسعار في أسواق الغاز، حيث ارتفعت أسعار الغاز في أوروبا فقد بنحو 30% يوم الاثنين، فيما أوقفت قطر، عملاق تصدير الغاز الطبيعي المسال، الإنتاج بالفعل على وقع التوترات المتصاعدة.  ويأتي ذلك في وقتٍ تعدّ أوروبا مُعرّضةً بشكلٍ خاصٍّ لصدمات العرض في سوق الغاز الطبيعي المسال، لازدياد  اعتماد الدول الأوروبية على الغاز الطبيعي المسال المنقول بحراً لتلبية الطلب، منذ انخفاض واردات الغاز عبر خطوط الأنابيب من روسيا.

اضطراب سلاسل التوريد سيرفع أسعار السلع عالمياً وإقليمياً 

هذه الفوضى في أسعار النفط والغاز بفعل العدوان على إيران، لن تتوقف عند أسواق الطاقة، بل سينسحب ذلك على قطاعات أخرى، بحيث تُشير تقديرات "بلومبرغ الشرق" إلى أنّ هذه الاضطرابات قد تطال نحو 2.4% من التجارة غير النفطية، إذ إنّ اضطرابات الشحن تعني أن العديد من الاقتصادات ستواجه صعوبة في بيع منتجاتها إلى الجانب الآخر من مضيق هرمز، بالتوازي مع صدمات الإمداد. 

هذا الارتفاع المتوقع، سببه إعادة توجيه بعض التجارة المتعطلة إلى مسارات بديلة. فامتناع سفن الشحن عن المرور من مضيق هرمز، وأيضاً تجنّبها قناة السويس، في ظل تصاعد الصراع في المنطقة، واضطرارها لسلك طرق أطول، كرأس الرجاء الصالح واحتمال ازدحام الممرات البحرية، سيرفع تكلفة شحن سلع أخرى بآلاف الدولارات لكل حاوية، إلى جانب النفط الخام. كما أنّ ارتفاع "تأمين المخاطر" (Risk Premium) التي تفرضها شركات التأمين على أي شحنة تمر بالمنطقة، سيرفع سعر المنتج النهائي على المستهلك.

وبحسب التحليلات الاقتصادية لـ"بلومبرغ الشرق"، فإنّ عدم مرور سفن الشحن من المضيق سيؤثر على حوالي 2.4% من تدفقات التجارة العالمية غير النفطية. وبإضافة التأثير البالغ 20% على تجارة النفط والغاز المسال، تقول التقديرات إنّ الاضطرابات في مضيق هرمز قد تعرقل نحو 4.5% من التجارة العالمية وتمنع وصولها إلى وجهتها.

شحنات الأسمدة، على سبيل المثال، ستتعرض للتعطيل على الأرجح، فيما من المتوقع أنّ دول الخليج والدول الأفريقية ستتحمل العبء الأكبر في إثر ذلك، ما سيؤدي إلى تداعيات خطيرة على إنتاج الغذاء في جميع أنحاء العالم، إذ تضمّ منطقة غرب آسيا بعضاً من أكبر مصانع الأسمدة في العالم، فضلًا عن كونها منتجاً رئيسياً للمواد الخام اللازمة لصناعة الأسمدة، التي "يعتمد عليها ما يقارب نصف إنتاج الغذاء العالمي"، بحسب "سي أن أن". 

كما يواجه مستوردو الألومنيوم والأسمنت في الهند، ومستوردو الأسمدة في أستراليا وجنوب أفريقيا مخاطر، إضافةً إلى مصدّري المعادن الثمينة في الهند وتركيا وجنوب أفريقيا على وجه الخصوص. وعليه، فإنّ تداخل أسعار الوقود مع أسعار السلع غير النفطية والنقل الدولي، يهدد بأزمة توريد عالمية وارتفاع جنوني في أسعار السلع الأساسية.

العالم يواجه تضخماً وركوداً حتميين
وبناءً على ذلك، فإنّ الولايات المتحدة، بفتحها جبهة الحرب، أعادت إشعال فتيل التضخم الذي كان العالم يظن أنه قد روّضه، عقب إعادة تشغيل سلاسل التوريد بعد جائحة "كوفيد-19" والحرب الروسية الأوكرانية.

فمن المتوقع، على نطاق واسع، أن تؤدي الحرب الأميركية على إيران إلى ارتفاع التضخم في جميع أنحاء العالم، إذ إن الارتفاع المستمر في أسعار النفط ينتقل تأثيره إلى بقية الاقتصاد، بحسب تقرير لـ"الغارديان"، بحيث من المتوقع أن يرتفع التضخم في المملكة المتحدة ومنطقة اليورو إذا استمرت أسعار النفط المرتفعة، وفقاً لمؤسسة "Oxford Economics".

أما في أستراليا، فمن المتوقع أن يقترب التضخم من 5% — أي أعلى بنحو نقطة مئوية كاملة من التوقعات قبل الحرب — بحسب الاقتصاديين. 

وبالنسبة إلى الولايات المتحدة، فإن ارتفاع أسعار النفط العالمية سيفاقم أزمة تكلفة المعيشة الحالية. فالمستهلكون الأميركيون يعانون بالفعل من ضغوط مالية، فيما أسعار البنزين تعدّ حساسة للغاية سياسياً مع اقتراب الانتخابات النصفية. كما أنّ صدمة تضخمية ثانية من جانب العرض، في وقت لا تزال فيه الآثار التضخمية للرسوم الجمركية تتكشف، قد تجعل من الصعب تبرير المزيد من خفض أسعار الفائدة، على الأقل في المدى القريب، وفق موقع "ING THINK | economic and financial analysis".  

النتيجة: ركود وتباطؤ اقتصادي
في النتيجة، وقع العالم، بفعل الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، في فخ الركود التضخمي، بحيث سيدخل، بناءً على المعطيات التي ذكرناها، في حالة "Stagflation"، أي نمو الاقتصادي بطيء (الركود)، مع ارتفاع معدلات البطالة، وارتفاع معدلات التضخم.

فالارتفاعات الحادة في أسعار النفط تُعد بطبيعتها مولّدة للركود التضخمي، لأنّها تبطئ النشاط الاقتصادي أو تؤدي إلى ركوده، ممّا يزيد خطر الركود الاقتصادي، بينما ترفع التضخم في الوقت نفسه، بحسب ما خلصت إليه "الغارديان". 

ووفقاً لصندوق النقد الدولي، فإن الاقتصاد العالمي يمكنه تحمّل ارتفاع بنسبة 10% في أسعار الطاقة، لكنّ ذلك سيؤدي إلى تباطؤ النمو من نحو 3.2% إلى 3%، فيما سجل النفط في إحدى مراحله، الاثنين، نسبة ارتفاع يومية فاقت 27%، فهل سيتحمل الاقتصاد  العالمي هذه الارتفاعات؟ 

وحتى لو توقفت الحرب، في المدى المنظور، فإنّ ذلك لن يعيد العافية إلى الاقتصاد فوراً، بحيث إنّ الاستثمارات لن تعود لمنطقة الصراع بسرعة بعد "تدمير الثقة" بالاستقرار، كما أنّ الفاتورة الاقتصادية والديون التي تراكمت ستكبّل النمو لسنوات، فيما ستستمر شركات التأمين والملاحة في فرض رسوم عالية خوفاً من تجدد الصراع.

لذلك، فإنّ العدوان الأميركي - الإسرائيلي على إيران لم ولن تنحصر تبعاته الاقتصادية على المنطقة والإقليم، بل تمتد لتكسر العمود الفقري للاستقرار المالي العالمي. فواشنطن اليوم، تضع العالم أمام خيارين أحلاهما مر: إمّا الخضوع لإملاءاتها العسكرية، أو الغرق في ركود اقتصادي قد يستمر لعقد من الزمان.

بقلم بتول رحال.