آلة الهيمنة و"الدجاج المُسحَّب"

الاشراق | متابعة.

في عالم تحوّل إلى مسلخ كبير بآليات معقّدة، نجد أنفسنا - كما في التعبير الشعبي اللبناني الدقيق - "دجاجاً مسحّباً" قد نُزعت عظامنا الفكرية تدريجياً، وفُصمت أوصال قناعاتنا بهدوء، حتى لم نعد نملك سوى لحم رخو يستسلم لأسنان الآلة الرأسمالية التي تطحن كلّ مبدأ، وتفرم كلّ موقف، لتقدّمه وجبة سريعة للتناول من دون تفكير.

هذه الآلة المهيمنة لا تكتفي باستلابنا مادياً، بل تمتد يدها الخفية إلى أعماقنا الإنسانية، فتسحب منا القدرة على اتخاذ موقف، وتسرق منا الجرأة على البوح بفكرة، وتجعل من الحياد السلبي شارة المرور الوحيدة إلى فضاءاتها الواسعة. إنها تريدنا كائنات بلا لون ولا طعم ولا رائحة، نسخاً مكرّرة من قوالب جاهزة، نبتسم عندما يُطلب منا الابتسام، ونصمت عندما يُطلب منا الصمت.

في زمننا المقلوب، صار الموقف المبدئي جريمة يعاقب عليها بالحصار والتعتيم، ولكن بلغة ناعمة: "عدم الجدوى العملية"، "الرومانسية الطوباوية"، "الخروج عن السياق"، "دقّة قديمة"، "لغة خشبية"، وسواها من تعابير التخلّي عن معنى وجودنا الإنساني كبشر متساوين في الحقوق والواجبات.

هل تتضامن مع قضية إنسانية عادلة؟ ستجد أبواب الفرص موصدة في وجهك بلافتات "الموضوعية" و"الحياد". هل تجهر برأي نقدي تجاه نظام ظالم؟ ستُحاصر في زنزانة العزلة الاجتماعية والمهنية التي تسمّى "اللامعقولية". لقد أصبحت القيم النبيلة مثل العدالة والحرية والكرامة الإنسانية مجرّد ديكورات خطابية تُستدعى في المناسبات وتُهمّش في الممارسات.

حتى القضايا التي يفترض أن تكون محايدة كالقضية البيئية، لم تسلم من هذا القانون الجائر. يكره دونالد ترامب غريتا تونبرغ لأنها تجرّأت على اتخاذ موقف، لأنها رفضت أن تكون "دجاجاً مسحّباً" في مأدبة السياسات البيئية المدمّرة. ولكن انظروا: حتى غريتا نفسها لم تسلم من آلة الاستهلاك الرمزي، فصورتها تُحوّل إلى أيقونة قابلة للتداول في سوق السخط المعولم، تماماً مع صورة الثائر الأممي تشي غيفارا التي تمّ تحويلها إلى سلعة قابلة للبيع والشراء.

في بلاط السلطان الرأسمالي المعاصر، لم يعد الملك وحده من يتحكّم بأبواب الامتياز، بل صارت الآلة بأكملها تتحكّم بتشغيل هذه الأبواب الكهربائية التي لا تفتح إلا لنماذج معيّنة؛ التافهين الذين يلهون الجماهير عن جوهر الأزمات بشاشات برّاقة وأضواء خادعة، والعنصريين الذين يشعلون نيران الكراهية ليظل النظام قائماً على تقسيم المستغلين، ودعاة الشوفينية والانغلاق الذين يحوّلون الجماهير إلى قطعان تخاف "الآخر" بدلاً من أن تخاف الاستغلال.

وهنا تكمن البراعة الشيطانية لهذه الآلة: فهي لا تمنع الصوت كلياً، بل تسمح فقط بالأصوات التي تخدم منطقها، سواء عبر التسطيح الفكري أو التقسيم الهوياتي أو الاستقطاب العبثي. إنها تخلق وهم حرية التعبير بينما تتحكّم في جدول الأعمال ومفاتيح النقاش.

عندما نشارك في "سحب" عظامنا
يقول الفيلسوف، هربرت ماركوز، في كتابه "الإنسان ذو البعد الواحد": "إنّ المجتمع الصناعي المتقدّم يخلق حاجات كاذبة تدمج الأفراد في نظام الإنتاج والاستهلاك عبر وسائل الإعلام والإعلان والترفيه". وهذا بالضبط ما نعيشه: آلة هيمنة تخلق لنا حاجات وهمية، وتقدّم لنا أبطالاً مزيّفين، وتصوّر لنا أنّ السعادة في الاستهلاك لا في الوعي، وفي التكيّف لا في التحدّي.

ولكنّ الخطر الأعظم هو ما أسمّيه "الاستلاب المزدوج": نحن لا نُستلب فحسب، بل نُشرعن استلابنا وندافع عنه. نصدّق أننا أحرار ونحن نختار من قائمة مغلقة، ثوريون ونحن نستهلك رموز الثورة، واعون ونحن ننتقد بأدوات خلقها النظام نفسه. "الدجاج المُسحّب" الذي يشارك في سحب عظامه هو النموذج الأكثر "كمالاً" لهذه الهيمنة.

لكنّ التاريخ يخبرنا أنّ آلات الهيمنة، مهما بدت جبّارة، تبقى هشّة أمام إرادة الإنسان الواعي. وقد قال أنطونيو غرامشي: "التشاؤم من عمل الذكاء، والتفاؤل من عمل الإرادة". فالتشاؤم الذكي الذي يدرك قوة الآلة المهيمنة يجب أن يقابله تفاؤل الإرادة التي ترفض الاستسلام.

ونحن هنا لسنا أمام هيمنة تقليدية قائمة على القمع المكشوف فحسب، بل أمام نظام معقّد استوعب دروس نظرية الهيمنة ذاتها وحوّرها. لقد أتقن النظام الرأسمالي المعاصر ما يمكن تسميته "هيمنة على طراز غرامشي المعكوس"، حيث حوّل الآليات التي حلّلها غرامشي بهدف مناهضة الهيمنة، إلى أدوات لتعميقها. فهو لم يعد يكتفي بالسيطرة عبر الإكراه، بل يهيمن عبر "موافقة مُصنَّعة" ببراعة، حيث تُستبدل القناعات العميقة بثقافة الاستهلاك السطحية، ويُستعاض عن الوعي النقدي بالتبعيّة الطوعيّة.

مقاومتها تتطلّب أكثر من مجرّد رفض، بل تتطلّب وعياً مركّباً: أن نعرف أننا جزء من النظام حتى ونحن ننتقده، وأن نبدأ المقاومة من هذه النقطة بالذات، من إدراك تناقضنا.

أن نقول: لا 
نحن لسنا "دجاجاً مسحّباً" بالضرورة. في أعماق كلّ منا عظام فكرية يمكن أن تعود إلى مكانها، وإرادة إنسانية يمكن أن تستقيم. الموقف المبدئي ليس ترفاً، بل ضرورة وجودية. الكرامة لا تكون كاملة إلا حين نقف، حتى ولو كلّفنا الوقوف ثمناً باهظاً.

إنّ التحدّي الحقيقي في عصرنا هو أن نرفض أن نكون "دجاجاً مسحّباً"، أن نحافظ على عظامنا الفكرية قوية، وعلى مواقفنا الإنسانية صلبة. ولكن الأصعب هو أن ندرك أننا قد نكون مسحوبين حتى في لحظة مقاومتنا، وهذا الإدراك نفسه هو بداية استعادة العظام.

لنُعِدْ إلى حياتنا اللون والطعم والرائحة؛ لون المبدأ، وطعم الحرية، ورائحة الكرامة. ولنتذكّر دوماً مقولة إدوارد سعيد: "المثقّف الحقيقي هو الذي يقول الحقيقة للسلطة"، حتى لو كانت هذه السلطة هي آلة الهيمنة الرأسمالية الأكثر دهاءً وانتشاراً في تاريخ البشرية.

فالإنسانية التي تدرك آليات سحقها أو سحبها وهي تُسحق وتُسحب، هي إنسانية تبدأ بالشهادة على عصرها. وهي إنسانية تدرك أنّ التحوّل إلى مهرّج في بلاط السلطان، مهما جلب من منافع آنية، فهو خسارة للأصل الإنساني الذي يميّزنا: القدرة على أن نقول "لا" ونحن نعلم أننا قد نكون جزءاً مما نقول له "لا".


زاهي وهبي - شاعر لبناني وإعلامي.