"الغارديان" داخل جدران العنف في سجون المملكة المتحدة!

الاشراق | متابعة.

صحيفة "الغارديان" البريطانية تنشر تقريراً يتناول الحياة اليومية في السجون شديدة الحراسة في إنكلترا وويلز، مع التركيز على العنف، الصدمات النفسية، والخلل البنيوي في نظام السجون. 

التقرير يُظهر التحديات اليومية في السجون البريطانية ويكشف الفجوة بين السياسات الرسمية والواقع على الأرض، مركّزاً على العنف، الصدمات النفسية، نقص الموارد، وأهمية الإصلاح البنيوي.

أدناه نص التقرير منقولاً إلى العربية:

توجد بؤر ساخنة للعنف في السجن، مثل ساحة التمارين والحمامات. كما توجد أوقات ذروة، حيث تكون أوقات الوجبات وفترات التجمّع متوترة بشكل خاص. لكن أول الصباح ليس الوقت الذي تتوقّع فيه سماع جرس الإنذار. بالتأكيد لم أسمعه، في الساعة الـ6 صباحاً في مكتبي بالجناح السكني لسجن شديد الحراسة في أواخر عام 2018. كان جميع السجناء محتجزين في ذلك الوقت. لكن الاكتظاظ مشكلة مزمنة في سجون المملكة المتحدة، وإبقاء 3 رجال في زنزانة مصمّمة لشخص واحد قد يؤدي إلى كارثة. 

عندما وصلتُ إلى السجن، وجدتُ أحد زملائي واقفاً خارج زنزانة ومفتاحه في القفل، مُستعداً لفتح الباب. كانت لوحة التحكّم إلى جانب الباب تُضيء بضوء برتقالي وامض. ويُمكن للسجناء في الداخل تفعيل جرس الزنزانة لطلب مساعدة الضباط. وعادةً ما يكون ذلك طلباً لورق التواليت أو مسكّن ألم. لكن ذلك اليوم كان مختلفاً. داخل الزنزانة، كان هناك رجل يجلس مرتجفاً على السرير العلوي. ووقف آخر وظهره للنافذة، ذراعاه مطويتان، وقميصه ملطخ بالدماء. أما السجين الثالث فكان ملقى على الأرض وشبه واعٍ. وانقطع سكون الزنزانة المريب فجأةً بضجيج وحالة من الاستعجال. اتصل الضابط الذي إلى جانبي بالإسعاف عبر اللاسلكي. وتمّ نشر فريق البحث المتخصص لتصوير الزنزانة والحفاظ على الأدلة المتوافرة. وتمّ تكليف موظفي وحدة العزل بمهمةٍ لا تُحسد عليها، وهي نقل الجاني إلى زنزانةٍ جافة (خالية من المرحاض والمغسلة والأثاث) حيث لا يستطيع إزالة آثار الدم الجاف - الدليل - عن جلده أو قميصه. وفي وقت لاحق، في الزنزانة الجافة، قام بتحطيم مصباح الإضاءة، واستخدم شظايا البلاستيك للاعتداء على الضابط التالي الذي فتح الباب.

وقد نُقل السجين الذي وجدناه فاقداً للوعي على الأرض، وهو رجل في الستينيات من عمره يقضي عقوبة قصيرة بتهمة السرقة، إلى المستشفى. وأمضى عدة أيام في غيبوبة مُستحثة طبياً. كان السائل الذي لاحظتُه يتدفق من أنفه سائلاً دماغياً. وقد شبّه أحد الأطباء الذين عالجوه إصاباته بتلك التي يتوقّع رؤيتها بعد حادث سير نتيجة السرعة. ولحسن الحظ، نجا. وتمّ تقييم المعتدي لاحقاً على أنه شديد الخطورة، ولن يتشارك زنزانة مع أحد مرة أخرى. كان يقضي بالفعل عقوبة السجن المؤبّد، لذا ارتأى المسؤولون أنّ توجيه تهم إضافية إليه لا يصبّ في المصلحة العامة. ومع ذلك، كان لأثر أفعاله عواقب وخيمة. بالنسبة للضحية، لقد حالفها الحظ بالنجاة. بالنسبة للرجل الذي كان في السرير العلوي، فقد تحلى بالشجاعة وسط هذا العنف المروّع ليمد يده ويضغط على جرس الزنزانة. أما بالنسبة للموظفين الذين استجابوا، فيصعب عليهم نسيان مثل هذه الحوادث. كنا ندرك جميعاً أنه لو لم يتمّ الضغط على جرس الزنزانة، ولو لم يكن عددنا كافياً للحضور مبكراً إلى العمل ذلك الصباح، لكانت النتيجة مختلفة تماماً. 

بعد مرور عام تقريباً، تذكّرت ذلك الصباح وأنا جالس لحضور دورة تدريبية في قاعة بمدينة مانشستر. على خشبة المسرح، كانت امرأة نحيلة في السبعينيات من عمرها تُلقي محاضرة عن الصدمات النفسية والرجال في السجون. وتحدثت عن كيف أن حياتهم غالباً ما تُحددها الصدمات النفسية قبل دخولهم السجن بفترة طويلة، وكيف تستمر هذه الصدمات في التراكم خلال فترة سجنهم، وكيف ندفع جميعاً الثمن بعد ذلك. وكجزء من يوم التدريب، كان من المفترض أن نناقش مدى شيوع رؤية علامات الصدمة النفسية - نتائج الإساءة والإهمال في الطفولة - في أروقة السجن بصفتنا ضباط سجن. وكيف تجلّت الإساءة في أجنحة السجن؟ وهل كان السجناء قادرين على إدارة نظافتهم الشخصية؟ وهل كانوا يتفاعلون بطريقة صحية مع الآخرين؟ وتحدّثنا عن الأمر قليلاً. تذكّرتُ رجلاً في أحد السجون التي عملتُ فيها: نشأ في دار للأيتام، وكان صوت الأحذية خارج زنزانته يُثير فيه الفزع. عندما كان في الـ12 من عمره، تعرّف إلى صوت حذاء معيّن، بكعبيه المتسخين، وكيف كان يُجرّ على أرضية اللينوليوم ليلاً. ثم يتوقّف أمام باب غرفته.

لكن ثمّة شيء في هذه المؤتمرات يُشعر المرء بنوع من الاستعلاء، وكأن موظفي السجون في الخطوط الأمامية عاجزون عن إدراك أثر إساءة معاملة الأطفال على الإنسان من دون شرح من طبيب نفسي. بل إنها تبدو بلا جدوى. متى يُفترض بنا أن نرى دلائل على ذلك؟ يُحتجز السجناء لمدة تصل إلى 22 ساعة يومياً في بعض الأماكن. وإذا رأيناها، فماذا بعد؟ 

كنت أجلس إلى طاولة مع أشخاص يرتدون الزي نفسه الذي أرتديه. وهو عبارة عن سترة خفيفة، وسحّاب رخيص يتعطّل باستمرار، وشعار الملكة. حذاء أسود ثقيل وقميص أبيض مكوي وتعابير مريبة. 

بطاقات الأسماء تميّزنا عن بعضنا البعض: كلوي، سجن "بيروين"؛ وريس، سجن "فيلثام"؛ ونيل، سجن "فول ساتون"، وأنا: أليكس، سجن "بيلمارش". 

كنتُ قد عملتُ في مصلحة السجون لفترةٍ من الزمن آنذاك، ما يكفي لأعرف شيئاً عن معظم السجون الأخرى في إنكلترا وويلز.

سجن "بيروين": ضباط جدد يفتقرون إلى الخبرة ومشكلات فساد بين الموظفين. سجن حديث نسبياً، يعمل فيه ضباط عديمو الخبرة، ويُدار بنظام محدود، مع قضاء وقت قصير خارج الزنازين. أخبرتني ضابطة كبيرة من هناك ذات مرة أنها اضطرت لشرح سبب عدم جواز نتف حواجب سجين لضابط جديد.

سجن "فيلثام": أشبه بمنطقة حرب مصغرة. شبان من مناطق مختلفة، وعصابات مختلفة، وشبكة معقدة من المنافسات والتحالفات التي لم تزد إلا حدةً خلف القضبان. التعليم إلزامي في مؤسسات الأحداث الجانحين - أو هكذا يُفترض - لكن الوقت المستغرق لإدخال السجناء إلى فصولهم الدراسية غالباً ما يتجاوز الوقت المخصص للتعلم. يُعدّ تطبيق نظام متقطع كهذا، أي نقل مجموعاتٍ صغيرةٍ متعددةٍ من الأشخاص إلى التعليم أو الأنشطة في أوقات مختلفةٍ لتجنب اختلاطهم، أمراً شائعاً في السجون التي تشهد معدلات عنفٍ مرتفعة. لكن هذا يعني أيضاً وقوع أخطاء لا محالة. فمن شبه المستحيل مواكبة الخصومات والتحالفات المتغيرة باستمرار بين الجماعات، وتذكّر من هو صديق من، ومن له صلاتٌ بأي منطقة.

سجن "فول ساتون": في عام 2013، احتُجز ضابط رهينة هناك. حينها، كنتُ ضابطاً مبتدئاً لا أزال تحت التدريب. وحتى الآن، ما زلت أذكر كيف أثّر ذلك الحادث علينا جميعاً في السجون شديدة الحراسة. وإدراكنا أنه إذا كان من الممكن أن يحدث هناك، فإنه قد يحدث في أي مكان. وذلك الشعور الذي خيّم على الأجواء خلال الأيام التالية بينما كنا نفتح الزنازين. أمسكتُ مفاتيحي بطريقة مختلفة، وتحققتُ من زواياي بشكل مختلف.

في ذلك اليوم من عام 2019، خلال جلسة تدريبية في مانشستر، عادت قضية "فول ساتون" إلى الواجهة. فقد قُتل هناك قبل أسابيع قليلة مدان بالتحرش بالأطفال، كان يقضي 22 حكماً بالسجن المؤبد. سألت نيل: "هل كنتَ في نوبتك؟" حرّك قهوته الخفيفة وقال: "لقد كنتُ في المكان".

لقد شهد جميع ضباط السجن أعمال عنف، فهذا جزء من عملهم. لكنني صُدمتُ من مستوى الانحطاط الذي تعامل معه نيل في تلك الزنزانة. وما زاد الأمر فظاعةً وقوع ذلك في مكانٍ مثل سجن "فول ساتون" شديد الحراسة، من الفئة (أ). ويستفيد من نسب أعلى من الموظفين مقارنة بعدد السجناء، وإجراءات أمنية أكثر صرامة، وموارد إضافية. تميل سجون الفئة (أ) إلى أن تكون أصغر حجماً. وهي أكثر ملاءمة لبيئة مجتمعية، حيث ينادي السجناء والضباط بعضهم بعضاً بأسمائهم الأولى. وتتميز بحضور كامل في ورش العمل والفصول الدراسية. كما يوجد فيها مديرو السجون بشكل ملحوظ، ويُشاهدون بانتظام وهم يزورون الأجنحة السكنية ووحدة العزل وقسم الرعاية الصحية. وهي تتمتع بتمويل وموارد أفضل. أو على الأقل، هكذا كانت الأمور في الماضي القريب.

لقد كانت جرائم القتل بين السجناء نادرةً عندما انضممتُ إلى مصلحة السجون عام 2012. ووقعت بعض الحوادث التي كادت أن تتحول إلى جرائم قتل، لكن شجاعة الضباط وسرعة بديهتهم حالت دون وقوع وفيات. في ذلك الوقت، كان الاعتداء على أي ضابط يُعدّ خبراً لافتاً. لكن الزمن قد تغيّر. واليوم، نسمع باستمرار قصصاً عن العنف والفساد والاكتظاظ والانتحار في السجون. وبين نيسان/أبريل 2013 وآذار/مارس 2016، وقعت 13 جريمة قتل في سجون إنكلترا وويلز. كنتُ أتمنى ألا أعمل في سجنٍ تقع فيه إحداها، لكنّني لم أكن محظوظاً.

انتقلتُ من أحد السجون قبل أسابيع قليلة من مقتل شاب طعناً في الجناح السكني الذي كنتُ أعمل فيه. استمعتُ إلى أحد زملائي السابقين وهو يصف مشاهدته للمسعفين وهم يُجرون جراحة قلب مفتوح في الطابق العلوي؛ ذهوله وعدم تصديقه أن ما كنا نقوله جميعاً "مسألة وقت فقط" قد حدث بالفعل. الذعر والتوتر، ثم سكون مفاجئ مُربك: شاب يُطعن حتى الموت في زنزانة قذرة. 

اعتبرت نفسي محظوظاً لمغادرتي ذلك السجن قبل وقوع الجريمة. ولكن بعد ذلك، كنتُ في نوبة عملي عندما وقعت جريمة قتل في السجن التالي الذي عملت فيه. كنتُ في نوبة عملي، ولكن ليس في مسرح الجريمة. الاستجابة لحادث ما لا تعني أن تكون أول من يصل إليه. ولا تعني أن تكون من يعثر على الضحية، أو أن تتدخل بينما يحدث هذا النوع من العنف أمام عينيك مباشرة. كنتُ ممتناً لأنني لم أكن ذلك الضابط. ولكن حتى بعد أن تولى المسعفون الأمر وانصرفتُ، كنتُ أعلم أنني سأواجه صعوبة في نسيان ما رأيته.

في السنوات الأخيرة من عقدي كضابط سجون، بدأت أفهم بشكل أفضل كيف تؤثر هذه الوظيفة عليّ. في برد شباط/ فبراير القارس بعد وقت قصير من وقوع جريمة القتل، كنت داخل مكتبي عندما بدأ الضوء الأحمر فوق الباب يومض. تبعه صوت جرس الإنذار المتكرر بعد ثوانٍ، ثم صرخة مذعورة تنادي على الموظفين. استغرقت ثواني للوصول إلى الزنزانة، وثواني أخرى لإلقاء نظرة خاطفة إلى الداخل. في الزنزانة، كان هناك جثة رجلٍ مُلقىً على المرحاض وقد فات الأوان على إنقاذه. لم تكن جريمة قتل ولا انتحاراً، بل جرعة زائدة من المخدرات. كان رجلاً هادئاً، يتعرض أحياناً لمضايقات السجناء الأصغر سناً. ولم يُسبّب أي مشكلات للموظفين.

وبعد ساعات، كنتُ أشدّ سترتي الخفيفة حول جسدي وأنا أقف على عتبة باب في كرويدون، والقس إلى جانبي. كان المطر يتساقط كرذاذ خفيف تحت أضواء الشوارع. ولا تزال أضواء عيد الميلاد تتلألأ في إحدى النوافذ. فتحت المرأة المُسجلة كأقرب أقرباء السجين الباب. وعندما أخبرناها بوفاته، لم يكن رد فعلها كما توقعت. لم تكن دموعها دموع حزن، بل مزيجاً من الارتياح والشعور بالمرارة. وقالت إنها أمضت سنوات طويلة من حياتها في خوف. إذ كان الرجل الهادئ الذي لم يسبب أي مشكلات، مسيئاً وعنيفاً. فقد حطم نوافذها وطاردها بمضرب بيسبول. ولم تشعر بأي قدر من الحرية إلا عندما سُجن، ومع ذلك عاشت في خوف دائم من عودته. نسيتُ وجهه بعد بضعة أشهر، لكنني لم أنسَ وجهها على الإطلاق.

ولم أنسَ أبداً ذلك المريض الذي أمسكتُ بيده على طاولة العمليات. كان يشعر بألم متقطع في الصدر، فظننتُها نوبة هلع، ليتبين لاحقاً أنه مرض قلبي خطير. كنتُ في الـ23 من عمري، وكان هو في الـ25. أتذكّر تعابير وجهه حين سألني إن كان سيكون بخير. أتذكّر صوتي حين قلتُ: "نعم، بالطبع". لأنني كنتُ أظن أنه سيكون بخير. كنتُ أظنه صغيراً جداً على الموت، وأنّ العملية آمنة، وأنّ المستشفى على مستوى عالمي، وكنتُ أعتقد أنني أقول الكلام الصحيح. لكنه لم يستيقظ أبداً.

لقد حقّق كل هذا ما كان متوقعاً. فقد جعلني أكثر تشاؤماً وأكثر قلقاً بشأن سلامتي الشخصية. لكن تجاربي في السجون كان لها أثر آخر أيضاً. فتعاطفت أكثر قليلاً مع الرجال الذين سجنتهم، وأدركت أن الأمور ليست بهذه البساطة، كما كنت أظن سابقاً. وشعرتُ بتضارب في المشاعر تجاه الرجال الذين قابلتهم والذين ارتكبوا أفعالاً شنيعة، لكنهم لم يكونوا دائماً أشخاصاً سيئين، كما شعرتُ بتضارب مماثل تجاه الآخرين الذين كافحتُ لتجاوز إساءاتهم. كنتُ أعي الألم الذي سبّبوه، ومع ذلك أدركتُ أن أساس حياتهم كان هشاً. ولم يتلقوا المساعدة في الأماكن التي كان ينبغي أن يتلقوها فيها.

لقد رأيتُ نسخةً من ذلك في تجربتي الشخصية. هذا النظام، الذي كنتُ أفتخرُ يوماً بانتمائي إليه، أظهر لي الآن ازدراءً. استأتُ من وجودي في مؤتمر مانشستر ذلك بزيّي الرخيص، وأتعلمُ أموراً بديهيةً واضحة كالشمس، ويُملى عليّ ما يجب فعله من قِبَل أشخاصٍ لن يضطروا أبداً إلى فعله، مع العلم بأن كل هذا لن يُترجم أبداً إلى حياةٍ في السجن كما عرفتُها. لأنه كيف يُمكن ذلك؟ ومتى سيحدث أيٌّ من هذا؟ ومن سيفعله؟

في تلك الليلة في مانشستر، تناولنا العشاء في مطعم راقٍ ليس ببعيد عن مركز المدينة. جلستُ إلى جانب كلوي من سجن "بيروين". كنا قد التقينا قبل بضع سنوات، في دورة للتفاوض في حالة الرهائن. كانت ذكية، ومرحة، بشعر أشقر مصبوغ وحلقة في أنفها. ضحكنا على تلك الدورة والحوادث التي واجهناها: عندما رشّ سجينٌ مطفأة حريق في وجهها، وعندما بصق مراهقٌ مصابٌ بالتهاب الكبد الوبائي "بي" في وجهي. في كلتا الحالتين، كان من الممكن لنظامٍ أفضل أن يُقدّم نوعاً من الدعم للضباط لاحقاً، لكن ذلك لم يحدث قط.

يصعب على ضباط السجون المدربين على تقديم الدعم النفسي للسجناء مساعدة زملائهم في ظل نقص الموظفين. فإذا لم يتوفر عدد كافٍ من الضباط لتخفيف العبء عن هؤلاء الضباط، ولم يتوفر عدد كافٍ منهم لتخفيف العبء عن السجناء الذين يحتاجون إلى هذا الدعم، فماذا سيحدث؟ لا شيء يُذكر، هذا هو الجواب. ويتوفر خط مساعدة الموظفين، حيث لا يملك الشخص على الطرف الآخر أي معرفة بالسجون أو خصوصيات بيئتها. أو فرق العاملين المتخصصين في مجال الرعاية الصحية، الذين يُفترض أنهم يستجيبون للحوادث الحرجة في السجن في غضون ساعتين. يبدو الأمر رائعاً، لكن خلال 10 سنوات من العمل الميداني في السجون، بما في ذلك أعمال الشغب والقتل وحالات الانتحار التي لا تُحصى، لم ألتقِ بهم قط. ولا أعرف أحداً التقاهم. وفي عام 2024، أفادت التقارير بأن الضباط يتعرضون للاعتداء كل ساعة تقريباً. ربما من الأفضل لهذه الفرق التي تبدو رائعة أن تنتقل إلى السجون.

في السنوات القليلة الماضية، وقعت جرائم قتل بين السجناء في زنازين سجون "وورم وود سكرابس" و"بلمارش" و"فوسي واي" و"واي أو آي ستوك هيث"، وجرائم قتل في سرير بطابقين في سجن "بريستول" وفي حمامات سجن "نوتينغهام"، وفي ممر سجن "كولدينغلي" وفي صالة الألعاب الرياضية في سجن "وايتمور" وفي ساحة التمارين الرياضية في سجن "وودهيل"، وفي ممرات سجن "بنتون فيل". 

كنتُ أؤمن بالنظام، لكنني أراه اليوم مشوشاً. إذ لم تعد السجون تقتصر على احتجاز مرتكبي أعمال عنف بشعة، بل باتت تُساهم في استمرارها. وأصبحت الاعتداءات على الموظفين أمراً شائعاً، وتُلقي الطائرات المسيّرة سكاكين قابلة للطي على نوافذ الزنازين، ويتم تزويد الضباط بمسدسات صعق كهربائي لحماية أنفسهم والآخرين. وقد هرب رجلٌ محتجزٌ على ذمة قضايا إرهابية، وأُطلق سراح مُدان بجريمة جنسية "عن طريق الخطأ". 

ومع وقوع 262 حالة إطلاق سراح خاطئة في عام واحد، هل يعتقد أحد حقاً أن كارثة إطلاق سراح المدان بالاعتداء الجنسي هادوش كيباتو في تشرين الأول/أكتوبر الماضي كانت بسبب "خطأ بشري" فحسب؟ أو تلك التي تلتها في سجن "واندزورث"؟ وهل يعتقد أحد أن هذه أخطاء فردية؟ لأنه من الواضح تماماً أنها مشكلات بنيوية تتطلب تغييرات جذرية. ولن يكفي وضع قائمة تدقيق جديدة. إذ وصف وزير العدل، ديفيد لامي، تطبيق الإجراءات الجديدة بأنها "أقوى عمليات تدقيق للإفراج على الإطلاق". أتمنى لو كان هذا كل ما يتطلبه الأمر لإصلاح نظام السجون لدينا. المزيد من عمليات التدقيق. لكن الفجوة بين الأقوال والواقع والإجراءات الحاسمة تتسع باستمرار. 

في عام 2024، أطلقت لجنة العدل والشؤون الداخلية في مجلس اللوردات تحقيقاً حول ثقافة السجون وموظفيها. وخلص التحقيق إلى أن وجود مدير السجن على الأرض أمر بالغ الأهمية للقيادة الفعالة، وأن الموظفين والسجناء يجب أن يلتقوا ويتفاعلوا بشكل منتظم مع الإدارة العليا. وقد وافقت الحكومة على هذا. ومع ذلك، فإننا نمضي قدماً في خطط بناء سجون ضخمة تتسع لأكثر من ألف سجين، حيث سيكون التواصل المباشر مع الإدارة العليا شبه مستحيل.

وفي التقرير نفسه، شددت لجنة العدل والشؤون الداخلية على أهمية الأنشطة الهادفة كالتعليم، واصفةً إياه بأنه "ضروري للتنمية الشخصية للسجناء وللحد من العودة إلى الإجرام بعد الإفراج عنهم". وقد وافقت الحكومة على ذلك. إلا أنه في أيلول/سبتمبر، تم الإعلان عن خطط لخفض الإنفاق على التعليم في سجون إنكلترا وويلز بنسبة تصل إلى 50%.

علاوة على ذلك، ناقش التقرير ضرورة ضمان خضوع موظفي السجون في الخطوط الأمامية لعملية توظيف دقيقة، وتوفير تدريب حضوري عالي الجودة لهم لضمان امتلاكهم المهارات اللازمة لهذا الدور المعقد والصعب. إلا أن عملية التوظيف لا تزال تتم في الغالب عبر الإنترنت، وكذلك معظم التدريب. وتتراوح الرواتب المبدئية بين 33 ألف و44 ألف جنيه إسترليني. ومن الطبيعي أن تكون معدلات الاحتفاظ بالموظفين منخفضة، وأن تكون هناك مزاعم بارزة تتعلق بفساد الموظفين. 

يخبرنا حزب العمال أنه ورث إدارة السجون في أزمة - وهذا صحيح. لكن تخفيضات بنسبة 50% في ميزانية التعليم؟ وتوظيف ضباط السجون عبر تطبيق "زووم"؟ والإصرار على توفير الدعم اللازم لضباط السجون بينما كل من يرتدي ذلك الزي الرخيص سيخبرك بعكس ذلك؟ الأمر برمته يُرهقني ويُغضبني ويُحزنني. أشعر بالراحة والمرارة في آنٍ واحد. الراحة لأني خرجت من هذا الوضع. والمرارة لأني شعرتُ بأنه لم يكن لدي خيار آخر. ولماذا كنت سأبقى أصلاً؟

في أواخر العام الماضي، وقعت جريمتا قتل إضافيتان - كلاهما في سجن "ويكفيلد" - في غضون أقل من شهر، ليصل إجمالي جرائم القتل في العام الماضي إلى 8 جرائم. قد يرى الكثيرون أن وفاة هذين الرجلين تحديداً ليست خسارة كبيرة للمجتمع. فأحدهما قتل ابنة شريكته البالغة من العمر عامين، والآخر سُجن لارتكابه الكثير من الجرائم الجنسية، بما في ذلك محاولة اغتصاب طفلة رضيعة. ومع ذلك، فإن حقيقة وقوع جرائم القتل هذه في السجون - وبشكل منتظم - تُشير إلى وجود خلل كبير.

إنّ جريمة القتل في السجن ليست حدثاً عابراً ينتهي عند هذا الحد، بل لها تداعياتٌ واسعة. ففي أرجاء السجن، يتردد صداها في عيادات الأطباء، وقاعات الدراسة، وملاعب كرة القدم، والصالات الرياضية، والمغاسل، والزنازين. وحتى الموظفون يشعرون بذلك الشعور المميز بأن ما سيحدث هنا يوماً ما قد حدث بالفعل. ويبقى من هم في نوبة عملهم، في موقع الحادث، غارقين في الذكريات. أحذية تركض، وأنفاس متقطعة، ومفاتيح تعبث بالأقفال، وأجهزة إنذار تُدوّي، وأضواء حمراء تومض على الجدران. ومسعفون، وأجهزة صدمات كهربائية، وملاءة بيضاء. تصل سيارة الطب الشرعي، صامتة في ساعات الصباح الباكرة. كم من الأرواح تحطمت!

لكن ثمة طرق للعودة؛ فالعنف ليس حتمياً. عرفتُ رجلين، أحدهما يقضي عقوبةً لمحاولته قتل الآخر، جلسا في المصلى تحت أنظار الموظفين، وتحدثا. كان حديثاً صعباً وغاضباً، ولكنه ضروري، سمح لهما بالتوصل إلى اتفاق. كانوا في أحد أفضل سجون البلاد، مزوداً بصالة رياضية جيدة، ويتمتعون بـ8 ساعات خارج زنزاناتهم يومياً. ولم يرغب أي منهما في قضاء مدة عقوبته في أي مكان آخر، لذا اتفقا على التعايش. وحتى يومنا هذا، ما زالا يعيشان في الجناح نفسه ويلعبان كرة القدم في الفريق نفسه.

قلّما نجد سجوناً جيدة هذه الأيام. 8 ساعات خارج الزنزانة يومياً تبدو ضرباً من الخيال اليوم؛ فالتكلفة باهظة والوقت خارج الزنزانة بالغ الأهمية. إنّ تعلّم كيفية إجراء نقاش وحوار متبادل والتعليم يحدث تغييراً جذرياً. أحاديث الطلاب وحيويتهم في قاعة دراسية مكتظة داخل السجن. شهادات معلقة على الحائط وأزهار مصنوعة من ورق التواليت ومنحوتات دقيقة لأفق المدينة ومناظر طبيعية مصنوعة من أعواد الثقاب. ما زلت أتذكر اللوحات التي كان يرسمها رجل في الطابق الثاني وكأنها نافذة على عالم آخر، وزنزانته مظلمة ومليئة بالدخان.