فايننشال تايمز ..ما هي التكلفة السياسية لارتفاع فواتير الكهرباء في أميركا؟

الاشراق | متابعة.

تحدّثت صحيفة  "فايننشال تايمز" عن تكلفة سياسية يدفعها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لارتفاع فواتير الكهرباء في الولايات المتحدة الأميركية، بحيث إنّ فشله في خفض فواتير الطاقة، "يؤثر سلباً على شعبيته"، عازيةً ارتفاع الفواتير إلى إجراءات اتخذتها إدارة ترامب، إضافةً إلى عوامل أخرى، منها مراكز البيانات التي تدعم طفرة الذكاء الاصطناعي.

وفيما يلي نص المقال منقولاً إلى العربية بتصرف:

وضع الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، سياسة الطاقة وتوفيرها بأسعار معقولة، في صميم حملته الانتخابية لعام 2024، حيث تبنى سياسات تهدف إلى تعزيز إنتاج النفط والفحم والغاز محلياً، وتحقيق "وفرة في الطاقة".

ووفقاً لحملته، فإنّ الطاقة الأرخص ستُنعش الاقتصاد، وتُعزز قطاع التصنيع، وتُعيد الوظائف إلى الولايات المتحدة، في حين أنّ أسعار الغاز الطبيعي وزيت التدفئة المنزلية والكهرباء، ارتفعت بشكل كبير، متجاوزةً معدل التضخم.

فبين كانون الثاني/يناير وتشرين الثاني/نوفمبر، وهو آخر شهر تتوفر عنه البيانات، ارتفعت تكلفة الكهرباء للمستهلكين المنزليين في الولايات المتحدة بنسبة 11.5%، لكن المتوسط الوطني يخفي مواطن الضعف، لا سيما في المناطق التي يشهد فيها الطلب على الطاقة ارتفاعاً ملحوظاً.

في بنسلفانيا وفرجينيا، على سبيل المثال، ارتفعت فواتير المستهلكين المنزليين بنحو 15%، وفي نيوجيرسي ارتفعت فواتير الشركات بنسبة 5%.

مجموعة واسعة من المشكلات
ويرجع ذلك إلى مجموعة واسعة من المشكلات. فعقود من نقص الاستثمار تعني أنّ شركات الكهرباء بحاجة إلى تحديث شبكاتها المتهالكة في وقت ارتفعت تكاليف المواد الخام والمكونات بشكل حاد.

ويقول النقاد، في هذا الإطار، إنّ هجمات إدارة ترامب على الطاقة المتجددة وتحركاتها لدعم صناعة الفحم، قد زادت من تكاليف المستهلكين، فيما ساهم ارتفاع صادرات الغاز الطبيعي المسال في زيادة أسعار الجملة المحلية.

كما أنّ العامل الأكثر إلحاحاً هو الجيل الجديد من مراكز البيانات التي تدعم طفرة الذكاء الاصطناعي، بحيث إنّ الطلب المتزايد على مراكز البيانات يرفع فواتير المستهلكين، نظراً إلى عجز القطاع عن بناء قدرة إضافية كافية لتوليد الكهرباء أو تطوير البنية التحتية للشبكة، بحسب النقاد. 

ويقول مدير مبادرة قانون الكهرباء في كلية الحقوق بجامعة "هارفارد" آري بيسكو، إنّ "أجزاء كثيرة من البلاد، تشتري شركات المرافق الطاقة من السوق، حيث يتحدد السعر بناءً على العرض والطلب، فيما يزداد الطلب بسبب مراكز البيانات هذه، في وقتٍ لا يتوفر العرض بالسرعة الكافية". 

شعبية ترامب تتأثر
إلى ذلك، يؤثّر فشل ترامب في خفض فواتير الطاقة سلباً على شعبيته، إذ أفاد نحو 51% من الأميركيين الذين شملهم استطلاع رأي أجرته صحيفة "نيويورك تايمز" بالتعاون مع جامعة "سيينا"، بأنّ سياسات ترامب جعلت الحياة أكثر صعوبة بالنسبة إليهم، بينما قال 24% إنها "أصبحت أسهل".

أتى ذلك، بعدما حقق المرشحون الديمقراطيون فوزاً ساحقاً في أول انتخابات رئيسية منذ عودة ترامب إلى منصبه، بما في ذلك في نيوجيرسي وفرجينيا، حيث كانت فواتير الكهرباء قضية محورية.

وقد دافعت إدارة ترامب عن سياساتها، وحاولت إلقاء اللوم في ارتفاع الأسعار على الرئيس السابق جو بايدن. لكن في لحظة صراحة، قال وزير الطاقة الأميركي كريس رايت، في مقابلة مع موقع "بوليتيكو" في آب/أغسطس، إنّه من المرجح أن يُلام الجمهوريون في هذا الشأن.

ومنذ ذلك الحين، أصدرت الإدارة عدداً من التوجيهات الطارئة لمعالجة هذه المشكلة، بحيث "لا يمكن للبيت الأبيض تجاهل مسألة القدرة على تحمل التكاليف، فالهيمنة على قطاع الطاقة من دون مراعاة القدرة على تحمل التكاليف قد تُشكل مشكلة حقيقية في صناديق الاقتراع"، وفق رئيس شركة "غريد ستراتيجيز" للاستشارات في مجال الطاقة روب غرامليش. 

وبدأ ترامب وشركات المرافق ومراكز البيانات يُدركون أهمية تكاليف الكهرباء، خشية ردود فعل سلبية. وقد أدلى شخصيات جمهورية بارزة، مثل حاكم فلوريدا رون ديسانتيس وسيناتور ميسوري جوش هاولي، بتصريحات مماثلة.

"ضرورة حتمية"
بالعودة إلى التاريخ، برزت قضية تكاليف الكهرباء لأول مرة في السياسة الوطنية خلال فترة الكساد الكبير، عندما فرضت شركات المرافق الاحتكارية المبهمة أسعاراً باهظة على العملاء خارج المناطق الحضرية، ممّا دفع الرئيس فرانكلين روزفلت إلى التصريح بأن "الكهرباء لم تعد ترفاً، بل ضرورة حتمية".

وقد أدى التوسع الهائل في محطات توليد الطاقة وشبكات الكهرباء إلى تلبية الطلب المتزايد على مدى العقود اللاحقة، بينما ساهم ارتفاع كفاءة الطاقة في أوائل العقد الأول من الألفية الثانية في الحد من نمو الطلب، والحد من ارتفاع الأسعار، بل وتأخير تحديثات البنية التحتية في بعض الحالات.

وبحلول عام 2026، يُشار مجدداً إلى الحصول على الكهرباء باعتباره "ضرورة حتمية"، وهذه المرة لتحقيق أهداف الولايات المتحدة التكنولوجية والصناعية المتسارعة.

سباق الذكاء الاصطناعي
فـ"الفوز في سباق الذكاء الاصطناعي" مع الصين، وهو الهدف الذي حدّده أمر تنفيذي رئاسي صدر في تموز/يوليو الماضي، يتطلب تزويد مراكز البيانات بكميات هائلة من الكهرباء من شبكة كهرباء مُرهقة.

ووفقاً لمجموعة "بلومبرغ إن إي إف" البحثية، فإنّ "الطلب على الطاقة في مراكز البيانات سيرتفع من 34.7 غيغاوات في عام 2024، إلى 106 غيغاوات بحلول عام 2035"، أي ما يعادل احتياجات أكثر من 80 مليون منزل.

بدورها، تتوقع شركة الاستشارات "ICF" أن يرتفع إجمالي الطلب على الكهرباء في الولايات المتحدة بنسبة الربع، وذلك بحلول عام 2030، وبنسبة 78% بحلول عام 2050، مقارنةً بعام 2023.

في هذا الخصوص، يقول وزير الطاقة في إدارة ترامب الأولى دان بروليت: "لقد تسببنا في نقص حاد في الطاقة الكهربائية"، مضيفاً أنّ "الرد الأول على ذلك قد يكون مطالبة الأطفال بإطفاء الأنوار، في حين أنّ ذلك لن يجدي نفعاً هذه المرة".

أبرز المناطق المتضرّرة 
وتُعدّ شبكة الكهرباء التي تُشغّلها شركة "PJM" من أكثر المناطق تضرّراً، إذ تُزوّد أكثر من 67 مليون شخص في شمال شرق ووسط غرب البلاد بالكهرباء، بما في ذلك "ممر مراكز البيانات"، وهو مركز في ولاية فرجينيا يمر عبره 70% من حركة البحث العالمية.

ووفقاً لتقرير مراقبة السوق الصادر عن "PJM"، فقد تسببت مراكز البيانات في تكاليف إضافية بقيمة 23 مليار دولار أميركي في آخر ثلاث مزادات لسوق سعة الشبكة، والتي تُستخدم لتأمين إمدادات الطاقة للسنوات القادمة.

الرئيس التنفيذي لشركة "Exelon"، الشركة الأم لمرافق الطاقة، كالفن بتلر، يشير إلى أنّ "المشكلة تكمن في عدم السماح لشركات المرافق في المنطقة ببناء محطات توليد الطاقة، واعتمادها على شركات إنتاج الطاقة المستقلة".

من جانبهم، يقول منتجو الطاقة المستقلون إنّ تحديد سقف للأسعار، الذي فرضه حاكم ولاية بنسلفانيا جوش شابيرو لحماية المستهلكين، "يُثبّط بناء قدرات توليد جديدة".

سياسات تُفاقم المشكلة
ويقول الخبراء إنّ بعض سياسات الإدارة تُفاقم المشكلة. فقد استهدف ترامب الطاقة الشمسية وطاقة الرياح من خلال خفض الإعفاءات الضريبية بموجب قانون خفض التضخم، وهي السياسة الصناعية الرئيسية لبايدن. كما هاجم مراراً وتكراراً مزارع الرياح البحرية قيد الإنشاء على الساحل الشرقي، وأصدر سلسلة من أوامر وقف العمل وتعليق عقود الإيجار.

وقد برّر ترامب هذه الخطوات بقوله إنّ مصادر الطاقة المتجددة "مكلفة للغاية وضعيفة جداً"، فيما يقول النقاد إنّه "يُقوّض عمداً المنافسة في صناعة الوقود الأحفوري، ويُحدّ من استخدام التقنيات التي تُعدّ من أسرع التقنيات وأرخصها في النشر".

وإضافةً إلى ذلك، هناك عوامل أخرى تساهم في ارتفاع التكلفة، إذ يدفع مستهلكو الكهرباء "تكاليف تحديث شبكة الكهرباء المتهالكة في البلاد"، والتي أُضعفت بسبب "نقص الاستثمار التاريخي"، وتأثرت بشدة بالظروف الجوية القاسية.

ووفقاً لتقرير صادر عن مركز لورانس بيركلي للأبحاث، أضافت العواصف في فلوريدا وماين أكثر من ثلاثة سنتات لكل كيلوواط/ساعة إلى أسعار الكهرباء المنزلية، بينما رفعت الاستثمارات في مكافحة حرائق الغابات فواتير كاليفورنيا بنحو أربعة سنتات لكل كيلوواط/ساعة.

قانون السياسة البيئية الوطنية
وبناءً على ذلك، يُركز المُصلحون على قانون السياسة البيئية الوطنية، الذي وُضع استجابةً للمخاوف البيئية بشأن جودة الهواء والماء في ستينيات القرن الماضي.

وعلى الرغم من حسن النية، يُنشئ هذا التشريع "حلقات مفرغة من التقاضي" تُؤخر تطوير محطات الطاقة وخطوط النقل الجديدة، كما يقول توماس هوشمان، مدير مؤسسة الابتكار الأميركية، وهي مركز أبحاث تموله صناعة التكنولوجيا. فقد يستغرق إصدار تراخيص مشاريع توليد الطاقة وخطوط النقل نحو أربع سنوات أو أكثر.

ويهدف التشريع الذي أقره مجلس النواب في كانون الأول/ديسمبر إلى إصلاح هيئة الطاقة الوطنية (NEPA) لتسريع وتيرة بناء البنية التحتية للطاقة.

لكن حملة ترامب ضد مصادر الطاقة المتجددة قد تُعرقل إقرار مشروع القانون، إذ تزيد الهجمات المتكررة على مشاريع طاقة الرياح البحرية من صعوبة التوصل إلى حل وسط.

فرصة لخفض الأسعار
في المقابل، يرى محللون أنّ مراكز البيانات، التي يُحمّلها العديد من الخبراء مسؤولية ارتفاع الأسعار، قد تُساهم في خفض فواتير الطاقة في ظل شروط معينة، إذا تكفّلت شركات التكنولوجيا الكبرى بتكاليف الاستثمار في محطات توليد الطاقة وخطوط النقل الجديدة.

كما قد تنخفض الفواتير إذا جرى توزيع تكاليف الطاقة على قاعدة عملاء أوسع، فيما تُنشئ شركات المرافق العامة بشكل متزايد هياكل تكلفة خاصة لمراكز البيانات.

وتركز شركات المرافق العامة، مثل شركة "ساوثرن كاليفورنيا إديسون"، على استقطاب مراكز البيانات لإنشاء فروع لها في مناطقها.

وتقول إريكا بومان، نائبة رئيس الشركة لشؤون الاستراتيجية والتخطيط والأداء: "نرى فرصة كبيرة في هذا المجال. كل الخيارات مطروحة على الطاولة فيما يتعلق بجذب الناس إلى منطقة خدماتنا حتى نتمكن من الضغط على الأسعار نحو الانخفاض". 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الاشراق وإنما تعبّر عن رأي الصحيفة حصراً