صنع في غزة فقط: إسمنت عنيد يستر عورة الأمة… وحنين جماعي لـ«مصر التي لن تسمح»
الاشراق | متابعة.
قدمت لنا شبكة «بي بي سي» التلفزيونية خدمة خاصة للغاية، وهي تبث تقريرا مصورا عن «فلسفة أهالي غزة» الجديدة في «الهندسة الإنشائية والابتكار» تحت القصف واستمرار الحصار والركام والتجويع.
التقرير مثير للغاية، ويبث، فيما أمة تضم كما قال الراحل الأردني عبد الله الضمور – رحمه الله – مليارا ونصف المليار «أعرابي ومتأسلم» تعجز عن إدخال رغيف خبز أو طوبة لإعمار أي شيء.
هنا غزة – هذا ما يقوله ضمنا تقرير «بي بي سي»، حيث اخترع الأهالي المشردون واليتامى والجوعى «خلطة جديدة من الإسمنت» تستخدم الآن في إعادة إنشاء المنازل والجدران.
الإسمنت المستحدث عبارة عن «خليط عشوائي» من صنفين من التراب.
الأول يجمع من سطح الأرض المقصوفة أو المحروقة.
والثاني يجمع بعد الحفر قليلا لعدة أمتار حيث تراب مبتل ورطب، والأهم نظيف قرب الساحل تحديدا، فيما المكون الأول ملوث بالبارود ومخلفات القنابل.
النتيجة «كوكتيل» أقوى من الإسمنت الطبيعي، الذي تعرفه البشرية وتدفع المليارات للاستثمار فيه، ويصلح لإعادة بناء جدران متخصصة بستر عورة الأمة المبتلاة بحكامها وشعوبها.
غزة تصنع
ابن غزة قرر ألا يقف أو ينتظر ولن يتسول.. هذا ما قالته فتاة على شريط مصور بثته يوما شاشة «الحقيقة الدولية» في عمان، وهي تتحدث عن طبقة عمال ومهندسين شباب تمكنوا من إعادة بناء «هناجر» من مخلفات الإبادة.
يمكن للزملاء في قناتي التلفزيون الأردني و»القاهرة الإخبارية» الاطمئنان بعد الآن إلى أن المواقف الرسمية، التي ترفض «التهجير» في القاهرة وعمان ثمة من يوفر لها الحماية من أهالي غزة، الذين تخلت عنهم الأمصار والمنافي والمشايخ والجيوش العربية.
يمكن طبعا تدعيم وإسناد الموقف الرسمي المصري بتلك الخلطة الإسمنتية العنيدة، التي ابتكرها مواطنون وعمال، قرروا عدم انتظار مجلس السلام الأمريكي، ومعه مجلس الأمن ولجنة التكنوقراط، حيث يبلغ أحد المهندسين بأن أحدا لم يخطر في ذهنه سابقا أن التراب المقصوف والمخلوط بالبارود يصبح أقوى من الإسمنت، عندما يختلط بتراب نقي طري مبتل ورطب من سواحل غزة.
أحد السياسيين الكبار أبلغ كاتب هذه السطور توقعاته أن تصبح غزة «هونغ كونغ الشرق الأوسط» عندما تتحرر من وهم الاشتباك والغزاة.
والراحل الكبير، الذي خسره الأردنيون للتو علي أبو الراغب، وبصفته نقيبا سابقا للمقاولين، كان يصر على أن كل من لديه أدنى خبرة عالميا في الإنشاء والتعمير يعرف مسبقا أن «العمال المهرة» من أبناء غزة هم الأكثر نشاطا وكفاءة ومهنية وإبداعا.
للتذكير فقط، بما أشارت له قناة «الجزيرة» يوما: أهل غزة في عز أوقات القصف الجماعي والحصار استخدموا زيت القلي للتنقل بسياراتهم.
والمقاومة اعتمدت في العام الثاني للمعركة على مخلفات قنابل العدو لإعادة التصنيع والتذخير، والكهرباء أنيرت في عدة خيم وشحنت بطاريات الخلوي من مخلفات زيوت دبابة ميركافا معطوبة.
هم قوم في اختصار «يبدعون في كل شيء».
ومن أبدع في الحرب والصمود والبقاء قد يبدع أيضا في إنتاج سلام حقيقي قطعي وحاسم قائم على فكرة الشهيد يحيى السنوار «سنحول الكيان إلى عبء على المجتمع الدولي».
هذا حكما ما تخشاه بقايا النظام العربي الرسمي، أليس كذلك؟
مصر عندما «لا تسمح»!
ولأن القناعة راسخة أن العالم يشهد تبدلات وتغيرات ما بعد عملية «7 أكتوبر» المجيدة بتنا نرصد كمشاهدين منسوب التحول في لغة وخطاب قناة «العربية»، التي سلطت الأضواء في تزامن ثلاثي الأسبوع الماضي عبر حيز بث واحد على ما هو أعمق وأبعد في «أزمة اليمن»، الذي يتجاوز الآن مرحلة «التقسيم والانقسام»، وتتراجع بسبب ذلك خطة بنيامين نتنياهو وزمرته اليمينية الصهيونية من الإسرائيليين، ومعهم بعض العرب.
وفي الأثناء الشاشة نفسها تعيد تكرار بث تصريحات لوزير الخارجية المصري، وهو يعزف فجأة على نغمة وأسطوانة «الأمن القومي السوداني، هو ذاته الأمن القومي المصري».
كمشاهد عربي، بصراحة أطربني للمرة الأولى وزير خارجية الشقيقة مصر، وهو يلوح بيديه أمام المراسلين بلهجة «مصر لن تسمح».
نعم نقولها من الآخر وفي اختصار نحن في حالة شوق وحنين استثنائي لتلك «المصر التي لا ولن تسمح» وللصوت الجماهيري الهادر لمصر الكبيرة، التي «تقول وتفعل»، وستدافع عن العروبة وما تبقى من أمن قومي على أساس التوثق الأيديولوجي بأن إسرائيل فقط وحصرا هي «العدو».
يليق بمصر، التي نعشقها، أن تعود لممارسة دورها الأساسي في المنطقة والأمن القومي.. يليق بها أن نسمعها تقول إنها «لن تسمح أحيانا»، لعلنا نتخلص ولو قليلا من الأداء البهلواني في بعض العواصم المصنفة لغويا فقط بأنها «عربية».
بقلم بسام البدارين .
لا تتبنى الاشراق بالضرورة الاراء والتوصيفات المذكورة.