"إسرائيل" والعقيدة الجديدة: من "دولة" تبحث عن الأمن إلى قوّة تعيد تشكيل الإقليم

الاشراق | متابعة.

لم تعد "إسرائيل" تتصرّف كـ"دولة" تخشى الخطر بقدر ما تتصرّف كقوّة تسعى إلى تعريف الخطر نفسه. فالعقيدة العسكريّة السّياسيّة الإسرائيليّة في مرحلتها الرّاهنة لا تقوم على الدّفاع عن الحدود فقط، بل على إعادة تشكيل البيئة الإقليميّة بحيث يصبح التّهديد مستحيلًا قبل أن يُولد. إنّها نقلة جوهريّة من مفهوم "أمن الدّولة" إلى مشروع أوسع يمكن تسميته بـ "هندسة الإقليم".

على مدى عقود، اعتمدت "إسرائيل" على الحسم السّريع والحروب الخاطفة ضد جيوش نظاميّة. لكن التّحوّلات العميقة في طبيعة الصّراع منها صعود الفاعلين غير الدوليّين، تعدّد الجبهات، وتشابك السّاحات كشفت أنّ الخصوم الجدد لا يُهزمون بضربة واحدة ولا ينهارون بسقوط عاصمة. وهكذا تبلورت عقيدة مختلفة: حرب طويلة بلا إعلان، وردع بلا نهاية، وتفوّق بلا حسم. لم يعد السّؤال كيف تنتصر "إسرائيل"، بل كيف تمنع الآخرين من تحقيق أي انتصار أصلًا.

في هذه العقيدة الجديدة، لم يعد الزّمن عنصرًا ضاغطًا على "إسرائيل" كما كان في الماضي، بل أصبح أداة استراتيجيّة في يدها. إطالة أمد الصّراع تُضعف المجتمعات المحيطة، تستنزف الاقتصادات، وتُبقي الأنظمة في حالة انشغال دائم بالبقاء بدل المبادرة. إنّها سياسة إنهاك منهجي لا تحتاج إلى احتلال مباشر ولا إلى معارك فاصلة.

القوّة الجويّة والتكنولوجيّة أصبحت العمود الفقري لهذه الرّؤية. الضّربات الدّقيقة، الحرب السّيبرانيّة، الاغتيالات النّوعيّة، والتفوّق الاستخباري ليست أدوات عسكريّة فقط، بل أدوات سياسيّة تهدف إلى شلّ إرادة الخصم وتعطيل منظومة اتّخاذ القرار لديه. الهدف ليس تدمير القدرات فقط، بل تحويل أي مواجهة إلى حالة فوضى استراتيجيّة لدى الطّرف الآخر.

لكن الأخطر هو ما يمكن تسميته بعقيدة "التّدمير الرّادع". فرفع كلفة الصّراع لم يعد يقتصر على الجيوش، بل يمتد إلى البيئة الاجتماعيّة والاقتصاديّة الحاضنة. الرّسالة الضّمنيّة: أي حرب لن تكون مع "الجيش" الإسرائيلي وحده، بل مع قدرة جمهور كامل على الصّمود. إنّها حرب على الإرادة قبل أن تكون حربًا على القدرات.

وفي الخلفيّة، تعمل استراتيجيّة "المعركة بين الحروب" كآلية دائمة لمنع تشكّل أي تهديد استراتيجي. ضربات محدودة، عمليات سريّة، استهداف خطوط الإمداد، وتعطيل برامج التسلّح النوعي، كل ذلك من دون الانزلاق إلى حرب شاملة. إنّها حرب ظلّ مفتوحة لا تبدأ رسميًّا ولا تنتهي رسميًّا، لكنها تُبقي ميزان القوى مختلًا باستمرار.

سياسيًّا، تتجاوز هذه المقاربة مفهوم الأمن إلى طموح إقليمي أوسع. فـ"إسرائيل" تسعى إلى تثبيت معادلة يكون فيها الشّرق الأوسط فضاءً لا يمكن أن تنشأ فيه قوّة موازِنة حقيقيّة، أي مشروعاً إقليمياً مستقلاً يُنظر إليه كتهديد محتمل، وأي تحالف قد يغيّر ميزان القوى يُستهدف قبل أن يترسّخ. الهدف ليس إدارة صراع مع طرف بعينه، بل إدارة ميزان القوى في المنطقة بأكملها.

ضمن هذا السياق، تصبح العلاقات مع بعض القوى الإقليمية والتفاهمات مع القوى الكبرى جزءًا من منظومة ردع مركّبة لا تعتمد على القوّة العسكريّة وحدها، بل على شبكة من المصالح والأمن والتكنولوجيا. "إسرائيل" لا تريد فقط أن تكون الأقوى، بل أن تكون الطّرف الذي لا يمكن تجاوزه في أي معادلة.

أما في مواجهة إيران ومحورها، فتزداد المعادلة تعقيدًا. "إسرائيل" لا تريد حربًا شاملة قد تفتح كل الجبهات دفعة واحدة، لكنها لا تستطيع أيضًا السّماح بتراكم القوّة لدى خصومها. لذلك، تلجأ إلى سياسة "القصّ المستمر للأجنحة": ضربات محدودة، اغتيالات نوعيّة، استهداف للبنية العسكريّة، ومحاولات لقطع خطوط الإمداد. إنّها عمليّة إبطاء تاريخ الخصم، لا هزيمته دفعة واحدة.

في المقابل، تدرك المؤسّسة الأمنيّة الإسرائيليّة أنّ تعدّد الجبهات لبنان، غزة، سوريا، والبحر الأحمر قد يحوّل أي مواجهة واسعة إلى اختبار صمود داخلي بقدر ما هو اختبار قوّة عسكريّة. فالتفوّق العسكري لا يلغي هشاشة الجبهة الداخليّة أمام حرب طويلة ومكلفة.

من هنا، يمكن فهم سياسة التّصعيد المدروس: الاقتراب من الانفجار بما يكفي للرّدع، والابتعاد عنه بما يكفي للبقاء. إنّها إدارة مستمرّة لحافة الهاوية، حيث لا تُترك المنطقة تهدأ تمامًا ولا تُدفع إلى حرب شاملة. الحالة المثاليّة بالنسبة إلى هذه العقيدة هي "اللاحرب واللاسلام" توازن قلق دائم يمنع نشوء واقع إقليمي جديد.

غير أنّ هذه الاستراتيجيّة، رغم فعاليتها الظاهرة، تحمل في داخلها عنصر عدم الاستقرار. فإدارة الصّراع بدل حله تعني تراكم الأزمات وتأجيل الانفجار لا إلغاءه. وكلّما طال الزّمن، ازداد احتمال خطأ في الحسابات أو حادث غير متوقّع يشعل مواجهة كبرى.

في المحصّلة، لم تعد "إسرائيل" دولة تبحث عن سلام يضمن أمنها بقدر ما أصبحت قوّة ترى أنّ أمنها يتحقّق عندما يبقى الإقليم في حالة عدم توازن دائم ولكن مضبوط. سلام كامل قد يخلق قوى مستقلة، وحرب شاملة قد تفتح احتمالات غير محسوبة، لذلك يصبح الهدف إدارة الصّراع لا إنهاءه، ومنع التوازن لا الوصول إليه.

لم يعد السؤال اليوم: هل تستطيع "إسرائيل" الانتصار؟ بل هل تسمح لأي طرف آخر بأن يصل أصلًا إلى لحظة يمكن فيها الحديث عن انتصار؟

في شرق أوسط تتسارع تحوّلاته وتتعقّد توازناته، تبدو المنطقة وكأنها تعيش هدنة طويلة بين عاصفتين هدنة تُدار بالقوّة، لكنّها تبقى رهينة لحظة واحدة قد يختلّ فيها الميزان.

نيفين أبو رحمون - كاتبة وسياسيّة فلسطينيّة.
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الاشراق وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً