كيف صدّر "ترامب" أزمات الولايات المتحدة من الداخل إلى العالم؟
الاشراق | متابعة.
مع تولّي دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة للمرة الثانية، عاد ورفع شعار "أميركا أولاً" بوصفه وعداً بإنهاء أزمات الداخل واستعادة القوّة التي يرى أنّها تآكلت خلال السنوات السابقة، متعهّداً بأن تصبح الولايات المتحدة في عهده أكثر صلابةً واستمراريةً.
غير أنّ هذا الشعار، الذي قُدِّم بوصفه وعداً بالاستقرار، تزامن مع مرحلة كانت فيها الولايات المتحدة تواجه أعمق اختبار داخلي منذ سنوات، في ظل أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية متراكمة فرضت نفسها على أجندة الإدارة.
وفي ظلّ هذه الاختناقات، اتّسع هامش التحرّك الأميركي خارج الحدود، عبر سياسات اقتصادية ضاغطة ومواجهات سياسية ودبلوماسية، جرى تقديمها للرأي العام بوصفها خطوات حاسمة لمعالجة الأزمات، فيما ظلّت جذورها الداخلية من دون معالجة بنيوية.
الدين القياسي ورسوم ترامب: تصدير الأزمة الأميركية إلى الخارج
أنهت الولايات المتحدة السنة المالية 2025 على عتبة دينٍ اتحادي تاريخي تجاوز 38 تريليون دولار، مسجّلاً أعلى مستوى له على الإطلاق وفق بيانات الخزانة الأميركية، ما وضع الموازنة الفيدرالية تحت ضغط غير مسبوق، ورفع كلفة خدمة الدين إلى مستويات خانقة. في هذا السياق، بدت سياسات الإدارة أقرب إلى إجراءات ظرفية لاحتواء الأزمة، أكثر منها حلولاً طويلة الأمد.
ضمن هذه المقاربة، اتّجه ترامب إلى توسيع الرسوم الجمركية على نطاق واسع، باعتبارها أداة مباشرة لزيادة الإيرادات، مع بحث فرض تعرفة لا تقل عن 80% على معظم الواردات. وقد ارتفعت الحصيلة بالفعل، إذ جمعت الخزينة نحو 151 مليار دولار في النصف الثاني من السنة المالية 2025، بزيادة تقارب 300% مقارنةً بالفترة نفسها من العام السابق.
إلّا أنّ هذه الزيادة بقيت محدودةً قياساً بحجم الفجوة المالية، إذ لم تتجاوز 3.5% من إجمالي الإيرادات الفيدرالية المتوقعة، في مقابل كلفة داخلية مرتفعة انعكست ارتفاعاً في الأسعار واضطراباً في سلاسل الإمداد. كما حذّرت تقديرات اقتصادية من أنّ توسيع الرسوم أسهم في زيادة كلفة المعيشة على الأسر الأميركية بآلاف الدولارات سنوياً.
بالتوازي، روّجت الإدارة للاستثمارات الداخلية بوصفها الوجه الآخر لهذه السياسات، مع التركيز على إعادة توطين الصناعات وجذب الرساميل وتحفيز الإنتاج المحلي. غير أنّ هذه الوعود اصطدمت بتحديات بنيوية، أبرزها ارتفاع كلفة الاقتراض، وتقلّب الأسواق، وعدم اليقين التجاري الناتج عن المواجهات الجمركية نفسها.
خارجياً، لم تبق الرسوم الجمركية الأميركية مجرّد أداة مالية أو تفاوضية، بل تحوّلت إلى عامل توتير مركزي في العلاقات الاقتصادية الدولية، أعاد منطق "الحروب التجارية" إلى الواجهة. فقد لوّح الاتحاد الأوروبي بإجراءات مضادّة وباللجوء إلى منظمة التجارة العالمية، فيما اتهمت الصين واشنطن بتسييس التجارة وردّت بخيارات انتقامية، كما عبّر حلفاء تقليديون للولايات المتحدة، مثل كندا واليابان وكوريا الجنوبية، عن قلقهم من ارتدادات التصعيد على الاستثمار والاستقرار الاقتصادي العالمي.
في المقابل، سعت الإدارة الأميركية إلى إعادة تأطير هذا المشهد الخارجي في خطابها الداخلي، عبر تقديم الاعتراضات الدولية على الرسوم بوصفها دليلاً على فاعلية السياسة المتّبعة، وأنّ واشنطن باتت "تفرض شروطها" على شركائها. وبهذا المعنى، تحوّلت التوترات التجارية إلى رسالة سياسية موجّهة إلى الداخل، قُدّمت باعتبارها دفاعاً عن السيادة الاقتصادية والوظائف الأميركية، أكثر منها خياراً مالياً محدود الأثر.
ضمن هذا السياق، لم تعد الرسوم الجمركية مجرّد أداة ضغط تفاوضية، بل باتت عنصراً مركزياً في السردية السياسية للإدارة، يُستخدم لحشد القاعدة الشعبية وتعزيز صورة الرئيس في مواجهة الضغوط الخارجية. غير أنّ هذه المقاربة لم تُفضِ إلى نتائج ملموسة في معالجة العجز أو اختلالات الاقتصاد الأميركي، بل ترافقت مع ارتفاع كلفة المعيشة داخلياً، وتفاقم التوتّر مع الحلفاء، ودخول النظام التجاري العالمي مرحلةً جديدةً من عدم اليقين.
ويُضاف إلى ذلك الإغلاق الحكومي الذي شهدته الولايات المتحدة عام 2025، والذي عُدّ الأطول في تاريخ البلاد، بعدما أدّى تعثّر إقرار الموازنة إلى شللٍ واسعٍ في عمل المؤسسات الفيدرالية. وقد عطّل الإغلاق خدماتٍ عامةً أساسيةً، وأوقف رواتب مئات آلاف الموظفين، وترك آثاراً مباشرةً على النمو الاقتصادي وثقة الأسواق، عاكساً عمق الانقسام السياسي الداخلي، في وقتٍ كانت فيه الخزينة الأميركية أصلاً تحت ضغط الدين والعجز.
في المحصّلة، عكست السياسات الاقتصادية للإدارة الأميركية إدارةً للأزمة تقوم على التصعيد والخطاب الرمزي أكثر من معالجة الاختلالات البنيوية، فيما استمرّت الكلفة في التراكم داخلياً، سياسياً واقتصادياً، من دون أفقٍ واضحٍ للاستقرار.
الهجرة والمخدرات: تصدير الأزمات باسم الأمن القومي الأميركي
المنهج الأميركي لم يقتصر على الاقتصاد، بل انسحب بوضوح على المقاربة الاجتماعية، إذ اتّبعت إدارة ترامب مقاربة مشابهة لتلك المعتمدة في الملف الاقتصادي، قائمة على التعامل مع الأزمات الداخلية بوصفها تهديدات آنية تستدعي إجراءات ردعية، أكثر من كونها اختلالات بنيوية تتطلب إصلاحات طويلة الأمد. وقد برز ملف الهجرة في صدارة هذه المقاربة، باعتباره أحد أبرز مصادر الضغط على الدولة والمجتمع، سواء من حيث استنزاف الموارد العامة أو ما تعتبره الإدارة تغييراً في البنية السكانية.
وفي هذا السياق، لم تُطرح الهجرة ضمن إطار سياسات اندماج أو معالجة اجتماعية واقتصادية شاملة، بل جرى التعامل معها كمسألة أمنية، عبر تشديد القيود على الدخول ومنع تدفّق المهاجرين من الأساس، بما نقل المشكلة من حيزها الداخلي إلى إدارة حدودية وخارجية، على نحو يخفف انعكاساتها السياسية في الداخل.
وقد أسهمت حوادث أمنية محدودة في ترسيخ هذا التوجّه، إذ استُثمرت وقائع فردية لتكريس الربط بين الهجرة والأمن، وتوسيع القبول الشعبي بإجراءات أكثر صرامة. هذا الاستخدام السياسي للأحداث الأمنية عزّز سردية ترى في بعض شرائح المهاجرين مصدر تهديد محتمل، من دون التمييز بين الحالات الفردية والظواهر العامة.
وبالتوازي، امتد هذا المنهج إلى أزمات اجتماعية أوسع، من تصاعد الجريمة في المدن الكبرى، إلى انتشار المخدرات، ولا سيما أزمة الفنتانيل، فضلاً عن تفاقم التفاوت الطبقي وتآكل الطبقة الوسطى. غير أنّ مقاربة هذه الملفات اتّجهت نحو تحميل عوامل خارجية مسؤولية ما يجري في الداخل، عبر ربط الجريمة بالهجرة، والمخدرات بالحدود المفتوحة، والضغط الاجتماعي بالمنافسة الخارجية، بدل التركيز على الأسباب البنيوية المرتبطة بالفقر، والرعاية الصحية، والسياسات الاجتماعية.
ضمن هذا الإطار، برزت فنزويلا بوصفها أحد العناوين المركزية في سياسة "تصدير الأزمات" الأميركية. فقد جرى تقديم كاراكاس في خطاب الإدارة كمصدر تهديد مباشر للأمن القومي، عبر اتهامها بالضلوع في شبكات تهريب المخدرات والجريمة العابرة للحدود، واستخدام هذه الاتهامات لتبرير تصعيد سياسي وعسكري متزايد.
وترجم هذا التصعيد بحشد عسكري واسع في البحر الكاريبي، شمل انتشاراً بحرياً مكثفاً وعمليات اعتراض وضرب لقوارب قيل إنّها مرتبطة بتهريب المخدرات، إضافة إلى تلويحات بخيارات عسكرية أوسع. وقد قُدِّم هذا الحضور العسكري للرأي العام الأميركي بوصفه إجراءً دفاعياً لحماية الأمن القومي، فيما حمل في جوهره أبعاداً سياسية تتجاوز البعد الأمني المباشر.
وبالتوازي، لم تُخفِ الإدارة الأميركية نزعتها إلى تغيير النظام في كاراكاس، سواء عبر تشديد العقوبات الاقتصادية، أو دعم مسارات العزل السياسي، أو التلويح بإجراءات قسرية، ما جعل فنزويلا تتحوّل إلى ساحة تُسقَط عليها اختلالات الداخل الأميركي. وبهذا المعنى، أُعيد تأطير أزمات الهجرة والمخدرات والاضطراب الاجتماعي بوصفها نتاج تهديدات خارجية، لا نتيجة أزمات داخلية مزمنة.
في المحصّلة، تعكس هذه المقاربة انسجاماً واضحاً بين السياسات الاقتصادية والاجتماعية للإدارة الأميركية، يقوم على نقل ثقل الأزمات من الداخل إلى الخارج، وإدارتها عبر أدوات أمنية وتصعيدية. وبينما أسهم هذا النهج في إعادة تشكيل الخطاب السياسي والأمني، بقيت الأزمات الاجتماعية البنيوية داخل الولايات المتحدة قائمة، من دون معالجة شاملة أو حلول مستدامة.
ترامب من "رجل السلام" إلى اقتصاد السلاح الأميركي
في المقاربة نفسها التي تُقدَّم فيها الهجرة والمخدرات بوصفهما تهديدين وجوديين للأمن القومي الأميركي، يُعاد إنتاج منطق واحد: عجز الداخل يُدار عبر إزاحة الأزمة إلى الخارج. هذا المنطق لا يقتصر على الملفات الاجتماعية، بل يمتدّ بوضوح إلى السياسة الخارجية، حيث يحرص ترامب على تقديم نفسه رئيساً أنهى الحروب، مكرّراً أنّه أوقف نحو ثماني حروب، ومروّجاً لصورة "رجل السلام" الساعي إلى نيل جائزة نوبل، في وقتٍ تتعمّق فيه الانقسامات السياسية والاجتماعية داخل الولايات المتحدة.
غير أنّ خطاب السلام يتقاطع مع واقعٍ اقتصادي مغاير، إذ يواصل اقتصاد الحروب التوسّع بوتيرة متسارعة. وبحسب معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، ارتفعت إيرادات مبيعات السلاح لدى كبرى الشركات العالمية بنسبة 5.9 في المئة خلال عام 2024 لتبلغ 679 مليار دولار، وهو أعلى مستوى مُسجَّل، فيما زادت إيرادات أكبر مئة شركة دفاعية بنسبة 26 في المئة بين عامي 2015 و2024.
وسجّلت الشركات الأميركية الحصّة الأكبر من هذا النمو، إذ استحوذت على نحو 49 في المئة من الأرباح العالمية لمبيعات السلاح، بما يعكس موقعها المحوري في دعم الحروب والتوتّرات المفتوحة. وعلى الرغم مما تواجهه هذه الشركات من تأخيرات وتجاوزات في الكلفة داخل بعض البرامج الكبرى، فإنّ أرباحها استمرّت في الارتفاع، مدفوعة بتدفّق الطلب العسكري. وبذلك، يتكشّف التناقض بين خطاب سياسي يتحدّث عن إنهاء الحروب، وواقع اقتصادي تُشكّل فيه الصناعات الدفاعية الأميركية أحد محرّكات استمرارها.
تعكس هذه المعطيات اتساع سوق السلاح في سياق الحروب المفتوحة والتوتّرات المتصاعدة، من شرق آسيا من ضمنها تايوان، إلى أوكرانيا إلى غرب آسيا لا سيما الاحتلال الإسرائيلي في زمن الإبادة، حيث يستمر تدفّق الأسلحة الأميركية، في ظلّ حربها المتواصلة على قطاع غزّة واعتداءاتها على لبنان وسوريا. وفي هذا الإطار، حقّقت شركات السلاح الأميركية أرباحاً متزايدة وعقوداً طويلة الأمد، فيما تُدار الصراعات بوصفها فرصاً اقتصادية واستراتيجية.
وبذلك، تتحوّل الحروب من أزمات يُفترض احتواؤها أو إنهاؤها كما يزعم ترامب، إلى أدوات لإدارة الضغط الداخلي الأميركي، وتنشيط الاقتصاد العسكري، وتثبيت النفوذ خارج الحدود. ويبرز هنا تناقض بنيوي بين خطاب سياسي يتحدّث عن إنهاء الحروب، فيما تتصدر الولايات المتحدة تصدير الأسلحة إلى مناطق الصراع كطرف، ويُعاد تقديم الحرب كوسيلة للاستقرار، والسلام كعنوانٍ في الخطاب السياسي الداخلي.
في هذا السياق، وأمام هذا كله من الوضعين الاقتصادي والاجتماعي إلى سوق السلاح، تتبلور مقاربة أميركية تقوم على نقل الأزمات الداخلية إلى الخارج وتحويل الضغوط الاقتصادية والاجتماعية إلى ملفات أمنية عابرة للحدود، بما يتيح إعادة ضبط المشهد الداخلي وتفعيل أدوات النفوذ من دون كلفة إصلاحات بنيوية. غير أنّ اتساع هذا النهج يربط الاستقرار الأميركي باستمرار التوتّرات الدولية، في ظلّ تراجع قدرة النظام الدولي على تحمّل مزيد من التصعيد.
الكاتب .. رضا زيدان