"فورين أفيرز" عن انسحاب أميركا من "الناتو" .. سيضعفها بشكل دائم!

الاشراق | متابعة.

مجلة "فورين أفيرز" تنشر مقالاً حول توجّه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإعادة تشكيل دور واشنطن داخل حلف "الناتو"، عبر تقليص القيادة العسكرية الأميركية ونقل بعض المهام إلى الأوروبيين. ويرى التقرير أنّ هذا الانسحاب التدريجي قد يُضعف التحالف عبر الأطلسي ويقوّض نفوذ الولايات المتحدة الاستراتيجي على المدى البعيد.

 أدناه النص منقولاً إلى العربية بتصرف:

في خضمّ سلسلة من الاضطرابات - من تهديدات إقليمية ضد الدنمارك، إلى تغيّب دبلوماسيين أميركيين رفيعي المستوى عن اجتماعات التحالف، وتخفيضات مُخطط لها في أعداد الأفراد في منشآت "الناتو" ، بات نهج إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في ولايتها الثانية تجاه "الناتو" واضحاً.

فبدلاً من التخلي عن التحالف علناً، كما خشي بعض المحلّلين، يبدو أن الولايات المتحدة "تنسحب بهدوء".

أي إنها تتراجع تدريجياً عن التحالف الذي قادته لما يقرب من ثمانية عقود. ويبدو أنّ البيت الأبيض يعتقد أنه فقط إذا تراجعت الولايات المتحدة، ستُجبر أوروبا في نهاية المطاف على النهوض.

قد تكون إدارة ترامب عازمة على تقويض عقود من قيادة الحلف، إلاّ أنها ستكتشف أن التخلي عن الإشراف على الآلة العسكرية لحلف "الناتو" أصعب بكثير مما كان متوقعاً. فقد بُني هيكل قيادة "الناتو" حول البنية التحتية والكوادر الأميركية، ولا يوجد حالياً أي عضو آخر في الحلف مؤهل ليحل محل واشنطن.

وإذا اختار ترامب المضي قدماً في خطة فك الارتباط، فإن الجوانب اللوجستية للخلافة ستكون أقل ما يشغل بال الولايات المتحدة الأميركية.

ولم يسبق لأي قوة عظمى أن تخلت طواعية عن السيطرة، فضلاً عن القيادة، على تحالف بنته وقادته. إن القيام بذلك في لحظة من الاضطرابات الجيوسياسية العميقة من شأنه أن يُضعف الشراكة عبر الأطلسي، ويجعل الولايات المتحدة أقل أماناً.

من خلال التخلّي عن قيادة المقرات العملياتية، المعروفة باسم قيادات القوات المشتركة، المسؤولة عن تخطيط وتنفيذ عمليات "الناتو"، ورفض شغل المناصب العسكرية الأميركية في منشآت "الناتو" الأخرى عند حلول موعد تجديدها، تُقلّص واشنطن فعلياً سيطرتها العملية على الحلف.

قد لا تستهدف الإدارة الأميركية سحب القوات الأميركية على الخطوط الأمامية، بل تُقلّص بدلاً من ذلك، المناصب العسكرية الأميركية في منشآت "الناتو"، بما في ذلك مقرّ قيادة العمليات الخاصة في أوروبا "SHAPE" في بلجيكا. بعدم شغل الوظائف الرئيسية، وبالتالي إضعاف الوجود الأميركي داخل مؤسسات "الناتو"، تتراجع واشنطن فعلياً عن إدارة شؤون الحلف اليومية.

قد يكون لهذا التراجع عواقب وخيمة تفوق حتى سحب لواء أو اثنين من أوروبا.

مع ذلك، ضمن سعيها لإعادة تشكيل البنية التحتية العسكرية لحلف "الناتو"، ستواجه إدارة ترامب معضلة لطالما واجهت قادة الحلف على مرّ القرون، وهي أنه كيف يمكن الحفاظ على السيطرة مع التخلي عن بعض المسؤوليات؟

قد يعتقد ترامب أنّ الحرية الاستراتيجية التي ستتحقق عبر التخلي عن التزامات "الناتو" تستحق التخلي عن دور واشنطن القيادي التقليدي، إلا أن التاريخ يشير إلى خلاف ذلك،  فقيمة النفوذ وحسن النية والنطاق العسكري الذي يكتسبه قادة الحلف تفوق بكثير تكاليف التزاماتهم تجاه الأعضاء الآخرين.

وبحسب وكالة "رويترز"، واصلت إدارة ترامب الضغط سراً لإجراء إصلاحات على هيكل القيادة العسكرية المتكاملة لحلف "الناتو"، الذي يُعدّ مركز العمليات الرئيسي للحلف.

وبالتزامن مع تقليص الوجود العسكري الأميركي في القارة، تستعدّ الإدارة لتنحّي الولايات المتحدة عن قيادة عمليات بناء القوات والتخطيط الدفاعي لحلف "الناتو"، وذلك ضمن رؤية أوسع لهيكل قيادة أوروبي لحلف الناتو بحلول عام 2027. 

وعلى الرغم من أن الإدارة لا تخطط، في الوقت الراهن، للتخلي عن منصب القائد الأعلى لقوات الحلفاء، إلا أن هذه الإصلاحات تخلق ديناميكيات تجعل مثل هذا التغيير في القيادة العليا أكثر احتمالاً مع مرور الوقت. 

وتبقى العلاقة بين قيادة التحالف وحجم المساهمة مبدأً عسكرياً راسخاً.

في حالة حلف شمال الأطلسي "الناتو"، لا يقتصر الأمر على تولي واشنطن المنصب العسكري الأعلى فحسب، بل تشغل الولايات المتحدة ما يقارب ربع المناصب البالغ عددها ألف منصب في مقرّ قيادة العمليات الخاصة في أوروبا "SHAPE"، وهو عدد يفوق أي دولة أخرى.

إلى جانب مسؤوليات القائد الأعلى لقوات الحلفاء، المسؤول عن جميع قوات "الناتو"، يضطلع الضباط والموظفون الأميركيون بمعظم الأدوار الوظيفية الأساسية في المقر العسكري للحلف، بما في ذلك إعداد خطط الحملات الإقليمية والمسرحية، وتحديد ومراجعة أهداف القدرات الوطنية، وغيرها من مهام الردع والدفاع الرئيسية.

لسنوات، خلصت الإدارات الأميركية المتعاقبة من كلا الحزبين إلى أن مزايا الريادة بين المتساوين في حلف "الناتو"، والاحتفاظ بسلطة واسعة النطاق على التخطيط والعمليات العسكرية، تفوق تكاليف تمويل الدفاع الأوروبي.

ومع ذلك، فإنّ ترامب، كما أوضح جلياً في الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، في كانون الثاني/يناير، مقتنع بأن الولايات المتحدة "لم تحصل على شيء قط" من حلفائها عبر المحيط الأطلسي.

وقد باتت إدارته تعتقد أن الولايات المتحدة ستكون أفضل حالاً بالعمل منفردة، إلاّ أن قلب النظام القائم سيكون صعباً، وإذا ما نجح، فسيؤدي في نهاية المطاف إلى إضعاف الأمن القومي الأميركي.

ومع وجود نحو 80 ألف جندي في القارة، لم تعد الولايات المتحدة تمتلك أكبر قوة عسكرية وطنية في أوروبا. فالقوات المسلحة النظامية لعدد من حلفاء "الناتو" الأوروبيين، بما في ذلك فرنسا وإيطاليا وبولندا، تفوق بكثير الوجود العسكري الأميركي.

ولكن حتى مع تخليها عن دورها القيادي في توفير القوات التقليدية، لا تزال واشنطن تسهم بأكثر من أي دولة أخرى، في القدرة التدميرية لـ "الناتو". وبصفتها أكبر قوة نووية في "الناتو"، فقد وفّرت ردعاً موسعاً للأعضاء منذ بدايات الحلف. هذا الالتزام الاستراتيجي، وليس مجرد عدد القوات المنتشرة، هو ما عزز الدور البارز للولايات المتحدة في التخطيط العسكري للحلف. وإذا سارت الأمور وفقاً لرغبة إدارة ترامب، فقد يصبح هذا الالتزام في خطر أيضاً.

قد تُعيد خطط الإدارة الأميركية لإصلاح هيكل قيادة حلف "الناتو"، عبر إسناد عمليات التخطيط الرئيسية والمناصب إلى الأوروبيين، إحياء فكرة تقسيم المهام التقليدية والنووية بين أوروبا، التي ستوفر الجزء الأكبر من القوات التقليدية للدفاع عن الحلف، والولايات المتحدة، التي ستشكّل ترسانتها النووية الضامن النهائي للأمن، وهي فكرة لا تحظى بشعبية واسعة خارج واشنطن. وقد لاقت هذه الفكرة رواجاً بين المسؤولين الأميركيين خلال الحرب الباردة كوسيلة لخفض التكاليف، لكنها أثبتت في نهاية المطاف، عدم جدواها بمجرد أن اتضح أنّ الدفاع عن الكتلة الغربية يعتمد على الوجود والردع الأميركيين المستمرّين.

ولن تكون هذه الفكرة أكثر جدوى اليوم، في ظل هشاشة مصداقية الدفاع الجماعي ضد خصوم الحلف.

لطالما أدرك حلفاء واشنطن وخصومها أنّ القوات الأميركية المتمركزة في أوروبا تخدم أغراضاً متعدّدة،أهمها طمأنة المواطنين، وردعهم، والدفاع عنهم. ويخشى الحلفاء، عن حق، أن أي انسحاب للقوات قد يُشير إلى تراجع التزام الولايات المتحدة بأمن أوروبا، ويُشجع الخصوم على اختبار ردود الفعل. 

إنّ الإصلاحات التي تدرسها إدارة ترامب لن تؤدي إلاّ إلى تشجيع المزيد من محاولات زعزعة استقرار القارة. في الواقع، قد يكون التلاعب بفرق التخطيط في مقر قيادة العمليات الخاصة في أوروبا "SHAPE" أكثر ضرراً من سحب القوات، إذ إن غياب المخططين الأميركيين سيجعل من الصعب على واشنطن السيطرة على التصعيد. ولأن البنتاغون لن يُشرك القوات الأميركية في أي عمليات لحلف "الناتو" لم يشارك في تشكيلها، فإن أي خطوة من جانب الإدارة لتهميش المخططين الأميركيين ستخلق اختناقاً أمام مهام الناتو المستقبلية.

حتى وإن لم تستوعب إدارة ترامب بعدُ التداعيات الاستراتيجية لإصلاحاتها المزمعة، فإن الحلفاء الأوروبيين قد أدركوها. ومن المرجح أن يواجهوا صعوبة في تلبية أي مسعى من "البنتاغون" لنقل بعض مهام قيادة القوات الجوية الأميركية في أوروبا "SHAPE" إليهم. فالقوات المسلحة الأوروبية تعاني أصلاً من نقص حاد في الموارد بعد عقود من نقص الاستثمار.

إنّ تفويض ضباط غير أميركيين العديد من مسؤوليات التخطيط الدفاعي لقيادة العمليات الخاصة في أوروبا "SHAPE" ستترتب عليه آثار استراتيجية وعملياتية وتكتيكية عميقة على الحلف، وعلى الولايات المتحدة نفسها. فوجود قائد أعلى للحلفاء من غير الأميركيين يعني إصدار أوامر عملياتية لضباط أميركيين في أي طارئ أوروبي، وهو ترتيب لطالما اعتبره "البنتاغون" غير قابل للتطبيق. 

قد لا ينظر ترامب إلى دفاع الولايات المتحدة وأوروبا على أنه مترابط بشكل وثيق كما فعل أسلافه، لكن إصلاح هيكل قيادة حلف "الناتو" وفقاً للخطوط التي تتصورها الإدارة سيتعارض مع مصالح الأمن القومي الأميركي في مناطق أوسع بكثير من أوروبا. فقد جرت العادة أن يشغل القائد الأعلى لقوات الحلفاء في أوروبا منصب قائد القيادة الأوروبية الأميركية في الوقت نفسه. ويتيح هذا الترتيب للقائد الأعلى لقوات الحلفاء إمكانية إشراك القوات الأميركية - ضمن التسلسل القيادي الأميركي - في حلف "الناتو" فوراً، وهي ميزة بالغة الأهمية، خاصةً عندما تنفذ الولايات المتحدة مهاماً في مسارح عمليات أخرى تتطلب الوصول إلى مرافق التزود بالوقود والأصول الموجودة في أوروبا. 

حتى لو رأت إدارة ترامب أن فقدان الوصول إلى منشآت الحلفاء ثمن مقبول مقابل تخفيف المسؤولية، فقد تجد أن نقل القيادة أصعب بكثير مما تتصوّر. يقدّم التحالف العسكري الأميركي الكوري الجنوبي مثالاً توضيحياً لصعوبات التخلي عن السيطرة مقابل تخفيف العبء العسكري.

تأسّست قيادة القوات المشتركة عام 1978 كترتيب قيادة انتقالي يتولى قيادته في البداية جنرال أميركي قبل أن يتولى جنرال كوري جنوبي برتبة أربع نجوم القيادة في نهاية المطاف، مع نائب أميركي. بعد ما يقرب من خمسة عقود، لا تزال القيادة قائمة إلى حد كبير، ولا تزال تحت القيادة الأميركية. على الرغم من التقدّم المتقطع في خطط نقل السيطرة العملياتية، فإن استمرار هيكل القيادة هذا يؤكّد مدى صعوبة التخلي عن المسؤوليات من دون التنازل عن السيطرة. سيكون تحويل الولايات المتحدة من دور قيادي إلى دور داعم في تحالف يضم 31 عضواً آخر أصعب بكثير.

وأصبح من الشائع بين بعض مسؤولي الدفاع الأميركيين وصف خطط تقليص الدور الأميركي في حلف "الناتو" بأنها تحول ثقافي من "واحد زائداً 31" إلى "واحد من 32". وتقول الفكرة إن على الأوروبيين والكنديين أن يعتادوا على التعامل مع الولايات المتحدة كحليف آخر وليس كقائد للحلف.

مع ذلك، يبدو أن إدارة ترامب لا تُدرك المقايضة الحتمية التي ستصاحب هذا التحوّل. فبتقليص حصتها من الأعباء، ستُقلّص واشنطن حتماً نطاق سيطرتها على حلف "الناتو". وحتى لو كانت الإدارة مستعدة للتضحية بهذه السيطرة للتخلص نهائياً من متطلبات إدارة الحلفاء الذين تعتبرهم مُقيِّدين للولايات المتحدة، فإن التخلي عن منصب القيادة -وجميع المزايا المصاحبة له- سيُحدّ في الواقع من حرية العمل من دون قيود على الساحة العالمية التي تدّعي الإدارة أنها تُوليها أهمية بالغة.

قد لا تنسحب الولايات المتحدة بشكل كامل من حلف "الناتو"، لكن انسحابها التدريجي من دورها كمدير للحلف، والذي صقلته على مدى عقود لصالح واشنطن وأوروبا، سيطوي صفحة قرن تقريباً من الشراكة المثمرة، ما سيؤدي إلى إضعاف الولايات المتحدة بشكل دائم.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الاشراق وإنما تعبّر عن رأي الصحيفة حصراً