مؤتمر ميونيخ للأمن 2026... هل يفقد مركزيته في صياغة الإدراك الأمني الأوروبي؟

الاشراق | متابعة.

منذ انعقاده للمرة الأولى عام 1963، تمحورت الأهداف الرئيسية لمؤتمر ميونيخ حول ضرورة تعزيز الروابط بين ضفتي الأطلسي من أجل تنسيق المواقف السياسية والعسكرية الغربية لمواجهة الاتحاد السوفياتي وبناء ثقة مطلقة بين قادة المحور الغربي.

وإذا كان المؤتمر قد استهدف منذ نشأته تنسيق الجهود الضرورية لمواجهة الاتحاد السوفياتي، فإنّ سقوط هذا الأخير لم يؤدِ إلى قناعة بفقدان الحاجة لهذا المؤتمر كإطار مؤسسي، وإنما تمّ العمل على تعديل مهماته بحيث تحوّلت أهدافه من منع الصدام النووي بالدرجة الأولى مع الاتحاد السوفياتي إلى العمل على توسيع المظلة الأمنية الغربية من خلال دعوة دول المعسكر الشرقي السابق للانضمام إليه، والانتقال من التركيز على فكرة الحرب الشاملة مع الاتحاد السوفياتي إلى التركيز على الأزمات الإقليمية بما يمكن اعتباره أداة يستخدمها المحور الغربي من أجل ضمان القدرة على التأثير والتحكّم في مجمل القضايا الدولية وفق معايير المصلحة الغربية، وضمان عدم ظهور أيّ قوة قد تسعى لمواجهة الهيمنة الغربية أو تتمكّن من ذلك، وبمعنى آخر الأحادية الأميركية التي تكرّست في بداية تسعينيات القرن الماضي. 

وإذا كان من الممكن الحديث عن الموضوعات التي حاول المؤتمر معالجتها منذ انهيار الاتحاد السوفياتي حتى يومنا هذا، فبالإمكان القول إنها كانت حتى مؤتمر عام 2022 قد تمحورت حول مجموعة من الأهداف التي كانت تدلل على نوع من التوافق الاستراتيجي بين القوى الغربية.

فالبحث عن نظام عالمي جديد من خلال العمل على توسيع النيتو ومكافحة الإرهاب وكيفية معالجة إشكالية عدم التوافق على احتلال العراق، إضافة إلى أزمة "الربيع العربي" وأزمة القرم والصعود الصيني ومواجهة تداعيات العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا كانت تندرج في إطار العمل على ضمان التفوّق الغربي والمحافظة على الهيمنة والريادة الغربية. 

غير أنّ تقرير المؤتمر لهذا العام قد جاء بمقاربة مختلفة لما سبق وذكرناه حيث إنه ركّز على تهديدات من نوع مختلف، أبرزها الدور الأميركي المتحوّل ومواجهة تحدّيات كخطر الهجمات الإلكترونية والهجرة الجماعية وما يسمّونه بخطر الإرهاب الإسلامي المتطرّف إضافة إلى روسيا.

فمن خلال قراءة معمّقة لهذه التحدّيات، سنجد أنها ترتبط بشكل أو بآخر بالسياسات الأميركية في العالم، مع الإشارة إلى أنّ ذلك يتخطّى عنوان أميركا أولاً ليطال سياسات الولايات المتحدة التدخّلية العابرة لمفهوم السيادة وقواعد القانون الدولي العامّ. فمن خلال مقاربة السردية الأوروبية للعلاقات الدولية التي ترتكز على سيادة القانون الدولي من خلال تعزيز الأمم المتحدة والدفاع عن المعاهدات الجماعية، وذلك بالتوازي مع تبنّيه لفكرة الاستقلال الاستراتيجي والتعددية القطبية ومفهوم القوة الناعمة المساعدة في تحقيق التنمية الاقتصادية الضامنة للاستقرار والدبلوماسية الوقائية، فإنّ ذلك سيشكّل تعارضاً واضحاً مع التوجّهات الأميركية التدخّلية المستندة على القوة الخشنة وغير المعتمة بالاستقرار والسلم والأمن الدولي. 

وعليه سيظهر التعارض واضحاً في ما يتعلّق بالأمن الإقليمي الأوروبي، إن لناحية الجوار القريب في أوكرانيا أو لناحية منطقة الشرق الأوسط، أو لناحية التوافق بين دول الاتحاد أنفسهم.

فالولايات المتحدة في مقاربتها للأزمة في أوكرانيا قد طبّقت منهجاً أحادياً متطرّفاً أحدث انقساماً بين دول الاتحاد الأوروبي حين ألزمت دوله بمقاطعة روسيا ومحاربتها، ومن ثمّ في تبنّيها خيار تسوية لا يأخذ بعين الاعتبار مبادئ ومصالح الاتحاد الأوروبي.

وإذا تمّ قياس هذا السلوك الأميركي في مقاربة قضايا الشرق الأوسط، فسيظهر واضحاً مدى تفرّد الولايات المتحدة في تقدير توجّهاتها ومدى إهمالها لمتطلبات الأمن الأوروبي، حيث يظهر واضحاً تأثير السلوك الأميركي في قضية فلسطين وحلّ الدولتين، وفي مواجهة الجمهورية الإسلامية من دون أن ننسى المسار التفتيتي لدول المنطقة مع ما يعنيه هذا التفتيت من تغذية الجماعات "المتطرّفة" وتأمين البيئة المناسبة لها لتصبح فاعلة وقادرة على تهديد الأمن الإقليمي والدولي.

فالواقع الدولي الذي أرسته الولايات المتحدة وتصرّ على تغذيته بشكل دائم لم يعد من الممكن مقاربته ضمن رؤية جماعية، وبات الاتحاد الأوروبي ومن خلفه الآباء المؤسسون والمنظّمون لمؤتمر ميونيخ يقاربونه بطريقة فيها من الشكّ ما يجعلهم يطرحون على طاولة البحث مستقبل العلاقة الأمنية والسياسية مع الولايات المتحدة.

فمن المنطقي القول إنّ حالة الارتياب التي يشعر بها المنافسون الدوليون والرافضون للسياسات الأميركية ستتجلّى في موقف عدائي تجاه الاتحاد الأوروبي انطلاقاً من قناعة متجذّرة بأنّ أوروبا بواقعها الحالي لا تخرج عن اعتبارها قاعدة أميركية متقدمة تُستخدم للتخطيط والدعم وتنفيذ المخططات الأميركية.

وعليه، يمكن القول إنّ اتخاذ أوروبا قراراً جريئاً بالانفصال عن المسار الأميركي قد يجنّبها أخطار ردود فعل طبيعية على أيّ اعتداء أو أيّ مسّ بمصالح وثوابت سيادية لهؤلاء المنافسين أو الرافضين. بطبيعة الحال، قد يقول البعض إنّ أوروبا لا تملك الجرأة أو الإمكانات الكافية لتبنّي هكذا قرار، غير أنّ ما هو جلي في هذا الإطار هو الهدف النهائي من وجود الاتحاد والذي يمكن تحديده بالبحث عن الاستقلالية الأمنية والسياسية والانتقال من مرحلة الاعتماد على الولايات المتحدة أو الخضوع لها إلى مرحلة الاستقلالية السيادية يُفترض أن يكون دافعاً حاسماً في هذا المجال.

 فمن خلال البحث في إعادة الاتحاد الأوروبي تعريف بعض القوى الدولية والتخلّي عن توصيفهم بالأعداء أو الأخصام وملاقاتهم في الانفتاح الذي أبدوه تاريخياً من خلال التكامل الطاقوي والاقتصادي الذي سعت إليه روسيا، أو من خلال طريق الحرير الصيني أو من خلال مفهوم الشراكة الأورومتوسطية الذي تعتبره دول الشرق الأوسط مفتاحاً لتحقيق السلام والاستقرار، يمكن القول إنّ منصة ميونيخ لن تعود صالحة وحدها لمواجهة التحدّيات الأوروبية حيث إنه لم يعد من المنطقي تعريف الأمن الأوروبي من زاوية حلف الأطلسي فقط. فالواقع الحالي يتطلّب مقاربة مرنة تقوم على التوازن في العلاقة مع كلّ الأطراف بما يعني التخلّي عن خيار المواجهة الموسوم بعلامة أميركية.

في هذا الاطار، قد يلجأ البعض إلى القول إنّ إعادة تقييم منصة ميونيخ كمنصة مركزية يجب أن يبقى ضمن إطار رمزي يستهدف بطريقة ناعمة استعادة شيء من التوازن مع الولايات المتحدة من دون أن يمسّ جوهر العلاقة التاريخية القائمة بين ضفتي الأطلسي.

غير أنّ ما يمكن قوله إنّ هذه الخطوة في مواجهة حليف أميركي بات متحرّراً، في ظلّ رئاسة ترامب، من أيّ التزام أمني أو سياسي أو أخلاقي، لا يمكن أن تنجح إذا بقيت في إطار رسمي إعلامي، حيث تتراكم الدوافع على ضرورة تبنّي الاتحاد الأوروبي لخطوة تعكس إدراك الدول الأوروبية لضرورة إعادة تموضعها داخل المعادلات الاستراتيجية العالمية المستجدّة بطريقة تجعلها قادرة على التفاعل بعمق مع الظروف الدولية المستجدّة التي لم يعد من الممكن تعريفها على أنها محكومة للأحادية الأميركية.

وعليه بدل البحث في كيفيّة حثّ الولايات المتحدة على مراجعة علاقاتها مع أوروبا، إذ إنّ التخلّي عن فكرة أميركا أولاً بات مستحيلاً مع ما يعنيه هذا الأمر من إمكانية التخلّي عن أوروبا أو التضحية بها، يجب البحث في جدوى الحفاظ على شكل العلاقة الحالية بين أوروبا والولايات المتحدة مع ما يعنيه هذا البحث في خطوة أولية من نقاش حول إمكانية بقاء مؤتمر ميونيخ على شكله الحالي كمنصة أساسية لمقاربة القضايا الأمنية بين أوروبا والولايات المتحدة.   

 

وسام إسماعيل - باحث واستاذ جامعي لبناني
إن الآراء المذكورة في هذا التحليل لا تعبّر بالضرورة عن رأي الاشراق وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً