إيران الثورة في مواجهة الاستكبار: التحدّي بوصفه خياراً تاريخياً ونصرة المستضعفين كمعيار للشرعية

الاشراق |  متابعة.

في عالمٍ تُدار فيه السياسة الدولية ببرودة المصالح، وتُقاس فيه شرعية الدول بمدى امتثالها لإرادة مراكز القوّة، يبدو الخروج عن النسق السائد ضرباً من المغامرة المكلفة. غير أنّ الثورة الإسلامية في إيران، منذ أكثر من أربعة عقود، اختارت أن تجعل من الاستقلال موقفاً لا مجرّد شعار، ومن نصرة المستضعفين إطاراً ناظماً لفهم دورها في العالم، ولو كان الثمن حصاراً متراكماً وضغوطاً لا تنفكّ تتخذ أشكالاً جديدة. من هذا المنطلق، لا يُقرأ الصمود في وجه العقوبات بوصفه تفصيلاً تقنياً في إدارة الصراع الدولي، بل باعتباره تعبيراً عن معركة أعمق على معنى السيادة والعدالة في نظام عالمي مختلّ البنية والمعايير.

لم تكن الثورة الإسلامية حدثاً سياسياً معزولاً في تاريخ إيران المعاصر، بل لحظة انقطاع مع نمط طويل من الارتهان البنيوي للخارج، ومحاولة لإعادة تعريف موقع الدولة في شبكة علاقات دولية تقوم في جوهرها، على تراتبية غير معلنة بين من يملكون القوّة ومن يُطلب منهم الامتثال.

ومنذ بداياتها، تجاوز خطاب الثورة حدود الداخل الإيراني ليخاطب فضاءً أوسع من الشعوب التي عاشت، ولا تزال، تحت وطأة منظومات الهيمنة الاقتصادية والسياسية. هنا، لم يُطرح الاستقلال بوصفه مجرّد سيادة قانونية، بل باعتباره تحرّراً من منظومة كاملة من التبعيّة التي تُفرغ الدولة من مضمونها الفعلي.

في النظام الدولي الذي تَشَكَّل بعد الحرب العالمية الثانية، لم تُبنَ القواعد الناظمة للعلاقات بين الدول على مبدأ العدالة، بل على موازين قوى كرّست واقعاً تتقدّم فيه مصالح القوي على حقوق الضعيف. وضمن هذا الإطار، تحوّلت مناطق واسعة من العالم إلى ساحات نفوذ، تُدار فيها الانقلابات، وتُرعى الأنظمة، وتُشعَل النزاعات أو تُطفأ تبعاً لحسابات لا علاقة لها بإرادة الشعوب. 

جاءت الثورة الإسلامية كسبيلٍ للخلاص من هذا القدر السياسي المفروض، ولتقول إنّ كسر منطق الطاعة ليس وهماً نظرياً، بل خياراً تاريخياً محفوفاً بالكلفة، لكنه يفتح أفقاً مختلفاً لمعنى الفعل السياسي في عالم مأزوم بالهيمنة.

ارتبط خطاب الثورة منذ لحظته الأولى بمفهوم "نصرة المستضعفين"، ليس كشعار تعبوي، بل كإطار أخلاقي لإعادة قراءة الصراع في العالم. فالانقسام، وفق هذا المنظور، لا يقوم فقط بين معسكرات أيديولوجية أو محاور جيوسياسية، بل بين منظومة استكبار تعيد إنتاج السيطرة بأدوات حديثة، وشعوب تُستنزَف وتسرق مواردها وتُختزل إرادتها في هوامش القرار الدولي. 

في هذا السياق، تغدو فلسطين أكثر من قضية سياسية؛ تصبح مرآةً مكثّفة لاختلال العدالة في النظام الدولي، واختباراً فاضحاً لخطاب عالمي يتغنّى بحقوق الإنسان بينما يوفّر الغطاء لأطول احتلال استيطاني في العصر الحديث. من هنا، لم يكن تموضع إيران إلى جانب القضية الفلسطينية مجرّد اصطفاف إقليمي، بل جزءاً من رؤية ترى في فلسطين عنواناً مكثّفاً لفشل النظام الدولي في الوفاء بوعوده الأخلاقية.

ولأنّ الخروج عن الأدوار المرسومة في النظام الدولي لا يُقابَل عادةً بالتسامح، كانت العقوبات الاقتصادية الأداة الأبرز لمحاولة إعادة إيران إلى ما يشبه بيت الطاعة العالمي. غير أنّ هذه العقوبات، في جوهرها لا تُفهم فقط بوصفها ردّاً على سياسات محدّدة، بل بوصفها عقاباً لنموذج يسعى إلى إعادة تعريف شروط الاستقلال في عالم يريد أن يحتكر تعريف الشرعية والسلوك المقبول. فالعقوبات في بنيتها العميقة، ليست أدوات قانونية محايدة، بل وسائل لإدارة الصراع ومنع تشكّل سوابق قد تُغري دولاً أخرى بمحاولة الخروج عن منظومة الهيمنة القائمة.

ورغم الأعباء الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الثقيلة التي فرضها الحصار، جرى إدراج تحمّل العقوبات في سردية أوسع عن الكرامة الوطنية والسيادة. فالخضوع للإملاءات الخارجية مقابل تخفيف الضغط لم يكن ليُقرأ بوصفه تسوية تقنية، بل بوصفه عودة إلى نمط التبعيّة الذي قامت الثورة أصلاً على نقضه. بهذا المعنى، اكتسب الصمود بعداً رمزياً يتجاوز الحسابات المادية المباشرة، ليغدو جزءاً من خطاب مقاومة يسعى إلى نزع الشرعية الأخلاقية عن نظام دولي يستخدم الاقتصاد كسلاح جماعي، حتى لو جاء ذلك على حساب الفئات الاجتماعية الأضعف.

كما كشفت تجربة العقوبات تناقض الخطاب الغربي حول معاقبة الأنظمة لا الشعوب، إذ غالباً ما يتحمّل المجتمع بأسره كلفة سياسات لا يملك أدوات التأثير المباشر في صنعها. وهذا يفتح سؤالاً أخلاقياً عميقاً حول طبيعة نظام دولي يدّعي الدفاع عن حقوق الإنسان، بينما يشرعن أدوات عقاب جماعي تحت غطاء قانوني فضفاض، ويحوّل المعاناة اليومية للناس إلى ورقة ضغط في لعبة توازنات القوّة.

في عمق التجربة الإيرانية، يصعب الفصل بين السياسة بوصفها إدارة للمصالح، والرؤية القيمية التي حكمت تشكّل الثورة ومسارها. فخطاب نصرة المستضعفين يستند إلى تصوّر أخلاقي للصراع يرى أنّ الحياد في لحظات الظلم ليس موقفاً محايداً، بل انحياز ضمني لمنطق القوّة الغالبة. من هنا، تحوّل مشروع الثورة إلى محاولة لإعادة إدخال البعد الأخلاقي إلى فضاء دولي جُرِّد تدريجياً من أيّ حسّ بالمسؤولية الجماعية، وبات يُدار بمنطق براجماتي صارم لا يعترف إلا بلغة القوّة والردع.

ختاماً، تكمن القيمة التاريخية لتجربة الثورة الإسلامية في إيران في أنّها كسرت، وهمَ استحالة الخروج على نظام دولي مغلق على بدائل حقيقية.

لقد أعادت هذه التجربة طرح سؤال الإرادة في التاريخ؛ هل الشعوب مجرّد دمى تُدار من الخارج، أم أنّ بإمكانها، رغم اختلال موازين القوّة، أن تكون فاعلاً يفرض حضوره في معادلة دولية غير عادلة؟ إنّ الصمود في وجه العقوبات، بما يحمله من كلفة ومعنى، يظلّ تعبيراً عن هذا الرهان على إمكانية استعادة السياسة شيئاً من بعدها الأخلاقي في عالم بات يُدار إلى حدّ بعيد، بمنطق القوّة وحدها.

علي قاسم مقداد - باحث وأكادبمي في العلاقات الدولية.
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الاشراق وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً