قراءة في كتاب .. "الهروب من الرأسمالية"

الاشراق | متابعة.

في موقع "znetwork" يناقش الباحثان الاقتصاديان ستيفن ماهر وسكوت أكوانو، ومؤلفي كتاب "سقوط ونهوض التمويل الأميركي: من جي بي مورغان إلى بلاك روك"، يناقشان كتاب الاقتصادية الإيطالية كلارا ماتي "الهروب من الرأسمالية" في إطار التجارب الاقتصادية التي نعيشها، وضرورة التخطيط الاقتصادي تجنباً للكوارث التي تهددنا في المجال الاقتصادي..

فيما يلي نص المقال منقولاً إلى العربية:
 يُركز النمط السائد للتحليل الاشتراكي للرأسمالية المعاصرة في معظم الأحيان على فسادها، أو انحلالها من خلال تمويل المضاربات المفرط، والاحتكار، وإلغاء القيود، أو نفوذ الشركات على السياسة، واستغلال الريع من كبار "التكنو-إقطاعيين"، والفساد السياسي، حيث يُنظر إليها على أنَّها انحرافات استنزفت حيوية الرأسمالية التنافسية، مما أدَّى إلى تفاقم عدم المساواة الاقتصادية وإضعاف الطبقة العاملة، وبلغت ذروتها في صعود الكابوس الترامبي الفاشي الجديد الحالي إلى السلطة.

كذلك تُشير هذه الرؤى إلى سياسة ديمقراطية اجتماعية تقوم على التوافق الطبقي، حيث يُفترض أن العمال وأصحاب رؤوس الأموال الصناعية "المنتجين"، أي أنَّ أرباب عملهم يتشاركون مصلحة مشتركة في "استعادة القدرة التنافسية" من خلال كبح جماح احتكارات التكنولوجيا أو المضاربات المالية المفرطة مع زيادة الإنفاق الحكومي. ولذلك، ينبغي أن تتمحور الاستراتيجية الاشتراكية حول إعادة تنشيط الرأسمالية الأميركية، وإن كان ذلك في صورة أكثر تقدمية.

يقدم كتاب كلارا ماتي "الهروب من الرأسمالية"، تصحيحاً مهماً لهذه الرؤى من نواح عديدة، ومدخلاً إلى الرأسمالية، فضلاً عن نقد الاقتصاد الكلاسيكي الجديد، بعيداً عن التبسيطات الشعبوية المبالغة التي تستهدف جشع الشركات، أو التمويل الضخم، أو احتكار السلطة، باعتبارها المشكلات السياسية الرئيسية التي يجب التغلب عليها، حيث تؤكد الكاتبة أنَّ المشكلة تكمن في الرأسمالية نفسها، وليست نظاماً معيباً يحتاج إلى إصلاح، بل نظام يعمل بشكل صحيح، لكنه يحتاج إلى الإلغاء.

كما تُجادل، في أنَّ ثمة تناقض جوهري بين "منطق الربح" و"منطق الحاجة". فبدلاً من أن يُشير ذلك إلى مشكلة في النظام، يستفيد رأس المال من حرمان الأغلبية، بل ويتطلبه لذاته. وبالتالي، فإنَّ بؤس العمال وتنامي الاستبداد ليسا فشلاً للرأسمالية، بل هما نتيجتان لدوافعها الأساسية. أما القدرة التنافسية، فهي مشكلة بالنسبة للعمال، وليست حلاً. 

ترى ماتي أنَّ استمرار الاستغلال يتطلب سياسات محددة، وتحديداً التقشف، الذي من خلاله تُخضع الدولة العمال لضغوط تُهدد أمنهم المادي. وتُبين أنَّ نشأة الاقتصاد السائد كانت مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بقدرته على إضفاء الشرعية على التقشف عبر إخفاء المصالح الرأسمالية وراء ادعاءات الحياد. وقد أدت هذه الادعاءات بالموضوعية، إلى جانب الاعتماد على نماذج رياضية معقدة، إلى تجريد المسائل الاقتصادية من طابعها السياسي، مما سهّل وضعها في أيدي "خبراء" غير منتخبين، وعزز أشكال الحكم الاستبدادي.

تضيف الكاتبة كلارا ماتي أنَّ تحقيق الديمقراطية الحقيقية يتطلب الاعتراف بأنَّ النظام والسياسة الاقتصادية والنظرية الاقتصادية هي مواقع سياسية لا مفر منها، حيث تتشكَّلُ سلطة الطبقة العاملة وتُمارس. كما يكشف تحليل الرأسمالية تاريخياً، عن آلية عمل السلطة في كل من هذه المجالات، ويُظهر أنَّ النتائج ليست حتمية، مما يُشكّل تحدّياً قوياً للاستسلام لما هو مفروض ويعيق بشكل رئيسي حشد الطبقة العاملة.

النظام الرئيسي
يبدأ كتاب "الهروب من الرأسمالية" بشرح جلي لكيفية بناء "النظام الرأسمالي" على ركيزتين أساسيتين، هي أسواق العمل، والملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، حيث تحدد "سقوف" الأرباح. وتحرص الكاتبة على الإشارة إلى أنَّ الأسواق كانت موجودة قبل ظهور الرأسمالية بمعناها الحقيقي. وما يُميّز القطيعة النوعية الحاسمة مع الأنظمة الاقتصادية السابقة ليس مجرد زيادة كمية في التجارة، بل الاعتماد المُعمّم على السوق، حيث "تعتمد المجتمعات حالياً على السوق لأجل البقاء والتكاثر.

وتردد كلارا ماتي تحليل كارل ماركس لما يُسمى "التراكم البدائي"، حيث الظهور التاريخي للرأسمالية لا يُشبه بتاتاً الأسطورة الكلاسيكية الجديدة المُريحة عن التوسع السلمي للأسواق سوياً مع زيادة الإنتاجية. فقد رُسّخت حقوق الملكية المُطلقة من خلال مصادرة واسعة النطاق وعنيفة من قبل الدولة، وهي أحداث "وثقت في سجلات البشرية بأحرف من دم ونار"، على حد تعبير ماركس البليغ. وبعيداً عن فكرة أنَّ الأسواق ستحل محل الدول، تُصر ماتي على أنَّ قوانين المنافسة القسرية وسلطة الدولة قد عملت معاً للحفاظ على النظام الرأسمالي.

كما تُصر الكاتبة ماتي على أنَّ الرأسمالية منذ بدايتها، تميزت بمراكمة الثروة في أحد طرفيها، بينما تراكم البؤس في الطرف الآخر، وهو ما أسماه ماركس "القانون العام المطلق للتراكم الرأسمالي". وهذا يوفر الأساس لحجة ماتي بأن منطق الربح يتعارض جوهرياً مع منطق الحاجة. فإنَّ غاية الإنتاج الرأسمالي ليست خلق قيم استخدامية تدعم ازدهار الإنسان، بل التراكم اللامتناهي للقيمة التبادلية من قبل طبقة عبر سيطرتها على عمل طبقة أخرى.

كما أنَّ اعتبار التدهور النيوليبرالي للطبقة العاملة مجرد عرض من أعراض فشل الرأسمالية، بدلاً من كونه امتداداً لمنطقها الداخلي، فهو تجريد للتناقض بين الحاجة والربح، ورأس المال والعمل، من بُعده السياسي. وهذا يعني ضمناً أنَّ الرأسمالية القوية والتنافسية تُفيد العمال بالضرورة، وبالتالي فإن مصالح العمال والرأسماليين ليست متعارضة جوهرياً. في الواقع، لطالما استندت قوة رأس المال إلى إخضاع الاحتياجات الإنسانية لضرورة الربح.

كذلك ترى ماتي أنَّ النمو الاقتصادي يمثل "التطور المنطقي للطبقة الرأسمالية". بينما يُحرك التطور التكنولوجي ضرورة تعظيم الاستغلال، مما يُمكّن كل عامل من إنتاج المزيد في فترة زمنية محددة. وفي غياب تنظيم العمل، سيميل النظام إلى أتمتة الوظائف الأعلى أجراً، ويدفع إلى فقدان العمال لوظائفهم، وتضخم صفوف العاطلين عن العمل، وزيادة الضغط التنافسي على الأجور جميعها.

وفي حال ارتفعت الأجور بوتيرة أسرع من الإنتاجية، سيؤدّي هذا إلى انخفاض معدلات الاستغلال وتضاؤل عوائد الرأسماليين، فإنَّ انعدام الربح سيؤدي إلى انخفاض الاستثمار وتسريح العمال، مما يُؤدي بدوره إلى زيادة أعداد العاطلين عن العمل.

وهكذا، لا يمكن للعمال في نهاية المطاف أن يحققوا مكاسب في ظل النظام الرأسمالي، فالأجور المرتفعة لا تعني سوى أنَّ "السلسلة الذهبية التي صنعوها بأنفسهم" والتي تربط مصائرهم بسلطة رأس المال قد ضعفت إلى حد ما لفترة من الزمن. بتعبير آخر، النمو ليس مكسباً لطرفي رأس المال والعمال، كما يُزعم غالباً. فالانضباط الطبقي متأصل في هذا المنطق، لذلك لا يُمكن أن تقتصر سياسات الطبقة العاملة على النضال من أجل أجور أعلى، بل يجب أن تهدف إلى التحرر من الرأسمالية تماماً.

ويُمكّن هذا الأساس في النظرية الاقتصادية الماركسية تحليل ماتي من تجاوز الخطابات الشعبوية حول "جشع طبقة المليارديرات"، والتي تُركز عادةً على توزيع الدخل بدلاً من العمليات الأساسية التي تُنتج من خلالها الثروة. وتُبين ماتي أنَّ التفاوت الطبقي في الدخل يختلف عن الطبقة الاجتماعية، فالطبقة لا تتعلق بمقدار المال الذي يجنيه الفرد، بل بمصدره، أي موقعه ضمن العلاقات الاجتماعية للإنتاج.

كذلك، يُسهم هذا الإطار في ترسيخ عدم المساواة العرقية والجنسية في العلاقات الطبقية التي تُشكّل التسلسلات الهرمية بين هذه المجموعات وداخلها. وتكمن القوة الظاهرية للأطر الشعبوية في الادعاء بأنَّ النظرية الاقتصادية الأكثر عمقاً التي من شأنها أن تُسلط الضوء على الجذور الهيكلية لعدم المساواة في الثروة والسلطة، "صعبة للغاية" أو "معقدة للغاية" أو "مخيفة للغاية" بالنسبة للاستهلاك الجماهيري. مع ذلك، لا يعتمد نص ماتي على المصطلحات المتخصصة التي قد تُنفر غير المُلمين، ولا يُضحي بالإلحاح السياسي. بل إنَّ تسليط الضوء على المصادر النظامية لعلاقات القوة في مجتمعنا يُشير إلى الطريق نحو التغييرات النظامية اللازمة لتحقيق ديمقراطية حقيقية.

يعتمد فهم كلارا ماتي للمنافسة باعتبارها القوة الدافعة الرئيسية للتراكم البالغ الأهمية، رافضةً بذلك حجج "رأس المال الاحتكاري" التي هيمنت طويلاً على الاقتصاد غير التقليدي. فالمنافسة، بعيداً عن كونها محصورة في مرحلة مبكرة من الرأسمالية، ما تزال مصدراً للديناميكية الاستثنائية للنظام ومرونته. وتؤكد أنَّ هيمنة السوق مؤقتة بطبيعتها، ودائماً ما تكون تحت ضغط المنافسين. والتسابق نحو الابتكار والميل إلى خفض الأسعار "لا يمكن إيقافهما"، بل إنَّهما يتكرران على نطاق أوسع وأكثر تدميراً مع نمو وحدات رأس المال من خلال جهد المركزية.

والأهم من ذلك، أنَّ المنافسة ليست بأي حال من الأحوال فائدة للعمال، كما يوحي الاقتصاد الكلاسيكي الجديد، الذي يفترض أنَّه يتيح لهم اختيار صاحب عمل آخر إذا لم يحصلوا على أجر عادل. بل على العكس، فهي تُرسّخ "القانون العام" لماركس، مُجبرةً الشركات على تعظيم الاستغلال وضمان إنتاج فائض في عدد السكان. بالنسبة للكاتبة ماتي، تُعتبر المنافسة محورية لـ"منطق الربح"، كونها تُؤدّب العمال وتُعزّز اعتمادهم على السوق.

وتتفق حجج ماتي مع دراستنا حول التمويل، وكذلك حول شركة "أمازون". وكما أوضحنا في كتاب "سقوط وصعود التمويل الأميركي"، فإنَّه بقدر ما زاد التمويل من سيولة رأس المال، مسهلاً تداوله جغرافياً وعبر القطاعات، وكثف من ديناميكية المنافسة في النظام على نطاق عالمي. وكلما سهُلت عمليات سحب رأس المال من الأصول ذات العوائد المنخفضة نسبياً، وتخصيصه للأصول ذات العوائد المرتفعة، اشتدت حدة المنافسة على الاستثمارات جميعها لزيادة العوائد.

وبالمثل، أظهر بحثنا حول "أمازون"، وهو مثال رئيسي ذكرته ماتي، عن كيف أنَّ هذه الشركة على عكس ما يُشاع، ليست شركة احتكارية، بل هي في الواقع شركة تنافسية شرسة. فبدلاً من الأسعار المرتفعة والركود التكنولوجي وعدم الكفاءة والأرباح المتضخمة التي تتوقعها نظرية الاحتكار، اضطرت "أمازون" إلى الكفاح باستمرار للحفاظ على مكانتها وتجديدها من خلال الابتكار وإعادة الهيكلة المتواصلين، ولا سيما من خلال تقليل وقت التداول والتكاليف، مما يساعد على تحقيق أقصى قدر من الربح في أقل وقت ممكن، وخفض الأسعار بشكل كبير.

ويتحدى هذا الطرح فرضية "القطاع التكنولوجي" عن أنَّ العديد من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية المعاصرة تُعزى إلى خلل في النظام الرأسمالي نتيجة احتكار مجموعة من شركات التكنولوجيا التي تستنزف قيمة الرأسمال "المنتجين". وتستند هذه الطروحات في معظمها إلى أعمال لينا خان، خبيرة مكافحة الاحتكار والمفوضة السابقة للتجارة الفيدرالية في عهد جو بايدن، وإن كانت تُصاغ بلغة تبدو أكثر راديكالية.

وما يُفهم من ذلك أنَّ "إعادة المنافسة" ستعود بالنفع على العمال وأصحاب رؤوس الأموال الصناعية على حد سواء. لكن المفارقة تكمن في أن "أمازون" ربما أكثر من أي شركة أخرى، تُمثل بدقة مدى الضرر الذي تُلحقه المنافسة بالعمال. فقد أدَّت منافسة الأسعار الشرسة إلى استغلال بالغ القسوة من خلال الضغط المتواصل على الأجور نحو الانخفاض والابتكارات المستمرة في أتمتة ومراقبة وضبط عمليات العمل في المستودعات التي تُوظّف آلاف العمال، وهي مشاهد تُشبه مقاطع من كتاب رأس المال في مجلده الأول. بينما أنَّ تبني التمويل "المضارب" لن يُنتج على الأرجح الرأسمالية "الجيدة" التي يقودها القطاع والتي يتوق إليها الليبراليون. وبحسب تحليل ماتي يساعدنا هذا على إدراك أنَّ الأضرار الجسيمة التي لحقت بالعمال في الحقبة النيوليبرالية هي نتيجة المنافسة، وليست نتيجة غيابها.

التقشف والدولة الرأسمالية
إذا كان الكثيرون من اليساريين يرون الرأسمالية اليوم في حالة حرجة، فإنَّ الديمقراطية الاجتماعية الأوروبية، وما يشبهها الأصغر نطاقاً، غالباً ما تُطرح كحلّ، مما يُعزز فكرة أن للعمال والرأسماليين مصلحة مشتركة في "إعادة بناء" رأسمالية قوية وتنافسية. ومعظم الوقت يُنظر إلى الأنظمة الديمقراطية الاجتماعية على أنها قد حلت التناقض بين الرأسمالية والعدالة الاجتماعية، وبين أولويات الربح الخاص وأولويات الديمقراطية والمساواة. وحتى مع فرض هذه الأنظمة إجراءات تقشفية قاسية بشكل متزايد، يُستشهد بها كدليل على إمكانية تحقيق نمو اقتصادي غير محدود وتلبية المطالب الديمقراطية بإعادة توزيع الدخل وتحقيق دولة الرفاه.

لكن بالنسبة لكلارا ماتي، فإنَّ تفاقم التقشف الذي طبع أزمة هذه الأنظمة ليس مجرد خيار أو فشل سياسي، بل ضرورة هيكلية يفرضها "منطق الربح" نفسه، وهو يؤكد بوضوح تناقضه مع "منطق الحاجة". لذلك، فإنَّ مكافحة التقشف لا تعني إقامة رأسمالية أكثر تقدمية، بل تتطلب تجاوزها كلياً. وبدلاً من الدفاع عن الرأسمالية، يقع على عاتق الاشتراكيين كشف حدود الإصلاح فيها، والدعوة إلى نظام اقتصادي واجتماعي مختلف.

كما تُجادل ماتي، بأنَّ الاقتصادات الرأسمالية تتطلب إدارة سياسية استبدادية للحفاظ على علاقات السلطة الطبقية والاستغلال. وتُبين أنَّ السياسة الاقتصادية الكلية ليست سوى نظام للسيطرة الاجتماعية، حيث التعديلات طفيفة، بينما تتشدَّد السياسات لضمان سلطة الطبقة الحاكمة مع تلبية مطالب العمال في حدود التراكم الربحي. ويُعد دور الدولة في فرض التقشف بالغ الأهمية، فهو يحافظ على اعتماد العمال على الأسواق، وبالتالي على أصحاب العمل الرأسماليين، بحرمانهم من وسائل العيش خارج نطاق العمل المأجور.

لقد أدَّى الاقتصاد الكلاسيكي الجديد دوراً هاماً في إضفاء الشرعية على هذا النظام، في إخفاء الاستغلال وحجب الطابع الطبقي لسياسة الدولة وراء ستار من الخبرة العلمية الموضوعية. كما، يعزز ما يُسمى بـ"الاقتصاد البحت" حصر الديمقراطية في "المجال السياسي"، مستبعداً "الاقتصاد" منها. وبذلك، يُجرّد هذا الاقتصاد المجال السياسي نفسه من أي بُعد سياسي، مما يُسهّل تركيز السلطة في أيدي التكنوقراط الذين يُفترض أنَّهم يحلون المشكلات التقنية البحتة بنزاهة.

وتُطبّق الدول الرأسمالية 3 أشكال من التقشف المالي، من خلال كبح الإنفاق الاجتماعي، والتقشف النقدي، من خلال سياسة أسعار الفائدة، والتقشف الصناعي، من خلال تقييد حقوق العمال. وكما لوحظ على نطاق واسع، كان "الاعتداء على حريات النقابات العمالية" عاملاً أساسياً في تصعيد الاستغلال خلال الحقبة النيوليبرالية، إلى جانب خفض برامج الرعاية الاجتماعية. أما دور التقشف النقدي، فهو أقل وضوحاً، وقد ازداد أهمية مع تمكين البنوك المركزية في العقود الأخيرة. وكما توضح ماتي، فإنَّ السياسة النقدية تُوجّه بما يُسمى منحنى فيليبس، الذي يفترض وجود علاقة عكسية بين التضخم والبطالة، فكلما ارتفع أحدهما، انخفض الآخر

كذلك، يؤدي رفع أسعار الفائدة إلى زيادة البطالة، مما يضغط على الأجور مع اشتداد المنافسة بين العمال على الوظائف. والهدف المعلن هو الحفاظ على ما يسميه الاقتصاديون معدل البطالة الطبيعي وهو المستوى "المناسب" من البطالة اللازم لضمان خضوع الطبقة العاملة. وتجادل ماتي بأنَّ ما يُقدم تحت مسمى "السيطرة على التضخم" يعني في الواقع "حماية الأرباح"، وتحقيق معدل استغلال مستهدف. وتؤكد ماتي أنَّ البطالة ليست حالة طبيعية للبشر، بل هي سمة ضرورية للنظام الرأسمالي وخيار سياسي.

إنّ عدم تحقيق سياسات التقشف، في حالات عديدة لنمو اقتصادي ملحوظ، دفع النقاد "الكينزيون" نسبة لنظرية جون مينارد كينز، إلى وصف هذه السياسات بـ"الفاشلة". وأشاروا إلى ضرورة تحفيز الطلب الكلي وتعزيز فرص العمل من خلال إعادة توزيع الثروة والتوسع المالي. إلا أنَّ النقطة الحاسمة التي يطرحها ماتي هي أنَّ التقشف ليس محاولة خاطئة لتحقيق النمو، ولم يفشل في الواقع. فتطبيقه ليس نتاج سوء فهم تقني أو نظرية خاطئة، بل هو آلية سياسية عميقة للحفاظ على النظام الرأسمالي. وبعيداً عن كونه أمراً طارئاً، يُعدّ التقشف ضرورة هيكلية للحفاظ على الانضباط الطبقي الذي يدعم الربحية.

وبالتالي، فإنَّ التقشف ليس "انحرافاً نيوليبرالياً" بل سمة راسخة في الحوكمة الاقتصادية الكلية، ويشكل الإطار الذي يجب أن تعمل ضمنه جميع النفقات العامة. فالسياسة الاقتصادية للدولة بهذا المعنى، ليست مجرد نتيجة لتغير الأفكار الاقتصادية، بل هي استراتيجية رأسمالية صُقلت في بوتقة الصراع الطبقي. وبينما قد تستجيب الدولة لمطالب العمال بتنظيم إصلاحات، فإنَّ التقشف يفرض قيوداً صارمة على مدى هذه الإصلاحات، خشية أن تقوض تسليع العمل الذي يعتمد عليه النظام الرأسمالي.

ومع أنَّ كلارا ماتي لم تتطرق للأسف إلى هذا التاريخ، إلا أنَّ إطارها يساعد على توضيح الحدود الهيكلية للسياسة الاشتراكية الديمقراطية. وتهدف الاشتراكية الديمقراطية إلى ضمان إصلاحات تعود بالنفع على العمال دون المساس بالملكية الخاصة لوسائل الإنتاج أو حدود الديمقراطية الرأسمالية. ورغم التزام الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية اسميًا بالاشتراكية، فإن تاريخها منذ الحرب العالمية الثانية لا يُظهر تقدماً تدريجياً نحوها، بل قبولاً الرأسمالية المدارة كأفق لنظام سياسي نهائي.

إنَّ ضرورة حصر مطالب العمال بما يستطيع رأس المال دعمه، ودمجهم ضمن آليات الدولة الرأسمالية، عززت الهياكل البيروقراطية الهرمية لهذه الأحزاب. وقد كبحت هذه الأحزاب النشاط السياسي، وحصرت المشاركة السياسية في القنوات الانتخابية بدلاً من تنمية القدرات الديمقراطية اللازمة للانتقال الاشتراكي. وقد تعزز هذا التوجه مع صعود الاقتصاد الكينزي، الذي مكّن هذه الأحزاب من الادعاء بأنَّ الإصلاحات ستفيد الأرباح لا أن تهددها. وقد قدمت هذه الأحزاب نفسها على أنَّها أفضل من منافسيها المحافظين في إدارة الرأسمالية، وعرضت برامجها على أنَّها "مكسب للجميع" لرأس المال والعمال.

لقد أدَّى الاقتصاد الكلاسيكي الجديد دوراً هاماً في إضفاء الشرعية على هذا النظام، في إخفاء الاستغلال وحجب الطابع الطبقي لسياسة الدولة وراء ستار من الخبرة العلمية الموضوعية. كما، يعزز ما يُسمى بـ"الاقتصاد البحت" حصر الديمقراطية في "المجال السياسي"، مستبعداً "الاقتصاد" منها. وبذلك، يُجرّد هذا الاقتصاد المجال السياسي نفسه من أي بُعد سياسي، مما يُسهّل تركيز السلطة في أيدي التكنوقراط الذين يُفترض أنَّهم يحلون المشكلات التقنية البحتة بنزاهة.

وتُطبّق الدول الرأسمالية 3 أشكال من التقشف المالي، من خلال كبح الإنفاق الاجتماعي، والتقشف النقدي، من خلال سياسة أسعار الفائدة، والتقشف الصناعي، من خلال تقييد حقوق العمال. وكما لوحظ على نطاق واسع، كان "الاعتداء على حريات النقابات العمالية" عاملاً أساسياً في تصعيد الاستغلال خلال الحقبة النيوليبرالية، إلى جانب خفض برامج الرعاية الاجتماعية. أما دور التقشف النقدي، فهو أقل وضوحاً، وقد ازداد أهمية مع تمكين البنوك المركزية في العقود الأخيرة. وكما توضح ماتي، فإنَّ السياسة النقدية تُوجّه بما يُسمى منحنى فيليبس، الذي يفترض وجود علاقة عكسية بين التضخم والبطالة، فكلما ارتفع أحدهما، انخفض الآخر.

كذلك، يؤدي رفع أسعار الفائدة إلى زيادة البطالة، مما يضغط على الأجور مع اشتداد المنافسة بين العمال على الوظائف. والهدف المعلن هو الحفاظ على ما يسميه الاقتصاديون معدل البطالة الطبيعي وهو المستوى "المناسب" من البطالة اللازم لضمان خضوع الطبقة العاملة. وتجادل ماتي بأنَّ ما يُقدم تحت مسمى "السيطرة على التضخم" يعني في الواقع "حماية الأرباح"، وتحقيق معدل استغلال مستهدف. وتؤكد ماتي أنَّ البطالة ليست حالة طبيعية للبشر، بل هي سمة ضرورية للنظام الرأسمالي وخيار سياسي.

إنّ عدم تحقيق سياسات التقشف، في حالات عديدة لنمو اقتصادي ملحوظ، دفع النقاد "الكينزيون" نسبة لنظرية جون مينارد كينز، إلى وصف هذه السياسات بـ"الفاشلة". وأشاروا إلى ضرورة تحفيز الطلب الكلي وتعزيز فرص العمل من خلال إعادة توزيع الثروة والتوسع المالي. إلا أنَّ النقطة الحاسمة التي يطرحها ماتي هي أنَّ التقشف ليس محاولة خاطئة لتحقيق النمو، ولم يفشل في الواقع. فتطبيقه ليس نتاج سوء فهم تقني أو نظرية خاطئة، بل هو آلية سياسية عميقة للحفاظ على النظام الرأسمالي. وبعيداً عن كونه أمراً طارئاً، يُعدّ التقشف ضرورة هيكلية للحفاظ على الانضباط الطبقي الذي يدعم الربحية.

لطالما اعتمدت الديمقراطية الاجتماعية على أشكال التقشف التي حددتها ماتي لفرض انضباط السوق. وكان لا بد من معايرة البرامج الاجتماعية، من خلال ضبط الإنفاق العام أو القوة المعاكسة للسياسة النقدية، لضمان عدم تقويضها لضرورة العمل بأجر. كما احتوت على مطالب العمال من خلال التقشف الصناعي، ولا سيما الترتيبات النقابية التي دمجت النقابات العمالية وجمعيات الأعمال في الدولة.

وقد أدارت هذه المؤسسات الصراع الطبقي من خلال تطبيق "سياسات الدخل"، التي منعت نمو الأجور من التأثير سلباً على الأرباح. لكن نهاية طفرة ما بعد الحرب وأزمة السبعينيات هما ما فرضا فعلياً سياسة التقشف. فقد استدعى انخفاض الأرباح زيادة الاستغلال عبر خفض الأجور الحقيقية والإنفاق الاجتماعي. وفجأة، أصبحت الآليات النقابية التي رسخت اتفاقيات التوزيع والانضباط الطبقي أدواتٍ لكبح جماح الأجور، في ظل تبني الأنظمة الديمقراطية الاجتماعية "الواقع الجديد" للتنافسية العالمية. ولأنَّ هذه الأحزاب، التي طالما قبلت قيود الرأسمالية كحدود سياسية أساسية، لم تكن تملك لا الخيال ولا القدرة على صياغة بديل للتقشف النيوليبرالي وإصلاح السوق

كما يُساعد تحليل كلارا ماتي في تفسير سبب عدم قدرة الأنظمة الديمقراطية الاجتماعية على "إلغاء تسليع" العمل، كما نظّر إليه عالم الاجتماع الدنماركي غوستا إسبينغ أندرسن. وصحيح أيضاً أنَّ هذه الدول ألغت تسليع بعض الخدمات الاجتماعية مثل الرعاية الصحية والنقل والتعليم، بتوفيرها مجاناً عند الحاجة، بدلاً من شرائها من السوق. وتُعدّ هذه الإصلاحات انتصارات كبيرة للعمال، ويُمكنها المساهمة في توضيح شكل النظام الاجتماعي المُتحرر من تبعية السوق والمُوجّه نحو تلبية الاحتياجات الاجتماعية. مع ذلك، حتى أكثر دول الرفاه شمولًا لم تُلغ، ولن تُلغ تسليع العمل نفسه.

كما أنَّ تزويد العمال بوسائل العيش دون اللجوء إلى العمل بأجر يُعد بمثابة منحهم صندوقاً مفتوحاً للإضراب. وفي الواقع، لم تكن مشاركة القوى العاملة في هذه الأنظمة أقل مما هي عليه في النماذج "الليبرالية"، على النحو المتوقع لو خُفّف الإلزام بالعمل بأجر. بل إن الأنظمة الديمقراطية الاجتماعية عززت اندماج العمال في علاقات السوق، وحتى في أقوى أنظمة دول الرفاه، ظل المجتمع بأسره، وجميع نفقات الدولة، معتمداً على القدرة التنافسية والربحية.

العولمة والإمبراطورية
في الفصل قبل الأخير من الكتاب، تتناول كلارا ماتي تحليل الرأسمالية كنظام عالمي، محاولةً في الوقت ذاته تفسير التسلسلات الهرمية المستمرة في السوق العالمية، مع التأكيد على أنَّ الصراعات الحاسمة في الرأسمالية العالمية لا تكمن بين الدول، بل داخلها. وتُصرّ على أنَّ استغلال العمال في الاقتصادات المركزية والهامشية على حد سواء هو شريان الحياة للرأسمالية العالمية.

هذا يعني أنَّه من الخطأ الزعم بأنَّ الطبقات العاملة في قلب العالم "تستغل" العمال والفلاحين في الدول الطرفية، كما توحي بعض الروايات المعاصرة عن "نمط الحياة الإمبريالي". وغالباً ما تستند هذه الحجج إلى نسخ من أطروحة "أرستقراطية العمل"، التي تدَّعي أنَّ الشركات الاحتكارية في الشمال العالمي قد اشترت فعلياً ولاء العمال هناك من خلال رفع الأجور ومستويات الاستهلاك، بتمويل من الاستغلال المفرط للعمال في الجنوب العالمي.

وينتهي هذا الإطار، بشكل منحرف، إلى الإيحاء بأنَّ العمال في الدول المركزية قد استفادوا بالفعل من العولمة عوضاً عن أن يكونوا من بين ضحاياها الرئيسيين. وفي الحقيقة، بدلاً من أن تعيق العولمة قوى المنافسة الحقيقية، فقد ساهمت في تكثيفها، وزادت الاعتماد على السوق، وترسيخ التقشف في كل مكان. وفي الوقت ذاته تُؤطّر ماتي فصلها حول "تبعية" الأطراف العالمية، و"تنمية التخلف" من خلال بنية النظام الدولي، وتفسر هذه النظريات التي ظهرت في مطلع ستينيات القرن الماضي، حيث الاقتصادات المركزية تستنزف القيمة بشكل منهجي من الأطراف من خلال "التبادل غير المتكافئ"، عبر تصدير الأخيرة سلعاً أولية رخيصة وتستورد أخرى ذات قيمة مضافة باهظة الثمن

ويُفهم الاستغلال بالتالي، في المقام الأول على أنَّه يتم عبر التجارة الدولية لا عبر العلاقات الطبقية داخل كل مجتمع. ويترتب على ذلك أنَّ الطبقات العاملة في قلب النظام الاقتصادي لا يُرجح أن تكون قوى دافعة للتغيير الجذري، بل على العكس، يُرجح أن تدعم الهيمنة الإمبريالية على الأطراف التي يعتمد عليها وضعها المتميز. 

ولذلك جادل بول باران وبول سويزي، في كتابهما الرائد " رأس المال الاحتكاري"، بأنَّ الفاعلية الثورية إن وُجدت، ستنبع من حركات التحرر الوطني فيما يُسمى بالعالم الثالث، والتي قد تُلهم بدورها الفئات المهمشة داخل الولايات المتحدة لخوض نضالات وطنية مماثلة. وقد استدعى هذا الأمر تحالفات طبقية وطنية بين العمال والفلاحين والبرجوازية الوطنية لتحويل النظام الاقتصادي الدولي.

يُضفي التوتر الظاهر بين هذين المنظورين بعض الغموض على تحليل كلارا ماتي نسبياً. فبينما وصفت نظرية التبعية بدقة شروط التجارة العالمية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، يشير التاريخ اللاحق، الذي لم تتناوله ماتي، بقوة إلى أولوية الصراع الطبقي داخل الدول بدلاً من الصراع بينها. وفي خمسينيات القرن الماضي أيضاً، كانت الولايات المتحدة هي من رعت ما يُسمى بالتصنيع القائم على إحلال الواردات محل الصناعات الوطنية المحمية والواردات من الدول المركزية، كجزء من مشروع أوسع لدمج اقتصادات الأطراف في النظام العالمي الذي تقوده بنفسها. 

وبينما كانت البرجوازية في هذه الأطراف، بعد أن تعززت قوتها من خلال عملية التنمية الاقتصادية اللاحقة، هي التي فضّلت التخلي عن تلك الحمايات سعياً منها إلى اندماج كامل في الإمبراطورية الأمريكية. على هذا يجادل ليو بانيتش ووسام جيندين، عن أنَّ الإمبراطورية الأمريكية عملت معظم الوقت كـ "إمبراطورية بالدعوة"، حين أشرفت على ظهور رأسمالية عالمية متكاملة مترابطة من خلال تدفقات التجارة والاستثمار عبر الحدود، أفضت إلى أنَّ الدولة الأمريكية تعبر عن المصالح العامة لرأس المال العالمي، مما أدى إلى تآكل أي برجوازية "وطنية" مميزة.

كذلك، أدَّت إعادة هيكلة الإمبراطورية الأمريكية إلى تقويض أسس التسويات الطبقية في المركز والأطراف. وبينما فرض نظام بريتون وودز ما بعد الحرب قيوداً معينة على حركة رأس المال، موفراً إطاراً مستقراً للتكامل العالمي وتوطيد الإمبراطورية الأمريكية، فإنَّ استبداله بنظام حرية حركة رأس المال عقب أزمة السبعينيات مكّن الرأسماليين من تداول الاستثمارات عالميًا بتكلفة شبه معدومة. ومع قدرة رأس المال على نقل الإنتاج إلى أي مكان تكون فيه تكاليف العمالة والتنظيم أقل، أصبح من الصعب على العمال إجباره على الدخول في اتفاقيات توزيع الثروة محلياً.

وبدلاً من مواجهة تدويل رأس المال، تبنت الديمقراطية الاجتماعية هذا التوجه من خلال استراتيجيات "التنافسية التقدمية" التي هدفت إلى جذب رأس المال للاستثمار محلياً عبر تقديم الدعم ورفع مستوى مهارات القوى العاملة الوطنية. إلا أنَّ توسع العمالة الماهرة في المناطق الطرفية وتكييف التقنيات المتقدمة مع المناطق ذات الأجور المنخفضة أدى إلى انتقال الوظائف الصناعية من المركز إلى الأطراف، وتفاقم عدم الاستقرار وعدم المساواة، وزيادة الضغط على برامج دولة الرفاه.

كما أدَّى تعميق التكامل العالمي داخل الإمبراطورية الأمريكية إلى تكثيف الانضباط التنافسي وتعزيز التقشف النقدي والمالي والصناعي. وكانت النتائج عكس ما توقعته نظرية التبعية تماماً، تراجع الصناعة وانخفاض الأجور والأمن الوظيفي ومستويات المعيشة بين العمال الأكثر حظاً في الدول المركزية، بالتزامن مع التصنيع في الدول الطرفية. وقد دفع التكامل المالي العالمي الذي ربط النظام الاقتصادي إلى فرض سياسات تقشفية على الدول، وزاد الضغط عليها لخفض الضرائب وتقليص الإنفاق الاجتماعي.

وتزامن هذا التقليص في برامج دعم الطبقة العاملة مع إعفاءات ضريبية هائلة للأثرياء، مما عزز التوزيع التصاعدي للدخل. كما عززت العولمة التقشف الصناعي، مما أدَّى إلى إجهاد شديد لحقوق العمال وأنظمة المفاوضة الجماعية، وقيد بصرامة تعبئة العمال ونمو الأجور وجميع أشكال الديمقراطية الصناعية. وفي الوقت نفسه، فرض نظام سعر الصرف العملات العائم شديد التقلب متطلبات قاسية على البنوك المركزية الأقوى، وعلى التكنوقراط الذين يديرونها، للتدخل المستمر لمكافحة التضخم ودعم استقرار العملة، وبالتالي ضمان الانضباط الطبقي من خلال التقشف النقدي.

مع ذلك، يقتصر تحليل ماتي التاريخي إلى حد كبير على عشرينيات القرن الماضي. ولذلك، لا يستكشف الكتاب التاريخ المترابط للديمقراطية الاجتماعية، والتنمية، والإمبراطورية الأمريكية. ويُعدّ تقييم الأنظمة الديمقراطية الاجتماعية أمراً بالغ الأهمية لدعم حجتها حول الطبيعة البنيوية للتقشف تحديداً، لأنَّ هذه الأنظمة تُفهم عادةً على أنَّها نقيضه تماماً. فقد ارتبطت أزمتها وتراجعها منذ سبعينيات القرن الماضي ارتباطاً وثيقاً بتبنيها الطويل الأمد للإمبراطورية الأمريكية وعدم رغبتها الجوهرية في تحدي الرأسمالية.

ولقد أدَّت هذه الالتزامات مجتمعةً إلى جعل التراجع عن مكاسب "الثلاثين عامًا المجيدة" التي أعقبت الحرب العالمية الثانية أمراً شبه حتمي مع تحرير الاستثمار. وفي الواقع، فرضت العولمة ما وصفه جيندين بـ "استقطاب الخيارات" على الطبقات العاملة، إما القطيعة مع العولمة والبدء في التحرك نحو مزيد من السيطرة الديمقراطية على الاستثمار، أو قبول إعادة الهيكلة النيوليبرالية. ويتوافق هذا إلى حد كبير مع حجة ماتي، لكن إلحاح وجهة نظرها، وأهميتها في النقاشات الحالية، تضعف بسبب محدودية تناولها للظروف الراهنة.

الاشتراكية وتكوين الطبقات
تتلخص الفكرة الأساسية البالغة الأهمية التي تطرحها كلارا ماتي في أنَّ العمال لا مصلحة لهم في تعزيز رأس المال. فالتركيز على "إخفاقات" التقشف والاحتكار والمضاربة المالية وما شابهها يحجب الضرر الاجتماعي الناجم عن التشغيل الطبيعي للرأسمالية. وتصوّر هذه المنظورات السياسة كصراع داخل الرأسمالية لا ضدها، وتصوّر الطبقة العاملة كحليف محتمل لشريحة "تقدمية" من رأس المال، يُؤمل أن تتبنى سياسات داعمة للعمال من شأنها تعزيز الربحية والقدرة التنافسية.

في الواقع، لا تعتبر المستويات المتزايدة من هشاشة الطبقة العاملة مؤشراً على انهيار الرأسمالية، بل هي من دلائل قوتها. فبينما قد يُتيح النمو الاقتصادي للعمال الحصول على أجور أعلى ومستويات معيشية أفضل، إلا أنَّ إشباع الاحتياجات يُصبح ثانوياً أمام الربحية، حيث تُضفي الديمقراطية الاجتماعية شرعية على الرأسمالية من خلال إظهار مدى إنسانيتها المزعومة. لكن القيود الصارمة المفروضة على هذه الأنظمة، والضرورة الهيكلية للتقشف والحرمان والاستغلال، تكشف زيف نظام لا يُوجّهه إنتاج السلع المفيدة، بل قانون القيمة اللاإنساني والوهمي.

ترى ماتي أنَّ هذه التناقضات في التراكم، لا مؤشر لانهيار الرأسمالية. وهي التي غذّت صعود اليمين المتطرف السلطوي في الولايات المتحدة وأوروبا وخارجها. فالغضب الناجم عن عقود من الضغط المتزايد على مستويات المعيشة وتقليص دور دول الرفاه من خلال سياسات تقشفية قاسية وكلاهما كانا مفيدين للغاية لرأس المال، قد خلق أرضاً خصبة لسياسات اليمين المتطرف.

وبمجرد وصول هذه القوى إلى السلطة لن تؤدَّي إلا إلى تعميق التقشف. وغالباً ما تُطلق العنان لهجمات وحشية على العمال والفقراء. علاوة على ذلك لأن سلطة الطبقة العاملة واستغلالها المتأصلين في النظام الرأسمالي غير مرئيين إلى حد كبير، ولأن تكثيف الاعتماد على السوق من خلال التقشف يُفاقم المنافسة بين العمال، فقد تمكنت حركات مثل "لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً" من توجيه هذه الإحباطات نحو الاستياء من المهاجرين وغيرهم من الفئات المهمشة عرقياً وجنسياً، بدلاً من توجيهها نحو رأس المال نفسه.

تُجادل كلارا ماتي بقوة بأنَّ التغلب على هذا العالم من الاغتراب الشامل يتطلب نضالاً من أجل الديمقراطية، أي تأكيد السيطرة الواعية والجماعية على الحياة الاقتصادية والاجتماعية. وتقول أنَّ هذا يستلزم مشروعاً مترابطاً لدمقرطة النظرية الاقتصادية والسياسة الاقتصادية والاقتصاد نفسه. وترى ماتي أنَّ النضال ضد التقشف لا يقتصر على تطبيق سياسة اقتصادية مختلفة فحسب، بل يتعداه إلى التحرك نحو نظام اقتصادي مختلف تماماً. ويتطلب دعم هذا النظام نظرية اقتصادية تُركز على ما يُخفيه الاقتصاد الكلاسيكي الجديد، من الاستغلال والبطالة والتقشف، وهي ليست قوانين طبيعية، بل هي قوانين الرأسمالية.

وبما أنَّ برامج الرعاية الاجتماعية تصطدم حتمًا بمنطق الربح، فإن استدامتها تتطلب بالضرورة قطيعة مع الرأسمالية نفسها. كما ستواجه أي حكومة يسارية في نهاية المطاف خياراً حاسماً بين التراجع إلى التقشف أو المضي قدماً. وعندما تحين تلك اللحظة، يجب تنظيم العمال وإعدادهم للقطيعة الضرورية مع الرأسمالية. وبالتالي، فإن إعطاء الأولوية لمنطق الحاجة يستلزم نضالاً متواصلاً من أجل الديمقراطية، وتحدياً جذرياً متزايداً لرأس المال.

لذلك من الأهمية بمكان أن تُصاغ نضالات الإصلاح بمفاهيم اشتراكية، لا كمشاريع لتقوية رأس المال أو تعزيز القدرة التنافسية، بل كجهود لبناء القدرات اللازمة للانفصال عن النظام الرأسمالي. إلا أن جوهر هذه المهمة يكمن في تشكيل الطبقة، وهو ما يغيب عن تحليل ماتي. وكما أكد كارل ماركس وفريدريك إنجلز في البيان الشيوعي، فإنَّ هذا يستلزم "تشكيل البروليتاريا في طبقة، وبالتالي في حزب سياسي.

لا شكَّ في أنَّ الطبقة العاملة موجودة بالفعل بشكل مجرد "موضوعي". لكن عملياً، هي متشرذمة عبر نطاق واسع من مستويات الدخل، والمهن، والخلفيات التعليمية، والظروف المتعلقة بالجنس والعرق، وما إلى ذلك. كما أنَّ تشكيل الطبقة هو العملية السياسية التي من خلالها يُدرك الأفراد أنفسهم كجزء من طبقة ذات مصالح مشتركة تُعارض منطق الربح. وهذا هو الدور المُميز للحزب الاشتراكي، في تنمية القدرات الديمقراطية للعمال من خلال التثقيف السياسي والنقاش والعمل الجماعي. وبهذه الطريقة، لا يُمثل الحزب الطبقة العاملة فحسب، بل يُشكلها بفعالية كقوة سياسية قادرة على تغيير المجتمع.

يؤدَّي هذا النقص في تحليل ماتي إلى إغفالها مسألة حاسمة في نقد الديمقراطية الاجتماعية وأحزابها، التي تُعبّر  عن الطبقة العاملة ومصالحها بطريقة تختلف اختلافاً جوهرياً عن المفهوم الاشتراكي. والأهم من ذلك، أنَّ هذا ينطوي على إخفاء التناقض بين منطق الربح ومنطق الحاجة، وذلك بالإيحاء بأنَّ النضال من أجل الاحتياجات الاجتماعية لا يستلزم بالضرورة معارضة الرأسمالية نفسها.

وفي غياب تحليل لتكوين الطبقات، تميل كلارا ماتي إلى الخلط بين المطالب الاقتصادية المباشرة للعمال، كزيادة الأجور أو حتى ترك وظائفهم، وبين السياسات الاشتراكية الصريحة. وهكذا، تُصوّر صدمة فولكر عام 1979، حين رفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة إلى ما يقارب 20%، مما أدى إلى بطالة جماعية لكبح التضخم، على أنَّها قمعت ليس فقط مطالب العمال بالأجور، بل أيضاً البدائل الناشئة "المناهضة للرأسمالية.

إلا أنَّ ما كشفه هذا الحدث وتداعياته في الواقع هو حدود نموذج النقابات العمالية الذي حصر مطالبه في النضال من أجل الأجور بدلاً من بناء قوة عمالية حقيقية، ناهيك عن دفع عجلة تحول سياسي أوسع. ولأنَّ رأس المال احتفظ بالسيطرة الكاملة على الاستثمار، فبمجرد أن اصطدمت الأرباح بارتفاع الأجور الحقيقية، كان لا بد من زيادة الاستغلال.

السؤال الأكثر إثارة للاهتمام هو، لماذا لم تُطرح البدائل المناهضة للرأسمالية بجدية على جدول الأعمال؟ وما الذي كان ينقص الحركة العمالية وسياسات الطبقة العاملة، والذي كان من شأنه أن يفسح المجال أمام مسار آخر غير التقشف النيوليبرالي؟ فلم يكن الأمر بالتأكيد متعلقاً بالحاجة إلى المزيد مما كان موجوداً بالفعل في تلك اللحظة، فالمزيد من الأصوات للديمقراطيين، أو المزيد من الأحزاب الطائفية الهامشية، أو حتى زيادة كثافة النقابات، لم يكن ليوقف الهجمة النيوليبرالية. وما كان مطلوباً بدلاً من ذلك، هو حركة اشتراكية جماهيرية ومنظمة، متجذرة في الطبقة العاملة، تمتلك قوة حقيقية وقادرة على تقديم بديل ذي مصداقية.

وفي غياب ذلك، ومع هزيمة معارك العمال الدفاعية في سبعينيات القرن الماضي، لم يجد معظمهم خياراً سوى التكيف مع قيود التنافسية والربحية. لذلك، فإنَّ الهزيمة المدوية للطبقة العاملة التي طبعت العصر النيوليبرالي ليست نتيجة قمع رأس المال والدولة فحسب، بل هي أيضاً نتيجة قيود مستمرة داخل الحركة العمالية نفسها. وبالتالي، لا يكفي مجرد تكرار نضالات الماضي. فالوصول إلى وضع أفضل يتطلب تحويل النقابات إلى أدوات للنضال الطبقي، وهو ما يستلزم بدوره تنسيقاً حزبياً.

يثير هذا الأمر قضيةً جوهريةً أخرى طرحتها ماتي دون الخوض فيها بالتفصيل. فإذا كان تعريف الرأسمالية قائماً على التبعية للسوق، فإن التحرر منها يستلزم استبدالها بالتخطيط الاقتصادي. وتكمن مشكلة التعاونيات العمالية والمؤسسات المالية المجتمعية في أنَّها ما تزال خاضعةً لضوابط السوق، مما يُعيد إنتاج منطق الربح، والضغط التنازلي على الأجور، وتحميل التكاليف البيئية للآخرين، والتنافس على التقشف. ويتطلب التغلب على هذا استبدال المنافسة بين الشركات الخاصة بالتنسيق على مستوى الاقتصاد الكلي.

كما تشير ماتي، عن أنَّ هذا النوع من التخطيط يختلف جذرياً عن التخطيط المُتبع داخل الشركات، التي تُخصص الاستثمارات بناءً على معدلات العائد وإشارات الأسعار. فالتخطيط لتلبية الاحتياجات الاجتماعية على المستوى الكلي أكثر تعقيداً بكثير. وبدلاً من "تفكيك البنوك"، يعني هذا تصور مشروع لتطوير قدرات الدولة على إدارة التمويل كخدمة عامة، والنضال من أجله. ونظراً لفشل رأس المال الخاص في حشد الاستثمارات اللازمة للتحول الأخضر المُلح، لم يعد الأمر مجرد حلم بمستقبل أكثر عدلاً وإنصافاً، بل أصبح ضرورة لتجنب الكارثة.

 نقله إلى العربية: حسين قطايا.
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الاشراق وإنما تعبّر عن رأي الصحيفة حصراً