عندما تُصبح المصداقية مُحرِّكاً أساسياً في الإنتاج المعرفي

الاشراق | متابعة.

تعريف عام لمصطلح الظلم المعرفي: يُحكى في الرواية الأدبية «To Kill a Mockingbird» (1960) قصة مستوحاة من الواقع الأميركي في المنطقة الجنوبية من الولايات المتحدة الأميركية، تحديداً في ولاية ألاباما خلال فترة التمييز العنصري في مطلع الثلاثينيات من القرن الماضي.

تدور الأحداث حول رجل أسود يُدعى توم روبنسون متهم باغتصاب امرأةٍ من البشرة البيضاء تُدعى مايلّا إيويل. وبالرغم من غياب الأدلة ضدّه ووضوح براءته، رفضت المحكمة والرأي العام الأميركي آنذاك تبرئته بسبب انتمائه العرقي. هذا الأمر كان كفيلًا بتسخيف شهادته، إذ اعتُبر أن ما قاله أقلّ قيمةً من شهادة المرأة ذات البشرة البيضاء.

لم تحظَ شهادة توم بالمصداقية الكافية رغم صدق أقواله، بل أُدين ظلماٍ بجريمة الاغتصاب ما دفعهُ إلى الهرب من السجن حيث لاقى حتفه على يد الحراس الذين أطلقوا عليه 17 طلقة نارية. الخلاصة من القصة، أن الانتماء العرقي وحده كان كفيلاً بإنهاء حياته وتسخيف أقواله.

هذه الرواية تجسد بشكل مبسط وملموس مفهوم ومصطلح الظلم المعرفي والذي بدوره يلاقي اهتماماً ضئيلاً في المجال المعرفي ويدفعنا إلى طرح سؤال بديهي ألا وهو: لماذا تُقدر بعض الأصوات على حساب بعضها الآخر؟ وما هي طبيعة السلطة التي يمتلكها الفرد أو جماعة من الأفراد لصناعة المعرفة؟ وعلى حساب من؟

ساهمت النظريات النقدية في بلورة هذا المصطلح في مطلع الثمانينيات من القرن الماضي. من المهم الإشارة إلى هذه الحقبة نظراً للتحولات الجذرية التي أنجزتها هذه النظريات النقدية، والتي لطالما دعت إلى إعادة النظر في المعايير التقليدية التي وضعتها الأبستمولوجيا التقليدية باعتبارها أنَّ الحيادية والموضوعية هما ركنان أساسيان في إنتاج المعرفة (وفقاً للمنظور الغربي).

وفي هذه الحال، يُفرضُ على الباحث الانسلاخ من محيطه وبيئته حتى تُمنح لهُ المصداقية الكافية في إنتاج المعرفة. وبناءً على ذلك، استطاعت ميرندا فريكر أن تُعرِف الظلم المعرفي في كتابها “Epistemic Injustice: Power and the Ethics of Knowing” (2007) كمصطلح فلسفي وشكل من أشكال الاضطهاد الفكري، حيث تتعرض الفطرة السليمة عند الأفراد أو جماعة من الأفراد إلى التشكيك في قدرتهم على إنتاج المعرفة. يأتي ذلك، استنادًا على صورٍ نمطية مرتبطة بهوية اجتماعية، عرقية، جندرية وغيرها لهذه الفئة المضطهدة.

ونظراً لطبيعة تهميشها تُنتزع منها المصداقية وتُطبّق عليها معايير لا تُشبِهها، بل تُعرِضها للتسخيف والتعتيم والتضليل. ومن هنا، نرى بوضوحٍ كيف يمكن للسلطة المعرفية والاجتماعية أن تتقاطع بهدف إسكات أصوات الفئات المستضعفة عبر تسخيفها وتجريدها من كيانها وأدواتها اللازمة كأسلوب للمقاومة المعرفية. وبالتالي، يمكن القول إن المصداقية هي المحرك الأساسي في الطبيعة الديناميكية لتركيبة موازين القوى. إضافةً إلى ذلك، هذا الاختلال في الموازين يؤدي إلى منح السلطة بشكل تلقائي إلى الفئة التي تمتلك امتيازات اجتماعية وثقافية وسياسية على حساب الفئة الأخرى المستضعفة ما يعزز الترسيخ التدريجي للظلم المعرفي في المجتمع. 

- أنواع الظلم المعرفي في إطارهِ التطبيقي
لنعد مرة أخرى إلى واقع شعوب عالم الجنوب نظراً لبيئتها المشحونة بالصراعات والتعقيدات، والتي سرعان ما اشتدت خصوصاً مع دخول وسائل التواصل الاجتماعي في المجال الإعلامي حيث التأثير يُعَدّ ملموساً أكثر.

ففي وسط هذه التغييرات، صار من السهل على المتلقي أن يتابع الأخبار وما يجري في الخارج نظراً لسهولة التوثيق وسرعة نقل الأخبار. علماً بأنَّ هذا الواقع ليس بجديد، غير أنّهُ أدّى بشكل واسع إلى تفاقم الظلم المعرفي بسبب عامل التسييس الذي تلعبه القنوات ووسائل التواصل الاجتماعي، تارةً في التضليل الإعلامي، وتارة أخرى في تضخيم الواقع على حساب متطلّبات الشعوب التي تأخذ موقعاً هامشياً في نهاية المطاف.

استناداً إلى الواقع اللبناني، تستمر الاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب رغم إعلان وقف العدوان بتاريخ 27 تشرين الثاني 2024 وذلك، وسط صمتٍ متواصل من قِبل الدولة اللبنانية.

وبالرغم من رفع مطالب الجنوبيين إلى الحكومة الحالية، تصرُّ هذه الأخيرة في التغاضي عن التداعيات الاجتماعية والأمنية والبيئية لما يقترفهُ الاحتلال بشكلٍ يومي على القرى الحدودية، والتي تزداد وتيرتها مؤخراً على المناطق البقاعية والجنوبية بشكل واسع.

علماً أنَّ المواقف التي اتخذتها حكومة نواف سلام منذُ بداية استلامها السلطة، أعربت عن إصرارها في شأنِ " حصرية السلاح وبسط سلطة الدولة بقواها الذاتية على كامل الأراضي اللبنانية ".

في الواقع، هذه عبارة أُخِذت من البيان الوزاري الذي صدر عن رئيس مجلس الوزراء نواف سلام بتاريخ 8 كانون الثاني 2026، وكُررت بشكلٍ مفرط مؤخراً ما يضعنا وسط تناقضٍ واضح في اللجوء إلى هذه المصطلحات التي تُطبق بشكلٍ جزئي حيث تتشدد الحكومة في نزع سلاح المقاومة بشكلٍ مباشر باعتبارها غير شرعي من دون تقديم أي ضمانات تقضي بحماية المدنيين في الجنوب. وفي هذه الحال، تُمارس الدولة اللبنانية تسخيفاً ممنهجاً لمطالب أهالي الجنوب كدرجة ثانوية أو حتى غير جديرة في الثقة.

من المهم الإشارة إلى أنَّ هذا التسخيف الممنهج غير مرتبط بالواقع الحالي لِما يَشهدهُ الجنوب من قتلٍ وتهجير وتدمير مستمر، بل متصل بشكل مباشر بمصدر هذه الأصوات التي لا تمنح لها المصداقية الكافية لتُعبّر عن واقعها المأساوي. هذه ظاهرة تنطبق على مفهوم الظلم المعرفي الشهادتيinjustice testimoniale)) نسبةً إلى ما طرحتهُ ميرندا فريكر.

إضافة إلى ذلك، لا يكتفي الظلم المعرفي في التبلور على هذا النمط فقط، بل ينحدر إلى مستوى أعمق من ذلك ألا وهو عبر الظلم المعرفي التأويلي (injustice herméneutique)، وتُعرّفهُ ميرندا فريكر بارتباطه المباشر بفكرة غياب الأدوات التعريفية والموارد المخصصة لإيصال الأصوات المُهمّشة وتجاربهم الاجتماعية المُعاشة والتي تضمُّ سرديةً خاصة بهم.

بعبارة أخرى، لا تكتفي الدولة اللبنانية بمؤسساتها لتهميش معاناة الجنوبيين، بل تتغاضى في منحهم الأدوات اللازمة لإيصال أصواتهم التي بدورها تعكس واقعها الحقيقي.

هذا الأمر يؤدي إلى استغلال هذا الفراغ المقصود لفرض سردية مهيمنة لا تعكس بأي شكل من الأشكال الواقع المُحاط بالمواطن الجنوبي. من هنا نرى أن السردية المهيمنة صنيعة الدولة اللبنانية والطبقة النخبوية التي قد تُعتبر مصنع المصطلحات التي تعتمدها المؤسسات الحكومية.

وبالتالي، تنال هذه المصطلحات المصداقية المطلقة لأنها تُعتَمد في التصريحات الحكومية والبيانات الوزارية. وهنا يُمكن التماس التفاوت ما بين الرؤية التي تتطلع إليها الطبقة السياسية والنخبوية من جهة والواقع الملموس من المعاناة اليومية للمدنيين في المناطق المعرضة للعدوان. 

في الختام، تجدر الإشارة إلى أنَّ محاربة الظلم المعرفي تبدأ عبر استعادة الشعوب حقها في إنتاج المعرفة من جهة ومن خلال تفكيك معايير المصداقية من جهة أخرى، والتي بدورها تعزز استمرار هذا الخلل المعرفي باعتبار أنَّ المشكلة الأساسية لا تكمنُ في غياب الحقيقة، بل في احتكار تعريفها على حساب الفئة المُهمّشة.

خديجة قبلان - كاتبة لبنانية