قراءة في التحوُّل العميق المتنامي ضدَّ "إسرائيل" في الولايات المتحدة

الاشراق | متابعة.

يتحدث موقع "notus" الأميركي المستقل عن تحول نوعي بدأ يظهر بشكل واضح في استطلاعات الرأي تجاه الموقف الجماهيري الأميركي من "إسرائيل" والدعم الرسمي لها، وهو تحول يشي بأن القاعدة الشبابية للحزب الجمهوري بدأت تصبح كمثيلتها الديمقراطية وتبتعد عن دعم الكيان..

فيما يلي نص المقال منقولاً إلى العربية:
في تموز/يوليو الماضي، نشرت النائبة السابقة مارغوري تايلور غرين على وسائل التواصل الاجتماعي، منشوراً اتهمت فيه "إسرائيل" بارتكاب "إبادة جماعية" في غزة. لكن، الرئيس التنفيذي للتحالف اليهودي "الجمهوري" مات بروكس، رفض قولها ووصفه بـ"السخيف" و"الغريب"، على عكس ستيف بانون المساعد السابق لدونالد ترامب والمذيع المؤثر، دافع عنها، وقال لصحيفة "نيويورك تايمز"، إنَّ "مارغوري تايلور غرين تعكس فقط آراء الناخبين في دائرتها"، الذين وصفهم بأنَّهم "مسيحيون إنجيليون متشددون".

وخلال الأشهر الماضية، امتلأت وسائل الإعلام بتقارير عن انقسام المحافظين الأميركيين حول "إسرائيل"، بينما يواجه منتقدوها مثل تاكر كارلسون، وميغين كيلي، وبانون، وغرين، الصهاينة المتشددين مثل مارك ليفين وبن شابيرو. مع ذلك، هناك تجاهل في الغالب على ما أكده بانون، أنَّ غرين في إدانتها "إسرائيل" كانت "تُعبر عن الإنجيليين المحافظين"، مع أنَّه من المفترض أنَّهم كانوا حجر الأساس في دعم الجمهوريين ل"إسرائيل".

دون علم الكثيرين في واشنطن، منذ فترة طويلة قبل أن يبدأ المعلقون والساسة من المحافظين هذه الجولة الأخيرة من الانتقادات ل"إسرائيل" كانت هناك تغييرات جذرية تحدث في قاعدة "الحزب الجمهوري"، حيث أصبح جيل الشباب في الحزب، من ضمنهم الإنجيليين، يشعرون بخيبة أمل متزايدة من دعم حزبهم "إسرائيل"، بلا مراجعة نقدية. وهؤلاء الذين كانت تمثلهم النائبة غرين وتتحدث باسمهم.

وقد تؤدي هذه الخيبة من "إسرائيل" إلى انقسام الجمهوريين خلال العامين المقبلين، بالطريقة ذاتها التي أدت بها حرب "إسرائيل" على غزة إلى انقسام "الحزب الديمقراطي" بالفعل. لكن العواقب المحتملة تتجاوز السياسة الداخلية للأحزاب. وبالاقتران مع مواقف الشبان الديمقراطيين، قد يشير ذلك إلى بداية نهاية العلاقة الخاصة بين أميركا و"إسرائيل" وهو سيناريو قد يغير الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط، ويؤثر في حياة اليهود الأميركيين، ولأول مرة منذ أجيال عديدة ستترك "إسرائيل" تعتمد على نفسها.

في العقود الأولى من وجود "إسرائيل"، كان أعضاء "الحزب الديمقراطي" هم أكثر الأميركيين دعماً لها. فمنذ تأسيس لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية، أو "إيباك"، عام 1954 وحتى عام 1993، كان المديرون التنفيذيون الثلاثة للمنظمة من الديمقراطيين الليبراليين. لكن الحماس الجمهوري لـ"إسرائيل" بدأ ينمو خلال سبعينيات القرن الماضي عندما أصبحت "إسرائيل" شريكاً أميركياً في الحرب الباردة. وفي عام 1977، أطاح الناخبون الإسرائيليون بـحزب العمل لصالح حزب الليكود المحافظ، ومع سيطرة الليكود وأحزاب اليمين الأخرى تدريجياً على السياسة الإسرائيلية، أصبح من الأسهل على اليمين الأميركي أن يرى "إسرائيل" كحليف.

لقد كان هجوم 11 أيلول/سبتمبر 2001، لحظة رئيسية أخرى في العلاقة بين المحافظين الأميركيين و"إسرائيل". فخلال تلك الهجمات على الولايات المتحدة وفقاً لاستطلاعات "غالوب"، كان كلا الحزبين يدعمان "إسرائيل" على حساب الفلسطينيين، مع تفوق الجمهوريين بنحو 10 نقاط مئوية في الدعم مقارنة بالديمقراطيين. وبحلول عام 2003، وصل الفارق إلى نحو 35 نقطة.

وكانت مجموعة سكانية واحدة تؤدي دوراً رئيسياً في هذا الاتجاه المتنامي. لكن، لماذا أصبح الحزب الجمهوري صهيونياً إلى هذا الحد؟ تساءل ديفيد فروم، كاتب خطابات الرئيس جورج دبليو بوش السابق، في كتابه "الرجل المناسب" في العام 2003. "بالتأكيد، تأثير المسيحيين الإنجيليين له علاقة كبيرة بذلك." في عام 2002، انضم رالف ريد، المدير التنفيذي السابق للتحالف المسيحي، إلى الحاخام يحيئيل إكشتاين لتأسيس منظمة باسم "الوقوف مع إسرائيل".

كما قال ريد لصحيفة "نيويورك تايمز"، إنَّ "لدى المسيحيين القدرة على أن يكونوا أكثر الدوائر الانتخابية فعالية في التأثير في السياسة الخارجية منذ نهاية الحرب الباردة". وفي عام 2006، أعاد القس جون هاي من تكساس، إحياء مجموعة "اتحاد المسيحيين لأجل إسرائيل". وبعد 6 سنوات، بلغ عدد أعضائها مليون شخص، مما جعلها أكبر منظمة مؤيدة ل"إسرائيل" في الولايات المتحدة.

أُرجع دعم الإنجيليين الأميركيين في بدايات القرن الحالي إلى ميلهم لاعتبار الصراع الإسرائيلي الفلسطيني جزءاً من "الحرب على الإرهاب".
وفي الوقت نفسه، استمر الفارق بين الديمقراطيين والجمهوريين بشأن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني في الاتساع، ليصل إلى 64 نقطة مئوية في عام 2018. وبينما كان جزء من هذا التباين ناتجاً عن تراجع التعاطف الديمقراطي، مع تحول التقدميين إلى انتقاد حكومات "إسرائيل" اليمينية واحتلال الضفة الغربية الفلسطينية، حيث كان صعود الدعم الإنجيلي عاملاً رئيسياً.

أما عن سبب تحول موقف الإنجيليين، فيكتب فروم أنَّ كارل روف المستشار السياسي للرئيس بوش، عزا دعم الإنجيليين إلى ميلهم إلى اعتبار الصراع الإسرائيلي الفلسطيني جزءاً من "الحرب على الإرهاب". وقد رأى العديد من الإنجيليين "إسرائيل" صديقاً بالفعل، لأنَّها عدو عدوهم وهم متطرفو "الجماعات الإسلامية" في الشرق الأوسط.

مع ذلك، حماسهم في دعم "إسرائيل" لم يكن مجرد مسألة سياسية، بل كان مرتبطاً أيضاً بإيمانهم وتحديداً، تبنيهم لنظرية التدبير الإلهي قبل الألفية، أو "لاهوت نهاية الزمان"، الذي يعود إلى تيار من اللاهوت البروتستانتي، القائم على قراءات انتقائية للكتاب المقدس، من خلال تعاليم رجل دين يُدعى جون نيلسون داربي في منتصف القرن 19. ولم يحظَ هذا التيار بتأييد يُذكر في أوائل ومنتصف القرن الماضي إلا بين بعض المعمدانيين والخمسينيين، لكنَّه انتشر على نطاق واسع بعد ذلك، مُستلهماً من انتصار "إسرائيل" غير المتوقع في حرب "الأيام الستة" في 1967 مع بعض الدول العربية.

كذلك، كانت نظرية "التدبير الإلهي" موضوعاً لكتاب هال ليندسي الأكثر مبيعاً في فئة الكتب غير الروائية في سبعينيات القرن الماضي، وهو كتاب "كوكب الأرض العظيم المتأخر"، كما روّج له بات روبرتسون من خلال برنامجه التلفزيوني "نادي الـ 700" ومنظمته التحالف المسيحي. وبحسب المذهب التدبيري، انقسم التاريخ بعد مجيء يسوع الأول إلى مراحل، أو تدابير بلغت ذروتها في مجيئه الثاني.

وإحدى المراحل الأساسية، بحسب الكتاب، "كانت عودة اليهود، شعب الله المختار، إلى أرضهم في إسرائيل واستعادتها، وبعد أن يُرسّخ اليهود وجودهم خلال 40 عاما بعد قيام إسرائيل، سيصعد المسيح إلى السماء، ويختطف المؤمنون الحقيقيون فيما يُعرف بالاختطاف. وبعد ذلك، سيُعاني العالم 7 سنوات من الضيق قبل أن يأتي المسيح إلى الأرض ويرأس ألفية عادلة ومُفعمة بالفرح". وكان على الإنجيليين دعم "إسرائيل" كشرط أساسي لاختطافهم على يد المسيح، بحسب هذا الادعاء.

ولقد أظهر استطلاع حديث أجراه موتي إنباري من جامعة نورث كارولينا، وكيريل بومين من جامعة بوسطن، وشمل إنجيليين، مدى مركزية مذهب ما قبل الألفية في دعم الإنجيليين لـ"إسرائيل". وخلصا إلى أنَّ الإيمان بـ"ما قبل الألفية يزيد احتمالية الدعم القوي ل"إسرائيل" بنسبة 82.7%"، بينما رفض هذه المعتقدات يقلل من احتمالية الدعم القوي لـ"إسرائيل" بنسبة 56.2% بالمقارنة.

كذلك، لم يتبنَّ جميع الإنجيليين الشروط الدقيقة لنظرية التدبير الإلهي قبل الألفية. لكن الكثيرين منهم فعلوا. وعلى الأقل، تبنوا فكرة أنَّ اليهود هم "شعب الله المختار"، وأنَّ الله وعد إبراهيم بأنَّ "إسرائيل" ستكون موطنهم، وهذه  الفكرة أدت دوراً حاسماً في دعمهم لـ"إسرائيل". وقد أظهر استطلاع رأي أجرته مؤسسة "لايف واي ريسيرش" المسيحية عام 2017، أنَّ "السبب الرئيسي لدعم معظم الإنجيليين لإسرائيل هو ما وجدوه في الكتاب المقدس".

وفي إعادة تحليل بيانات "لايف واي" في عام 2021، ظهر أنَّ الإنجيليين "الذين صرحوا بأنَّهم يدعمون إسرائيل لتحقيق النبوءة المتعلقة بالمجيء الثاني ليسوع المسيح، وأنَّ اليهود هم شعب الله المختار، هم أكثر عرضة لإظهار مستويات عالية من الدعم لإسرائيل". وفي الحزب الجمهوري عموماً، ومع الإنجيليين الأميركيين خصوصاً، بدا أنَّ "إسرائيل" قد وجدت حليفاً قوياً ومتماسكاً. ثم، فجأةً ودون سابق إنذار، بدأ كل شيء بالانهيار..
 

وفي عام 2022، وفقاً لمركز "بيو" للأبحاث، كان الجمهوريون الذين تقل أعمارهم عن 50 عاماً أكثر ميلاً إلى تبني نظرة إيجابية تجاه "إسرائيل" بنسبة 63%، مقابل 35%. وبحلول العام الماضي، ارتفعت نسبة تبنيهم لنظرة سلبية إلى 50% مقابل 48%، أي بفارق 30 نقطة. وقد كان الانخفاض بين الإنجيليين الشباب حاداً بالقدر ذاته. كما تراجع تأييد "إسرائيل" بين الإنجيليين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عاماً من 69% عام 2018، إلى 33.6% عام 2021، وفقاً لاستطلاع رأي أشرفت عليه مؤسسة "بارنا"، وهي مجموعة بحثية واستطلاعات رأي مسيحية.

وفي الصيف الماضي، وجد استطلاع جامعة ميريلاند للقضايا الحرجة أنَّ 32% فقط من الإنجيليين الجمهوريين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عاماً يتعاطفون مع الإسرائيليين عوضاً عن الفلسطينيين. فما الذي حدث؟ لا شك في أنَّ جزءاً من هذا يتعلق بالتاريخ والذاكرة. فمع مرور الزمن، بات الناخبون الشباب ينظرون إلى "إسرائيل" على أنَّها أقل أماناً لشعب مضطهد باستمرار، وأكثر ميلاً إلى اعتبار الإسرائيليين أنفسهم مضطهدين. كما أن الشباب الأميركيين باتوا أقل ارتباطاً بـ"إسرائيل" من أيام الحرب الباردة، وبالنسبة لأصغر الناخبين، من الحرب على الإرهاب التي أعقبت أحداث 11 أيلول/ سبتمبر.

كل هذا جعل الجمهوريين الشباب، وكذلك الديمقراطيين الشباب، أقل ميلاً لتجاهل أو تبرير التوسع الاستيطاني الإسرائيلي العدواني وإساءة معاملة الفلسطينيين في الضفة الغربية، وردها الدموي على مقتل نحو 1200 إسرائيلي على يد "حماس" في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023. قد لا يتفقون مع غرين وكارلسون في وصف رد "إسرائيل" بـ"الإبادة الجماعية"، لكن بعضهم سيكونون أكثر ميلاً إلى اعتبار قتل عشرات الآلاف من النساء والأطفال، وجعل قطاع غزة غير صالح للسكن، رداً غير أخلاقي.

وفي استطلاع رأي في ولاية ماريلاند، قال 22% فقط من الجمهوريين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عاماً إنَّ تصرفات "إسرائيل" في غزة مبررة "بموجب حق الدفاع عن النفس"، مقارنة بـ52% من الجمهوريين الذين تبلغ أعمارهم 35 عاماً فأكثر. كما رأى 36% فقط من الجمهوريين الإنجيليين الشباب أنَّ الرد الإسرائيلي مبرر، مقارنة بـ59% من الجمهوريين الإنجيليين الأكبر سناً.

لكن من المهم الإشارة إلى أنَّ خيبة أمل الشباب الإنجيليين سبقت الحرب في غزة بعدة سنوات. وكما أظهر استطلاع رأي أجرته مؤسسة "بارنا"، فقد بدأت هذه الخيبة في الفترة ما بين عامي 2018 و2021. ولعل ذلك يعود إلى أنَّ الشباب الإنجيليين بحلول عام 2018، وبعد عقود من حرب الأيام الستة التي أقنعت العديد من المسيحيين بقرب وقوع الاختطاف، كانوا يتخلون عن اللاهوت التدبيري.

وقد أكد العديد من الخبراء هذه الظاهرة. وكتب مارك تولي رئيس "معهد الدين والديمقراطية" قبل بضعة أشهر، "يميل الإنجيليون الشباب إلى تبني مذهب التدبير الإلهي بشكل أقل، ولم تعد المعاهد اللاهوتية التي كانت تُشدد عليه تُركز عليه الآن". وأضاف، "شخصيًا، نادراً ما ألتقي من يتبعون مذهب التدبير الإلهي ممن تقل أعمارهم عن 50 عاماً".

وفي مقال نُشر في مجلة "ميدل إيست كوارترلي" في ديسمبر/كانون الأول الماضي، أوضح آرون ديفيد فروه أنَّ الإنجيليين الشباب "يتبنون بدائل مثل الألفية، أو ما بعدها، التي ترى أنَّ المجيء الثاني للمسيح سيحدث بعد أن تُنصّر الكنيسة العالم". وأشار أندرو فويغت في مجلة "كريستيانتي توداي" عام 2024 إلى أنَّ بعض الإنجيليين ينضمون إلى الكنيسة الكاثوليكية أو الأرثوذكسية الشرقية، وكلاهما يتبنى وجهة نظر الألفية.

وأظهر استطلاع رأي واسع النطاق أجرته مؤسسات "إنفينيتي كونسبتس" و"غراي ماتر ريسيرش آند كونسلتينغ"، العام الماضي شمل أكثر من ألف إنجيلي، وهما مؤسسات متعاونة عادةً مع الجماعات المسيحية، أنَّ 29% فقط من الإنجيليين دون سن 35 عاماً يعتقدون أنَّ "اليهود هم شعب الله المختار". أما بالنسبة لبقية الفئات العمرية، فقد بلغت النسبة 50% أو أكثر. ووفقاً للاستطلاع، فإن الإنجيليين الشباب أكثر ميلاً من الإنجيليين الأكبر سناً إلى تبني "لاهوت الاستبدال"، أو إنكار وجود شعب الله المختار، أو عدم معرفة ما يجب الإيمان به. ويُعرف "لاهوت الاستبدال" أو "التجاوز" بأنه الاعتقاد بأنَّ المسيحيين، مع مجيء يسوع الأول، قد حلوا محل اليهود كشعب الله المختار، وهو اعتقاد لا يُولي أي أهمية خاصة لدولة "إسرائيل".

قد ينظر الإنجيليون الرافضون لمذهب "التدبير الإلهي" إلى الصهيونية المسيحية على أنَّها بدعة، وقد يكنّون العداء ل"إسرائيل"، بل ولليهود أيضاً.
يعتبر أندي ستانلي من كنيسة "نورث بوينت مينستريز" في جورجيا، أحد أبرز القساوسة الإنجيليين الذين تبنّوا نظرية الاستبدال، وتضمّ هذه الكنيسة 8 كنائس و50 ألف تابع. وستانلي، الذي ألّف أكثر من 20 كتاباً يحظى بشعبية واسعة على مستوى البلاد. وقد حثّ رعيّته على التحرّر من قيود العهد القديم، ومن النظرة اليهودية للعالم.

قد ينظر الإنجيليون الرافضون لمذهب التدبير الإلهي إلى الصهيونية المسيحية على أنَّها بدعة، وقد يكنّون العداء ل"إسرائيل"، بل ولليهود. يكتب تولي، "بعض المسيحيين الأمريكيين في عصر ما بعد التدبير الإلهي، ينجذبون الآن، أو يقعون طوعاً، في دوامة من الهوس ب"إسرائيل" وباليهود. أما الإنجيليون الآخرون الذين يتبنون وجهة نظر أكثر وضوحاً حول الألفية، وهي وجهة نظر يتبناها على سبيل المثال، العديد من الكاثوليك الأميركيين، فيحكمون على "إسرائيل" كما يحكمون على أي بلد أجنبي آخر، ويجدونها قاصرة.

لدى "إسرائيل" ما يدعو للقلق. فقد خسرت بالفعل جيلاً من الديمقراطيين الشباب، والآن يتكرر الأمر نفسه بين الجمهوريين الشباب.
من الواضح أنَّ الحكومة الإسرائيلية والمتحالفين معها في أميركا قلقون بشأن انشقاق الشباب الإنجيليين. وقد خصصت وزارة الخارجية الإسرائيلية ملايين الدولارات لتحسين صورتها بين الإنجيليين. وانضمت إلى هذه الجهود جماعتان مسيحيتان صهيونيتان، هما "أصدقاء صهيون" و"مشروع التجديد الأميركي".

في الواقع لدى "إسرائيل" ما يدعو للقلق. فقد خسرت بالفعل جيلاً من الديمقراطيين الشباب، والآن يتكرر الأمر نفسه بين الجمهوريين الشباب. وبدون دعم شعبي، ستضطر "إسرائيل" والأميركيون المؤيدون لسياساتها إلى الاعتماد على نفوذ جماعات مثل لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية "أيباك"، فضلاً عن اليهود الأثرياء المؤيدين ل"إسرائيل" مثل بيل أكرمان وميريام أديلسون ولاري إليسون. ويبدو أن دعم ترامب نفسه للأهداف الإسرائيلية قد تأثر بشكل كبير بمانحين مؤيدين ل"إسرائيل" وبصهره جاريد كوشنر، الذي تبرعت مؤسسته العائلية للمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية الفلسطينية.

ومن المرجح أنَّ هذا الوضع غير قابل للاستمرار، وقد تترتب عليه آثار جانبية وخيمة. فإنَّ شبح اليهود الأثرياء ومنظماتهم وهم يجهدون للحفاظ على العلاقة الخاصة بين أميركا و"إسرائيل"، في مواجهة تيار معاكس، قد يعزز ليس فقط العداء ل"إسرائيل"، بل و"معاداة السامية" أيضاً، المتجذرة جزئياً في معتقدات قديمة حول النفوذ اليهودي غير المشروع، والتي بدأت تتصاعد بالفعل في اليمين واليسار.

وقد أظهر استطلاع رأي واسع النطاق أجرته "جامعة ييل" بين الشباب في خريف العام الماضي، أن 43% من الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و22 عاماً، و39% من الذين تتراوح أعمارهم بين 23 و29 عاماً، يحملون واحداً على الأقل من 3 معتقدات "معادية للسامية"، مثل أنَّ "يتمتع اليهود في الولايات المتحدة بنفوذ مفرط". كما أن نسبة مذهلة تبلغ 45% من المحافظين البيض الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عاماً يحملون أحد هذه المعتقدات.

وقد بدأت الانقسامات حول "إسرائيل" تظهر بالفعل في السياسة الانتخابية للحزب الجمهوري. ففي فلوريدا، يتعهد المرشح الجمهوري لمنصب حاكم الولاية جيمس فيشباك، برفض التبرعات من "أيباك"، وسحب 385 مليون دولار من أموال ولاية فلوريدا المخصصة لسندات "إسرائيل". وفي الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري في شرق كنتاكي، يدعم مانحون مؤيدون ل"إسرائيل" منافساً للنائب الحالي توماس ماسي، الذي عارض التمويل العسكري ل"إسرائيل". وفي معرض تأييده لمنافس ماسي، وصفه ترامب بأنه "كاره ل"إسرائيل".

وبالنظر إلى عام 2028، يشكك بعض الجمهوريين المتشددين تجاه "إسرائيل" في التزام نائب الرئيس جيه دي فانس تجاه الدولة اليهودية، بينما لم يترك 2 من منافسيه المحتملين، ماركو روبيو وتيد كروز، مجالاً للشك في مواقفهما المؤيدة لـ"إسرائيل". ومن بين النقاط التي تُؤخذ على فانس أنَّه عندما زار "إسرائيل" في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، أغفل الزيارة المعتادة إلى "حائط المبكى"، واستبدلها بزيارة كنيسة القيامة في القدس الموقع المقدس الذي يرتاده المسيحيون. وقبل ذلك بشهر، كان روبيو قد زار "حائط المبكى".

 ومن المعروف أيضاً أنَّ فانس أكثر معارضة بكثير من روبيو أو كروز للتدخل في الحروب الخارجية التي لا تمس المصالح الوطنية الأميركية بشكل مباشر. وقد أصبح الصراع حول خليفة ترامب متشابكاً مع الحرب الكلامية الدائرة على وسائل التواصل الاجتماعي بين المعلقين المحافظين. ولقد ربط مؤيدو "إسرائيل" بين فانس وتاكر كارلسون وعدائه ل"إسرائيل".

في المستقبل، عندما تندلع الاشتباكات بين الإسرائيليين والفلسطينيين، أو بين "إسرائيل" وأي من جيرانها حتماً ستواجه الإدارة الأميركية، التي ترغب في دعم الدولة اليهودية بكل قوتها، صعوبة في إقناع قاعدتها الانتخابية بالموافقة.
وفي أيلول/سبتمبر الماضي هاجم مارك ليفين من قناة "فوكس نيوز"، أعضاء فريق فانس وكارلسون لانتقادهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وكتب ليفين على موقع "إكس": "مكتب نائب الرئيس هو مركز تاكر". في المقابل، هاجم كارلسون كروز في برنامجه لتلقيه دعماً من "أيباك" ولتأييده القاطع ل"إسرائيل".

بالطبع، قد تتغير الأمور كثيراً خلال عامين، خاصةً مع وجود ترامب في البيت الأبيض. وإذا كان لدى ترامب، بدعم من كوشنر ومبعوث الشرق الأوسط ستيف ويتكوف، استراتيجية شاملة في الشرق الأوسط، فهي على النحو الآتي، مساعدة "إسرائيل" في إضعاف إيران، خصمها الرئيسي في المنطقة، وعدم الاعتراض على تهميش الإسرائيليين للفلسطينيين أو تهجيرهم من أراضيهم في الضفة الغربية وقطاع غزة. وتوسيع "اتفاقيات أبراهام" لتشمل كل دول الخليج.

 يوصف المعارضون الأميركيون لهذه الاستراتيجية بكارهي "إسرائيل" أو معادين للسامية. وإذا تكللت هذه الجهود بالنجاح بحلول عام 2028، فربما لن تحتاج "إسرائيل" إلى الكثير من المساعدة الأميركية في المستقبل. وفي هذه الحالة، قد لا يهم رأي المسيحيين الإنجيليين الشباب.

لكن من غير المرجح أن تبقى الصراعات في الشرق الأوسط، التي يعود تاريخها إلى أكثر من قرن، هادئة للأبد. وفي يوم من الأيام، عندما تندلع الاشتباكات بين الإسرائيليين والفلسطينيين، أو بين "إسرائيل" وأي من جيرانها حتماً ستواجه الإدارة الأميركية التي ترغب في دعم الدولة اليهودية بكل قوتها صعوبة في إقناع قاعدتها الانتخابية بالموافقة.

ولطالما عرفنا أنَّ هذا ينطبق على أي ديمقراطي سيتولى الرئاسة في المستقبل. والآن، بفضل جيل جديد من المحافظين، من المرجح أن ينطبق هذا أيضاً على أي رئيس جمهوري سيتولى الرئاسة مستقبلاً.

نقله إلى العربية: حسين قطايا.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الاشراق وإنما تعبّر عن رأي الصحيفة حصراً