"كما لو أنها نينوى" .. سردية الألم وذاكرة المدن المنسية!

الاشراق | متابعة.

 لا تعدّ رواية "كما لو أنها نينوى" للكاتب العراقي د. ميثم هاشم طاهر مجرّد عملٍ إبداعيّ فحسب، بل هي مشروعٌ لاستعادة الذاكرة في عالم يبدو كلّ شيء فيه قابلاً للضياع. وفيها يقدّم الكاتب وثيقة سردية تحاول إنقاذ تاريخ مدينة "نينوى/الموصل" وحفظ هويتها من النسيان. 

الرواية التي صدرت حديثاً عن مؤسسة الخلق العظيم للدراسات عام 2025، تطرح أسئلة وجودية وتاريخية حول الهوية والتدمير الذاتي. وتستحضر ذاكرةَ واحدةٍ من أهمّ مدن الحضارة العراقية "نينوى" العاصمة الآشورية المعروفة. وللوهلة الأولى يبدو العنوان اختياراً مُتعمّداً من قبل الكاتب، ويحمل دلالاتٍ مفتوحة على عدة احتمالات. إذ يشير تاريخ المدينة إلى العاصمة الآشورية التي دُمّرت عام 612 ق.م، بيد أنّ الأحداث تعيد إنتاج حضورها في أذهان العراقيين بوصفها رمزاً لدولة عظيمة انهارت بفعل عوامل داخلية وخارجية. 

هذه الإحالة التاريخية التي يستخدمها طاهر ليست مجرّد استعارة، إنما هي أداةٌ تحليلية لفهم حادثة التدمير الذاتي والمحنة التاريخية التي عاشتها المدينة بعد غزوها من قبل التنظيمات الإرهابية. وإضافة إلى رمزية المكان الحضارية، يشير الكاتب إلى حالة التناقض القائمة بين العمق الحضاري للمكان ورمزيّته التنويرية، وطغيان الوحشية والبربرية التي جيء بها إلى المكان بقصديةٍ تُفسّرها السياسةُ التي تعمل على قتل تاريخ الشعوب ونهب ذاكرتها. 

ماذا لو استيقظت أشباح نينوى الآشورية لترى دبابات تنظيم إرهابي تجوب شوارع الموصل عام 2016؟ أعتقد أنّ هذه الصدمة الحضارية تمثّل الأساس الذي تقوم عليه الرواية وعوالمها. فاختيارها بمثابة استعارة لحالة العراق بأكمله، واستكشاف لثنائية البناء/الانهيار في التاريخ العراقي. وإلى جانب ذلك، تتفكّك الهويات التي مزّقها الحدث، وتتجلّى الكيفيّة التي تَشَكّل عليها الوعي الفردي الجمعي. بذلك فإنّ استدعاء ذاكرة المدينة يكرّس للرواية رهانها بوصفها محاولة لفهم حاضر مليء بالتشظّي، وعودة ملأى بالدلالات. 

يبدو هذا في استحضار الرواية مجموعةً من الشبان العراقيين الذين تطوّعوا للدفاع عن المدينة. وهم مجموعة مثقّفة في الوقت ذاته، ويقدّمون تجسيداً درامياً مكثّفاً للتساؤل الذي يطرحه العنوان "كما لو أنها نينوى" وذلك لكونها؛ أي المدينة، تحضر باعتبارها مجازاً حيّاً عن الموصل الحالية، وهي المكان الذي تحوّل بفعل الغزو الوحشي إلى نسخة معاصرة من خرائب مدن التاريخ. 

يبدو غرض الكاتب من استدعاء مجموعة الشبان إلى نصّه استدعاءً للعراق كلّه، وبكلّ أطيافه وتصاويره. فالشاب محسن هو (قائد المجموعة) ومخرجٌ لأفلام وثائقية وأيضاً صاحب مشروع تنويري يجسّد التمازج بين الفعل الثقافي والفعل المقاوم. ومشروع محسن قائم على صناعة فيلم وثائقي عن واقعة كربلاء التاريخية ليس لغاية العرض الفني فحسب، إنما لاستحضار فعل المقاومة والتضحية في مواجهة العنف. 

يتجلّى ذلك بوضوح في استجابة المجموعة لمهمّة إنقاذ العقيد العراقي والفتى التركماني العالقَين في منزل يحاصره التكفيريّون. وهم كمجموعة شبان قادمين من مدن مختلفة، يواجهون تيار التكفير بتصوير الدفاع عن الموصل دفاعاً عن العراق، ودفاعاً عن قيمة الإنسان والحياة وسط فوضى العنف الذي يسعى إلى تجريد المرء من إنسانيته. 

تكتسب الرواية كثافتها من خلال الربط الذكي بين الطبقات الزمنية والمكانية، وبالحيلة التي تربط الماضي بزمن الرواية (2016) وهو العام الذي احتل فيه الإرهاب مدينة الموصل؛ الأمر الذي جعل من الحدث لحظة تاريخية فارقة. وإلى جانب حضور المكان "تل آشور" حيث الفضاء المتراكم بالتاريخ، وحيث كلّ قدم تخطوها الشخصيات على أرض الموصل تظهر طبقاتٌ من الحضارات الآشورية العريقة. 

هذا التباين الصارخ بين عظمة هذا التراث وبين تخلّف المحتلّين ودمويتهم، يخلق الإحساس بالمأساة والشعور بضياع الهوية والذاكرة. ذلك أنّ الكاتب يعمد إلى مواءمة نينوى المعاصرة وما جرى فيها من أحداث مع استشهاد الشاب "باقر" كاتب السيناريست، وواحد من المجموعة المتطوّعة للقتال باعتباره نموذجاً فريداً للبطل المخلّص. 

وحيث تلتقي في نهاية الرواية الخيوط، تتحوّل الذاكرة إلى مسرح يلتقي فيه الحدثان "تاريخ الموصل/ وتاريخ نينوى المعاصرة المدمّرة إلى جانب واقعة كربلاء. حيث يصعد دور باقر من مجرّد مشارك في توثيق الفيلم إلى حامل لرسالة روائية وفلسفية. وبعد نجاح المجموعة في إنقاذ العقيد والفتى التركماني، يُجسّد استشهاده رمزاً لرفضٍ ثقافي للعنف، إذ يواجه باقر اللحظة الأكثر حسماً، وهو يرى المعركة ضدّ الظلاميّين ليس بعين العسكري، إنما بعين الكاتب والمثقّف الذي يرى أنّ المعركة امتداد لصراعٍ قيمي وتاريخي. 

وهو يلفظ آخر أنفاسه، يُسقط ما يراه من فظائع على ما قرأه في فيلمه، ما يخلق تشابهاً رمزياً: فكما أنّ واقعة كربلاء لم تنتهِ بحدث الطف، بل استمرت بوصفها ذاكرة حيّة وملهمة في وجدان الأتباع، تتحوّل مأساة الموصل ودفاع أبنائها أيضاً إلى سردية ترسخ في وعي الأجيال. 

هكذا يحمل استشهاد باقر دلالات على حركة التاريخ الدائرية، ذلك أنّ نينوى لم تُهدم بشكل تامّ، إنما تباسل المدافعون عنها لاستعادة القيم التي حطّمها المحتلّون. وليتحوّل باقر من كاتب سيناريو إلى شخصية داخل سيناريو التاريخ الكبير؛ حيث يلتقي مع كلّ من ضحّى دفاعاً عن الحقيقة في أيّ زمان. 

لتنتهي الرواية بتأكيد أنّ الفعل المقاوم الوحيد هو مقاومة النسيان والتجهيل. والنصر الذي تقدّمه ليس نصراً عسكرياً بالضرورة، بل هو انتصار للوعي، لأنّ الفيلم الذي تعتمد المجموعة إصداره يكون بمثابة وثيقة خلاص حقيقية، والشهداء أمثال كاتبه هم الجسر الذي يصل ماضي الألم بحاضر الكفاح.

وكأنّ الرواية تريد أن تقول بحضارة نينوى التي لا تُهزَم بانكسار حجارتها، إنما تصمد بالروح والقيم التي صنعتها. ولتقول: بأنّ أعظم الحروب هي حرب الذاكرة ضدّ المحو، وحرب القيم على الإرهاب الفكري، وأنّ المكان الذي شهد لحظة النور في حقبة تاريخية ليس مجرّد أطلال، بل هو استعارة أبدية عن الحياة التي لا بدّ أن تستمرّ، وهي صورة العالم الذي يصنعه الأدب عن الواقع، وينجح بصيغته الفنية في تحويل آلام المدن إلى فنّ خالد، وكأنه يريد أن يخبرنا أنّ جروح التاريخ مهما كُتب عنها، تظلّ أكبر من أن يحتويها نصّ أو كتاب. 

"ليس في ذلك العصر، إلّا الطيور الصوائت المتوارية أعشاشها في أغصان التين واللوز، وقد ذبلت بفعل الحرب. والزواحف الصوامت بين الدغل الكثيف، وقد غاصت جزمهم حدّ الركب فيه. وعصا الميساني الكاشفة عن الفخاخ ما تزال تحوّل فصيل (ميثم التمار) إلى عُمي يتلمّسون خطاهم إثر خطاه، في ذلك العصر الذي لن يُنسى...". 

بقلم غنوة فضة - كاتبة وروائية من سوريا