أميركا .. حين ترفض الإمبراطوريات السقوط بهدوء!

الاشراق | متابعة.

لم يعد الصراع الأميركي - الصيني مجرّد تنافس بين قوتين عظميين، ولا نزاعاً على التجارة أو التكنولوجيا، بل بات تجلياً صارخاً لأزمة الإمبراطورية الأميركية في لحظة أفولها. الولايات المتحدة، التي حكمت النظام الدولي بالقوة منذ نهاية الحرب الباردة، تواجه اليوم حقيقة ترفض الاعتراف بها: العالم لم يعد قابلاً للإدارة من مركز واحد.

ما يجري مع الصين من صراع محموم ليس حدثاً منفصلاً، بل هو امتداد لمسار أميركي طويل جُرِّب في العراق، ثم في أوكرانيا، وفي فنزويلا، وفي إيران، ويُعاد إنتاجه الآن على نطاق أخطر مع بكين.

العراق: الحرب بوصفها كذبة مؤسسة
في عام 2003، شنّت الولايات المتحدة حرباً على العراق بذريعة "أسلحة الدمار الشامل". بالتأكيد لم تكن تلك الحرب خطأً استخبارياً، بل قراراً سياسياً واعياً. الدولة دُمّرت، والمجتمع تفكك، والمنطقة انفجرت، وعندما سقطت الأكذوبة، طبعاً لم تُحاسَب واشنطن.

العراق كان النموذج الأول: حين تمتلك أميركا التفوق المطلق، تستخدم الحرب بلا تردّد.

أوكرانيا: الاستنزاف بالوكالة
في أوكرانيا، تغيّر الشكل لا الجوهر. لم تدخل الولايات المتحدة الحرب مباشرة، لكنها صمّمتها وأدارتها: توسّع للناتو رغم التحذيرات، وتسليح متواصل، ودفع دولة إلى مواجهة لا تملك أدوات حسمها.

النتيجة حرب طويلة تُستنزف فيها أوكرانيا، وتُنهك أوروبا، وتُدار من واشنطن كاستثمار جيوسياسي لتأجيل تراجع الهيمنة.

فنزويلا: من الحصار إلى السلاح والخطف
في فنزويلا، كشفت واشنطن وجهها الكامل. عندما فشلت العقوبات، وفشل مشروع "الرئيس البديل"، لجأت إلى الخيار العسكري القذر.

الإنزال المسلح على السواحل الفنزويلية، واختطاف الرئيس نيكولاس مادورو، لم يكونا حادثين معزولين، بل كانا تعبيراً عن منطق يرى في السيادة جريمة.

المرتزقة، الخطف، الاغتيال... أدوات مشروعة في قاموس إمبراطورية ترفض الاعتراف بحق الشعوب في تقرير مصيرها.

إيران: العقوبة الدائمة على الاستقلال
أما إيران، فهي الحالة الأكثر وضوحاً واستمرارية في سجل العداء الأميركي للاستقلال السياسي. منذ انتصار الثورة الإسلامية، وُضعت إيران تحت عقاب مفتوح:

- حصار اقتصادي طويل الأمد
- حرب بالوكالة
- اغتيالات علمية
- تهديدات عسكرية متواصلة
- محاولات عزل دولي

ورغم ذلك، لم تُكسَر. بل تحوّلت إلى قوة إقليمية فاعلة، وركيزة أساسية في معادلة الردع.

المشكلة الأميركية مع إيران ليست "النووي"، بل النموذج: دولة ترفض الوصاية، وتبني قرارها السيادي، وتدعم قوى مقاومة خارج الإطار الأميركي. ولهذا، أصبحت إيران مختبراً دائماً لكل أدوات الضغط، من العقوبات إلى الضربات العسكرية.

تايوان: جمع النماذج كلها في أزمة واحدة
في تايوان، تلتقي كل هذه النماذج:

- من العراق: الاستفزاز المغلّف بخطاب أخلاقي زائف
- من أوكرانيا: التسليح والدفع نحو خط تماس مباشر
- من فنزويلا وإيران: الحصار، والخنق الاقتصادي، والضغط السياسي

لكن الفارق الجوهري أن الصين ليست دولة يمكن محاصرتها أو استنزافها بلا ردّ. أي انفجار هنا لن يبقى إقليمياً، ولن يُدار بالوكالة فقط، بل قد يفتح الباب على أخطر مواجهة دولية منذ الحرب العالمية الثانية.

فلسطين ومحور المقاومة: الكابوس الحقيقي للإمبراطورية
هنا تكتمل الصورة. ما يجمع فلسطين، وإيران، ومحور المقاومة، مع الصين وفنزويلا، ليس الأيديولوجيا ولا الجغرافيا، بل الرفض العملي لمنطق الهيمنة.

في فلسطين، دعمت الولايات المتحدة احتلالاً استيطانياً، غطّت الإبادة، وسلّحت القاتل، ثم طالبت الضحية بالصمت.
وفي المقابل، قدّم محور المقاومة، بدعم مباشر أو غير مباشر من إيران، أخطر كسر في معادلة القوة:
إمكانية ردع المشروع الأميركي من خارج مؤسساته، ومن دون امتلاك إمبراطورية.

من لبنان إلى غزة، ومن العراق إلى اليمن، تهاوت فرضية أن واشنطن قادرة دائماً على فرض النتائج.

ما تخشاه واشنطن فعلاً

الولايات المتحدة لا تخشى الصين وحدها، بل عدوى الاستقلال:

- تخشى فلسطين حين تتحول من قضية إنسانية إلى معادلة ردع

- تخشى إيران كنموذج سيادي صامد

- تخشى فنزويلا لأنها لم تنكسر

- تخشى الصين لأنها تكسر الاحتكار

-  وتخشى عالماً يتجه من الطاعة إلى التوازن

لهذا، تتصرّف دائماً بالطريقة نفسها: إمّا الخضوع... أو الفوضى.

السؤال لم يعد إن كانت الولايات المتحدة ستشعل حرباً جديدة، بل كم دولة أخرى يجب أن تُدمَّر قبل أن يعترف العالم بأن الخطر ليس في القوى الصاعدة، بل في إمبراطورية ترفض الاعتراف بانتهاء زمنها؟

من بغداد إلى كييف، ومن كراكاس إلى طهران، ومن فلسطين إلى تايوان...

النمط واحد، والفاعل واحد، والنتيجة واحدة:

عالم يُدفع نحو الحافة لأن قوة واحدة تخشى السقوط بهدوء. وفي لحظات الأفول، لا تفكّر الإمبراطوريات بالعواقب... بل بمن ستسحبه معها إلى الهاوية.

منوّر محمد - كاتب ومختص بالذكاء الاصطناعي
إن الآراء المذكورة في هذا التقرير لا تعبّر بالضرورة عن رأي الاشراق وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً