ناسا تعود إلى القمر: رحلة علمية أم سياسية؟

الاشراق | متابعة.

بعد أكثر من قرن على آخر رحلة بشرية إلى القمر، تستعد «وكالة الفضاء الأميركية» (ناسا) لإطلاق مهمة «أرتميس 2»، أول رحلة مأهولة ضمن برنامج «أرتميس»، في مسار يُعدّ تمهيدياً قبل العودة الفعلية إلى سطح القمر. الرحلة المرتقبة، التي قد تنطلق في أقرب موعد اعتباراً من السادس من شباط (فبراير) المقبل، تضع أربعة روّاد فضاء على مسار يدور في فلك القمر من دون الهبوط عليه.

تستغرق مهمة «أرتميس 2» نحو عشرة أيام، وتهدف إلى اختبار صاروخ «نظام الإطلاق الفضائي» (SLS) وكبسولة «أوريون» في أول تجربة مأهولة لهما خارج مدار الأرض المنخفض. لكن الرحلة لا تشمل المهمة هبوطاً على سطح القمر، بل تحليقاً حوله والعودة إلى الأرض، في ما يُعرف بمسار «العودة الحرّة»، حيث تكفل جاذبية القمر إعادة المركبة إلى الأرض حتى في حال حدوث أعطال كبيرة.
ويتكوّن الطاقم من أربعة روّاد هم قائد المهمة ريد وايزمان، والطيار فيكتور غلوفر، وكريستينا كوخ، إضافة إلى رائد الفضاء الكندي جيريمي هانسن.

في هذا السياق، ستسجّل الرحلة سابقة تاريخية، إذ ستكون أول مهمة مأهولة إلى ما وراء مدار الأرض تضم امرأة، ورائد فضاء ملوّناً، وشخصاً من الجنسية الكندية.

وبحسب المخطط الحالي الذي نشرته شبكة «سي إن إن»، تنطلق «أوريون» من «مركز كينيدي للفضاء» في فلوريدا فوق صاروخ SLS، لتدخل أولاً مداراً منخفضاً حول الأرض. بعد سلسلة من المناورات وعمليات الاختبار، تُنفّذ عملية الدفع الرئيسية التي تضع المركبة على مسار نحو القمر. بعد أربعة أيام من التحليق، تمر الكبسولة على مسافة آلاف الكيلومترات من سطح القمر، متجاوزة جانبه البعيد، قبل أن تعود في رحلة مماثلة إلى الأرض، لتنتهي بهبوط مظلي في المحيط الهادئ.

ماذا عن أرتميس 1؟
من جهة أخرى، تشكل مهمّة «أرتميس 1» الأساس التقني لهذه الرحلة، وكانت قد أُطلقت المهمة غير المأهولة في تشرين الثاني (نوفمبر) 2022، واستمرّت 25 يوماً، دارت خلالها «أوريون» حول القمر واختُبرت الأنظمة الحيوية للصاروخ والكبسولة من دون وجود بشر على متنها.

ووفق «ناسا»، أكّدت تلك الرحلة على قدرة المركبة على تحمّل ظروف الفضاء السحيق، لكنها لم تختبر بعد متطلبات الحياة البشرية، وهو ما تسعى «أرتميس 2» إلى إنجازه.

مطبّات عملياتية
رغم الثقة المعلنة، لا تزال المهمة تواجه تحدّيات تقنية، أبرزها أن الصاروخ والكبسولة لا يزالان في مراحل تشغيل مبكرة، إضافة إلى تعقيدات الوقود المبرد للغاية، التي تسبّبت سابقاً في تأجيلات. كما أنّ مركبة الهبوط القمري، التي تطوّرها شركة «سبايس إكس» لمهمة «أرتميس 3»، لم تصبح جاهزة بعد، ما يفرض تأجيلاً عملياً لأي هبوط مأهول.

إنجاز للإنسانية أم للغطرسة؟
منذ عودته إلى البيت الأبيض منذ حوالي عام، شارك الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في صياغة استراتيجيات «ناسا» وأهدافها. ويعكس ما يهوى أقرب حلفائه ومالك شركة «سبايس إكس» الرائدة في هذا المجال، إيلون ماسك، دفع ترامب بالوكالة الأميركية للتركيز على تحقيق هدف إيصال رواد الفضاء إلى سطح القمر بحلول عام 2028، معتبراً أنّ ذلك محطّة رئيسية قبل التركيز على الوصول إلى المريخ.

تأتي سياسات ترامب في ظلّ ضغط المنافسة الجيوسياسية، إذ تسابق «ناسا» عقارب الساعة لتحقيق هدف مشروع «أرتميس» في ظلّ تسارع غير مسبوق للبرنامج الفضائي الصيني، علماً أنّ بكين تطمح لإيصال روّدها إلى سطح القمر بحلول عام 2030.

في كانون الأول (ديسمبر) عام 1972، غادر طاقم رحلة «أبولو 17» التابعة لـ «ناسا» سطح القمر، ومنذ ذاك التاريخ تجهد الوكالة لاستعادة بريقها خلال الحرب الباردة. وفي ظلّ الانقسامات الدوليّة والتنافس الصيني الأميركي، تأتي رحلة «أرتميس 2» بوصفها أكثر من مجرّد مهمّة علميّة أو إنجاز بشري، بل كرسالة سياسية من الفضاء البعيد إلى عواصم صنع القرار على الأرض، بأنّ واشنطن لا تزال قادرة على قيادة السباق الفضائي والتكنولوجي، حتّى الآن.