قلق التفوق .. كيف تكشف تصريحات "نتنياهو" حدود القوة الإسرائيلية أمام مصر!
الاشراق | متابعة.
لم يكن تصريح بنيامين نتنياهو، الذي دعا فيه إلى "مراقبة الوضع" محذرًا من تعاظم قدرات الجيش المصري، مجرد ملاحظة عسكرية عابرة أو تقدير موقف تقني.
نحن أمام تصريح كاشف، يصلح مدخلًا لقراءة أعمق في العقل الاستراتيجي الإسرائيلي، وفي إدراك قادة الكيان الصهيوني حقيقة لطالما حاولوا تجاهلها أو التعايش معها على مضض: العقيدة القتالية للجيش المصري لم تتغير.
فحين يصدر القلق عن رأس الهرم السياسي في "تل أبيب"، وبصيغة تحذيرية استباقية، فإن الأمر يتجاوز الحسابات الآنية، ليكشف عن اهتزاز أعمق في منسوب "الطمأنينة الاستراتيجية" التي بنت عليها "إسرائيل" سياساتها الإقليمية منذ عقود. واللافت أن هذا القلق لا ينبع من حالة حرب قائمة، ولا من نيّات عدوانية مصرية معلنة، بل من إدراك إسرائيلي بأن مصر، رغم اتفاقية "كامب ديفيد"، لم تُفرّط في تعريفها التاريخي للخطر.
من وهم "تحييد مصر" إلى إدراك الحقيقة الصلبة
الخطأ المزمن في القراءة الإسرائيلية – والغربية معها – لم يكن في تقدير نيّات القاهرة، بل في سوء فهم طبيعة الدولة المصرية ذاتها. فاتفاقية "كامب ديفيد"، مهما بلغت أهميتها السياسية، لم تُكتب يومًا لتعيد صياغة الوعي الاستراتيجي للمؤسسة العسكرية المصرية، ولا لتُبدّل جوهر عقيدتها القتالية. "إسرائيل" تعرف ذلك جيدًا، ولهذا لا تتعامل مع تعاظم قدرات الجيش المصري بوصفه خرقًا لاتفاق السلام، بل بوصفه تهديدًا كامنًا لمعادلة التفوق التي سعت طويلاً إلى تكريسها.
من هنا، يصبح حديث نتنياهو عن "المراقبة" و"التحوّط" تعبيرًا عن إدراك صهيوني متقدم: مصر لم تُحَيَّد، بل صبرت. لم تتخلَّ عن عقيدتها، بل أعادت ترتيب أولوياتها. فالجيش المصري، في جوهر بنائه الذهني والعملياتي، لم ينظر يومًا إلى "إسرائيل" كجارٍ طبيعي، بل كـخطر استراتيجي بنيوي مؤجل، يرتبط بطبيعة المشروع الصهيوني نفسه، لا بسلوك حكومة بعينها أو ظرف سياسي عابر.
وهنا تكمن المفارقة: "إسرائيل" التي تطالب العرب بالاعتراف بها كـ"دولة طبيعية"، هي ذاتها التي تتصرف – في خطابها وممارساتها – كدولة استثنائية، ترى في أي قوة عربية منظمة خطرًا وجوديًا، حتى لو لم تُطلق رصاصة واحدة. ولذلك، فإن القلق من الجيش المصري لا ينبع من تحركاته، بل من ثبات بوصلته، ومن حقيقة أن هذا الجيش لم يُبنَ لحرب عابرة، بل لمنع لحظة انهيار التوازن حين تُغري "إسرائيل" نفسها بالقفز خارج الحدود.
تسليح مصر: استقلال قرار لا سباق تسلّح
في هذا السياق، تدرك "إسرائيل"، بخبرتها الاستخبارية الطويلة، أن ما يجري داخل المؤسسة العسكرية المصرية لا يندرج تحت منطق "سباق التسلّح" التقليدي، بل تحت إعادة بناء قرار سيادي مستقل. فتنويع مصادر السلاح، والتوازن بين المدارس الشرقية والغربية، وتحديث منظومات الدفاع والهجوم، لا يعكس نزوعًا مغامرًا، بل رغبة واعية في كسر التبعية، ومنع أي طرف خارجي من امتلاك مفاتيح الضغط أو الابتزاز.
وهذا بالضبط ما يثير القلق الإسرائيلي: جيش كبير، محترف، متماسك، لا يخضع لإملاءات سياسية خارجية، ولا تُدار عقيدته من غرف عمليات أجنبية. "إسرائيل" اعتادت، تاريخيًا، أن تكون القوة الوحيدة في الإقليم التي تمتلك "حرية الحركة" و"التفوق النوعي". أما أن تستعيد مصر قدرتها على المناورة، وأن تمتلك أدوات ردع متعددة، فهذا – في الحسابات الصهيونية – لا يُقرأ كإجراء دفاعي، بل كتهديد غير معلن لفلسفة التفوق الأحادي.
ومن هنا، لا تنشغل "تل أبيب" بما إذا كانت مصر تنوي الحرب، بل بما هو أخطر في منطقها: أن تكون قادرة عليها إن فُرضت.
"إسرائيل الكبرى": من الشعار إلى العقيدة
عند هذه النقطة، يصبح استدعاء مفهوم "إسرائيل الكبرى" ضرورة تحليلية، لا خطابية. فهذا المفهوم لم يكن يومًا مجرد شعار انتخابي أو دعاية تعبويّة، بل تعبيرًا مكثفًا عن عقيدة صهيونية تأسيسية ترى في الحدود خطوطًا مؤقتة، وفي القوة وسيلة دائمة للتوسّع.
من هنا، لا تفصل "إسرائيل" بين حاضرها العسكري ومستقبلها الجغرافي، ولا تنظر إلى اتفاقيات السلام بوصفها نهاية للصراع، بل كفواصل زمنية لإعادة التموضع.
في هذا السياق، تكتسب مصر موقعها الإشكالي في العقل الصهيوني: فهي الدولة الوحيدة التي تقف، جغرافيًا وتاريخيًا وعسكريًا، على تخوم هذا الحلم التوسعي. النيل، الذي يُستدعى صراحة أو ضمناً في أدبيات "إسرائيل الكبرى"، ليس مجرد رمز، بل إشارة واضحة إلى أن المشروع الصهيوني، في جوهره، يصطدم حتمًا بمصر، لا كدولة حدود، بل كدولة مركز.
وهنا تتقاطع هذه القراءة مع ما نبّه إليه مبكرًا المفكر الكبير جمال حمدان، حين رأى أن الصراع في هذه المنطقة ليس صراع خطوط تماس، بل صراع وظائف جغرافية وتاريخية. فمصر، في تصور حمدان، ليست مجرد دولة بين دول، بل ضرورة توازن، وغيابها أو إضعافها يعني فتح الباب لاختلال كارثي في الإقليم كله. ومن هذا المنظور، يصبح الجيش المصري أكثر من مؤسسة عسكرية: يصبح حارسًا لوظيفة المكان، وسدًّا تاريخيًا في وجه أي مشروع هيمنة.
القلق الإسرائيلي: اعتراف بالقوة لا إنذار بالحرب
حين يُفكَّك خطاب القلق الإسرائيلي بعيدًا من الضجيج الإعلامي، يتضح أنه لا يحمل نذر مواجهة بقدر ما يكشف عن تحوّل في ميزان الإدراك.
فالدولة التي كانت ترى نفسها القوة الوحيدة القادرة على فرض الوقائع، باتت مضطرة إلى الحساب والمراقبة والتحذير الاستباقي. وهذا، في منطق الاستراتيجيات الكبرى، ليس تصعيدًا بل اعترافاً. اعتراف بأن التفوق لم يعد مضمونًا، وبأن البيئة الإقليمية لم تعد رخوة كما كانت.
"إسرائيل" لا تخاطب مصر بهذا القلق، بل تخاطب نفسها وحلفاءها. تقول، ضمناً، إن هناك جيشًا عربيًا لم يُستنزف في الحروب الأهلية، ولم يتفتت بفعل الانقسامات، ولم يتحول إلى ميليشيا أو ذراع خارجية. جيش ظل متماسكًا، وراكم خبرة، واحتفظ بعقيدته، وانتظر لحظته التاريخية بهدوء. ولذلك، فإن "القلق" هنا هو تعبير عن فقدان الطمأنينة الاستراتيجية التي طالما قامت عليها السياسات الصهيونية منذ سبعينيات القرن الماضي.
والمفارقة الصارخة أن "إسرائيل"، التي طالما طالبت الآخرين بالقبول بقوتها العسكرية باعتبارها "ضمانة للسلام"، ترفض المنطق ذاته حين يتعلق الأمر بمصر. فالقوة، حين تكون إسرائيلية، تُسمى ردعًا. وحين تكون مصرية، تُوصَف كمصدر قلق. وهذا الكيل بمكيالين لا يعكس خوفًا من الحرب، بل خوفًا من التوازن.
القوة التي تحمي السلام
في المحصلة النهائية، لا تكمن خطورة تعاظم قدرات الجيش المصري في احتمال استخدامها، بل في مجرد وجودها. وجودها كقوة منظمة، وطنية، مستقلة القرار، تعرف عدوها التاريخي جيدًا، لكنها لا تتعجل الصدام. وجودها كعامل كبح لأي نزعة توسعية، وكجدار صدّ أمام أحلام "إسرائيل الكبرى" التي لا تزال تسكن العقل الصهيوني، مهما تغيّرت الوجوه وتبدلت الحكومات.
قوة الجيش المصري ليست دعوة للحرب، بل ضمانة لعدم وقوعها. ليست تهديدًا للاستقرار، بل شرطًا من شروطه. فالإقليم لا يستقر حين تكون "إسرائيل" وحدها قوية، بل حين تدرك أن هناك من يملك القدرة – والإرادة – على منعها من تجاوز الحدود. وفي هذا المعنى العميق، يصبح القلق الصهيوني شهادة غير مقصودة: مصر لم تغب، وجيشها لم يغيّر بوصلته، والتوازن عاد ليُطرح بوصفه حقيقة لا شعارًا.
إلهامي المليجي - كاتب صحافي مصري
إن الآراء المذكورة في هذا التقرير لا تعبّر بالضرورة عن رأي الاشراق وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً