"الأعداء على الأبواب".. هكذا يجنّد "ترامب" الشباب في "ICE" ضدّ المهاجرين!

الاشراق | متابعة.

أشعل مقتل الأميركية رينيه غود، وبعدها الأميركي أليكس بريتي، برصاص "وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك - ICE" في مينيابوليس، موجة احتجاجات حاشدة، امتدت لنحو شهر منذ 7 من كانون الثاني/يناير 2026. تخللت الاحتجاجات أعمال عنف مارستها الوكالة ضدّ المتظاهرين، إلى جانب عشرات آلاف الاعتقالات، بالتوازي مع حملة ترحيل وعمليات دهم مستمرة استهدفت مهاجرين، معظمهم من العمال وأرباب الأسر، في بيوتهم وأماكن عملهم. 

تمثّل هذه الأحداث وتداعياتها انعكاساً لسياسات دونالد ترامب المتشددة ضدّ المهاجرين ومؤيدي الهجرة، والتي يظهر أحد وجوهها عبر مضاعفة ميزانية "ICE" ثلاث مرات، وتخصيص نحو 30 ترليون دولار لميزانيتها ودعماً لزيادة التوظيف فيها، بموجب "One Big Beautiful Bill Act" (قانون اتحادي أميركي، ويحتوي على سياسات ضريبية وإنفاق تشكل جوهر أجندة ترامب في ولايته الثانية)، الذي تم التوقيع عليه من قبل ترامب في 4 تموز/يوليو 2025. وتأتي الزيادة في الميزانية في ظل تزايد مؤشرات الانقسام بين الأميركيين، وعدم اليقين الذي يسود مجتمعات المهاجرين في الولايات المتحدة.  

المهاجرون قضية "أمن قومي"
تم إنشاء "ICE" في عام 2003، استجابةً لأحداث الـ11 من أيلول/سبتمبر، تحت رئاسة جورج بوش، الذي أصبحت سياسة الهجرة تحت إدارته قضية أمن قومي، تتعدى المسائل الإدارية. كان إنشاء "ICE" نتيجة جهود جمهوريين وديمقراطيين، بينهم هيلاري كلينتون وجو بايدن. بين هؤلاء أيضاً باراك أوباما، الذي خلف بوش. وسّع أوباما نشاط "ICE" وزاد مراكز الاحتجاز التابعة لها وأجرى عمليات ترحيل بأرقام قياسية، حتى أضافت ممارساتُه إلى موقعه في رئاسة الولايات المتحدة لقبَ "رئيس عمليات الترحيل" (Deporter-in-Chief).

ورث ترامب في ولايته الأولى آلة الترحيل الضخمة من أوباما، واستخدمها كسلاح ضدّ المهاجرين. اكتسبت "ICE" تحت إدارته مزيداً من الزخم، عبر سياسة "عدم التسامح المطلق" (Zero Tolerance Policy)، التي أدت إلى زيادة عمليات الاحتجاز والترحيل.

عاد ترامب إلى الرئاسة بعد 4 أعوام، وشرع في تنفيذ أحد أبرز وعوده الانتخابية: "مبادرة الترحيل الجماعي". أطلقت إدارته سلسلةً من عمليات إنفاذ قوانين الهجرة، تركّزت في مدن وولايات يحكمها ديمقراطيون. "ICE" نجم هذه العمليات، حيث استخدم عناصرها الملثمون ومجهولو الهوية تكتيكات عدوانيةً ضدّ الأميركيين والمهاجرين، ما سبّب موجةً من الفوضى. وفي ضوء هذا الواقع، بلغ القلق ذروته بين المهاجرين، خصوصاً مع استهداف "ICE" أشخاصاً بناءً على الشكل، العرق، اللغة أو العمل، من دون وجود أي تهمة تستوجب الإدانة، ومع المؤشرات التي تنبئ بزيادة عديد الوكالة.

أيها الشباب.. "أميركا تحتاج إليك"
تسريعاً لعمليات التوظيف في "ICE"، وتشجيعاً على الإقبال عليها، عمدت إدارة ترامب إلى تخفيض بعض معايير التوظيف والتدريب. وفي هذا الإطار، تم تقليص مدة تدريب المجنّدين الجدد من نحو 5 أشهر إلى ما بين 42 و45 يوماً، أي إلى نحو شهر ونصف الشهر. كما تمت إزالة القيود العمرية، بحيث خفِّض الحد الأدنى للسن إلى 18 عاماً، وإلغاء الحد الأقصى. وتُرافِق ذلك عملية توظيف سريعة لموظفين بحد أدنى من المؤهلات، وحتى من دون استكمال جميع الأوراق المطلوبة، إلى جانب حوافز ومكافآت تصل إلى 50 ألف دولار، وإعفاءات من قروض الطلاب، وبرواتب لضباط الترحيل، تتراوح بين 50 ألف دولار و90 ألفاً.

وعلى الصفحة الرسمية للتوظيف في "ICE"، يستقبل العم سام المتصفّح، موجّهاً سبّابته إليه. يخاطب العم سام الناظر إلى الشاشة بشعار الحملة: "أميركا تحتاج إليك" (America Needs You)، وبعبارة أخرى تقول: "لقد غزت أميركا عصابات من المجرمين والمفترسين. نحن بحاجة إليك لطردهم"، قبل أن ينتقل المتصفّح إلى القسم الذي يتناول معلومات تتعلق بالوظائف المتاحة.

في هذا القسم، نجد حديثاً عن حرص "ICE" على "التوازن بين العمل والحياة" (work-life balance) لموظفيها، عبر تطويرهم وتوفير مجموعة متنوعة من فرص التطوير والتدريب؛ وهي مسائل يعيرها الشباب اليوم أهميةً بالغة خلال بحثهم عن عمل. وتتطرّق عروض "ICE" أيضاً إلى "مزايا أخرى"، تشمل جداول عمل مرنة، العمل عن بُعد، استرداد الرسوم الدراسية، إعانات النقل، برامج الصحة وإمكان الوصول إلى الأندية، ومراكز اللياقة البدنية.

بكلمات أخرى، وبالنظر إلى المحتوى واللغة المستخدمة، التي تشبه ما يتم تداوله على وسائل التواصل الاجتماعي والإعلانات عبرها، يبدو أن "ICE" تعمل على تجنيد الشباب بشكل خاص في صفوفها. هكذا، تصبح "ICE" مكاناً يجد فيه الشباب المعنى الذي يفتّش عنه، عبر تلبيته نداء أسلافه بخدمة وطنه الذي يحتاج إليه، وتتوفّر فيه في الوقت نفسه الفرص والامتيازات التي يسعى لها في العمل.

عبر وسائل التواصل الاجتماعي، روّجت "ICE" لحملتها (عبر منشورات مشتركة مع حسابات وزارة الأمن الداخلي)، داعيةً الموظفين المحتَملين إلى أداء "مهمتهم المقدسة" المتمثلة في "إنقاذ أميركا"، و"الدفاع عن أرضهم" من خلال "صدّ (ترحيل) الأجانب الغزاة"، مستخدمةً تعابير تنمّ عن تطرف وانعزالية. واستخدمت حسابات وزارة الأمن الداخلي لقطات من حملات مداهمة المهاجرين، وصوراً مستوحاةً من أفلام الإثارة والتشويق وألعاب الفيديو لتصوير مهمة "ICE" على أنها معركة ضد الأعداء. 

يقول منشور مثلاً: "هل تريد ترحيل المهاجرين غير الشرعيين مع رفاقك؟". ويقول آخر: "هل ستكون شجاعاً أم ستستسلم وتنزف حتى الموت؟". في هذا المنشور بالتحديد، يظهِر النص الأصلي باللغة الإنجليزية سعي إدارة ترامب لإحياء روح "الكاوبوي" (?Are you going to cowboy up or just lay there and bleed)، في مقابل وصم من هم ضدّ هذه الممارسات بالجبن والاستسلام.

"التجنيد في زمن الحرب"
لكن ما تخطط له "ICE" يتجاوز ذلك. تخطط الوكالة لاستغلال مؤثرين والقيام بحملة موجّهة جغرافياً في تنفيذها ما سمّته "التجنيد في زمن الحرب"، بحسب ما أظهرته وثيقة داخلية اطّلعت عليها "واشنطن بوست". تقول الوثيقة إن هذه العملية "ضرورية لتوظيف الآلاف من ضباط الترحيل الجدد في جميع أنحاء البلاد"، وهي تشمل إنفاق 100 مليون دولار على مدار هذا العام، بهدف تجنيد مؤيدي حقوق حمل السلاح والمهتمين بالشؤون العسكرية. وبشكل أكثر تحديداً، سيكون بين المستهدفين عبر الإعلانات أشخاصاً حضروا نزالات "UFC" (المنظمة الرائدة عالمياً في فنون القتال المختلطة الاحترافية) أو استمعوا إلى برامج "بودكاست" تراها إدارة ترامب وطنية، أو أبدوا اهتماماً بالأسلحة.

كشفت الوثيقة تفاصيل جديدة حول الحجم الهائل لجهود التجنيد واستراتيجيتها غير التقليدية، المتمثلة في "إغراق السوق" بملايين الدولارات من الإنفاق على إعلانات منصة "سناب شات" والمؤثرين ومقدمي البث المباشر عبر منصة "Rumble"، وهي منصة فيديو تحظى بشعبية لدى المحافظين. ولم تسمِّ الوثيقة مؤثرين محددين، لكنها ذكرت أنها ستركز على "عملاء سابقين ومحاربين قدامى وصانعي محتوى مؤيدين لـICE"، يُتوقَّع منهم استضافة بثوث مباشرة، حضور فعاليات، ونشر مقاطع فيديو قصيرة وطويلة ومحتويات أخرى، على "فيسبوك"، "إنستغرام"، "Rumble"، "إكس" و"يوتيوب". وسيتم أيضاً استهداف المدونات والنشرات الإخبارية على منصة "Substack" وحسابات "Threads"، للوصول إلى "مجتمعات متخصصة". 

وذكرت الوثيقة أنه من المقرر تخصيص ملايين الدولارات الإضافية للإعلانات على أجهزة ألعاب الفيديو وأجهزة التلفزيون الذكية وخدمات البث، مثل "ESPN" و"Fox News" و"+Paramount"، إضافةً إلى الصحف واللوحات الإعلانية وشاحنات التوزيع. وستستخدم "ICE" أيضاً تقنيةً في صناعة الإعلانات، تُعرف باسم "التسييج الجغرافي" (Geofencing)، لإرسال الإعلانات إلى متصفحات الهواتف المحمولة وموجزات وسائل التواصل الاجتماعي، لأي شخص يطأ قدمه قرب القواعد العسكرية أو سباقات "Nascar" (الرابطة الوطنية لسباقات السيارات المعدلة) أو حرم الجامعات أو معارض الأسلحة والتجارة. 

أما الهدف من كل ذلك فهو بناء الثقة من خلال "رسائل حقيقية بين الأقران"، و"تطبيع وتجسيد مسارات العمل في ICE من خلال سرد القصص والتجارب الشخصية". 

عسكرة ومعارك مفتعلة: ضرورات "شرطة ترامب الخاصة"
يشير موقع "ICE" إلى أن الوكالة توظّف حالياً أكثر من 20 ألف شخص. وكانت وزارة الأمن الوطني أعلنت أنها تعمل على زيادة العديد عبر توظيف أكثر من 10 آلاف شخص إضافيين. الوزارة صرّحت أيضاً لـ"واشنطن بوست"، على لسان المتحدثة باسمها تريشا ماكلوفلين، بأن "ICE" تلقت أكثر من 220 ألف طلب توظيف خلال 5 أشهر، وأصدرت أكثر من 18 ألف عرض لوظائف محتملة.

وبغض النظر عن صحة هذه الأرقام، التي يمكن أن تكون جزءاً من الدعاية التي تمارسها "ICE"، يمكن توقع زيادة كبيرة في عديدها بالفعل، نظراً للتأثير المتوقع للعروض التي تقدّمها واستراتيجية الترويج التي تتّبعها، والتي تلقى رواجاً لدى قسم كبير من الأميركيين؛ الذين جاؤوا بترامب رئيساً لبلادهم على الأقل.

بالعودة إلى الفترة الممتدة بين عامي 2005 و2011، التي تتقاطع فيها ولايتا بوش وأوباما، تمّ تسجيل زيادة في شكاوى استخدام القوة وحوادث العنصرية وجرائم الاختطاف والاعتداء الجنسي وقبول الرشاوى في "هيئة الجمارك وحماية الحدود"- "CBP"، التي تشترك حالياً في العمليات التي تنفذها "ICE". خلال تلك المدة، شهدت "CBP" زيادةً كبيرةً في التوظيف وتضاعف عدد عناصرها. وبالنظر إلى ما تمارسه "ICE" اليوم، والنية بمواصلته وتوسيع نطاقه، تثير هذه التجربة السابقة مخاوف من زيادة التجاوزات مرةً أخرى.

لكن يمكن القول إن الأمر هذه المرة أكثر حساسيةً، فاستراتيجية ترامب، غير التقليدية لكن المدروسة بدقة، تهدد بجعل المجتمع الأميركي أكثر عسكرةً وعنفاً، وأفراده عناصر في "شرطة ترامب الخاصة"، كما يسمّي البعض "ICE" اليوم. إنّ تخفيض معايير حصول عناصر جدد على وظيفة في مؤسسة تتصاعد الدعوات إلى إلغائها، والحملة الدعائية الشرسة التي تصوّر هذه الوظيفة على أنها "ضرورة من ضرورات الحرب"، يزيدان خطر تشجيع اليافعين على خوض المعارك الشاملة المفتعلة، ضدّ المهاجرين وحتى معارضيهم في السياسة من الأميركيين. 

وهنا يطرح سؤال: ما الذي تحتاجه الولايات المتحدة فعلاً؟ هل هذا ما تحتاجه الولايات المتحدة فعلاً؟

للكاتبة فاطمة موسى