قراءة في كتاب .. "عصران: عصر الثورة وعصرنا الحالي"

الاشراق |  متابعة.

يُعدّ كتاب "عصران: عصر الثورة وعصرنا الحالي" من أبرز المؤلفات التي كتبها الفيلسوف الدنماركي سورين كيرككورد، أحد أهم رواد الفلسفة الوجودية في القرن التاسع عشر. صدر الكتاب عام 1846، وهو من النصوص التي تجمع بين الطابع الأدبي والفلسفي، إذ يتخذ شكل مراجعة أدبية لعمل روائي دنماركي، لكنه يتحول تدريجيًا إلى دراسة فلسفية في طبيعة العصر الأوروبي الحديث، ومقارنة عميقة بين زمنين يمثلان مرحلتين مختلفتين من تطور الوعي الإنساني: عصر الثورة والعصر الراهن.

ينتمي كيرككورد (1813–1855) إلى مرحلة فكرية شهدت صعود العقلانية والأنظمة الفلسفية الشاملة في أوروبا، ولا سيما الفلسفة الهيغلية. وقد اتخذ موقفًا نقديًا من هذا الاتجاه، معتبرًا أن الفلسفة المعاصرة له تهمل الفرد لمصلحة المجرد والكلّي. في هذا الإطار، يأتي كتاب "عصران" ليعبّر عن موقفه من التحولات الاجتماعية والثقافية التي رافقت الحداثة الأوروبية، خاصة بعد الثورة الفرنسية، والتي رآها تُضعف العلاقة بين الفكر والفعل، وبين الفرد والمجتمع.

الكتاب في ظاهره مراجعة لأحد الأعمال الأدبية، لكنه في جوهره تأمّل فلسفي حول طبيعة الزمن الحديث، وكيف تغيّر الإنسان في علاقته بذاته وبالعالم. ومن هنا فإن القيمة الحقيقية للعمل لا تكمن في محتواه الأدبي، بل في تحليله الثقافي والنفسي العميق للروح الحديثة.

يقارن كيرككورد بين عصرين متقابلين:
عصر الثورة، الذي يصفه بأنه عصر الفعل والحماسة والوضوح الأخلاقي، والعصر الراهن (عصره هو، منتصف القرن التاسع عشر)، الذي يسمّيه العصر التأمّلي، حيث يسود التفكير على الفعل، والجدل على الالتزام، والمراقبة على المشاركة.

يهدف المؤلف من خلال هذه المقارنة إلى فهم التحول الجوهري في طبيعة الوعي الإنساني. فبينما كان الإنسان الثوري يعيش في عالم مليء بالعاطفة والإيمان بالمبادئ، أصبح إنسان العصر الحديث يعيش في عالم من التحليل والتردد والبرود العاطفي. بهذا المعنى، فإن الكتاب ليس مجرد مقارنة تاريخية، بل هو تشخيص فلسفي لأزمة الإنسان الحديث.

ملامح عصر الثورة
يُقدِّم كيرككورد عصر الثورة بوصفه زمن الفعل والمخاطرة والشغف. كان الإنسان في هذا العصر – بحسب تحليله – يؤمن بأن أفكاره تستحق التضحية، وأن القيم والمبادئ تستمد معناها من قدرتها على تحريك الإنسان نحو العمل. كانت المواقف واضحة والاختيارات حاسمة، حتى لو كانت خاطئة أو قاسية.

في هذا السياق، يبرز مفهوم الوجود الفعلي، أي أن الإنسان لا يُعرّف من خلال ما يفكر به، بل من خلال ما يفعله وما يلتزم به. فالفعل هنا ليس مجرد حركة، بل هو تعبير عن صدق الوجود الإنساني.

يمتدح كيرككورد هذا العصر لأنه يجسد أصالة العلاقة بين الفكر والعمل، بين الفرد ومعتقده، ولأنه يمنح الإنسان شعورًا بالانتماء والمسؤولية. فالثائر، في نظره، هو شخص يواجه العالم انطلاقًا من قناعته الخاصة، لا من ضغط الجماعة.

ملامح العصر الراهن
أما العصر الراهن فيبدو عند كيرككورد نقيضًا تامًا لعصر الثورة. فهو عصر فقد الحماسة، وغلب عليه التفكير البارد والتحليل المستمر من دون أن يقود ذلك إلى الفعل. يصفه بأنه عصر التأمل السلبي، حيث يميل الناس إلى النقاش أكثر من المشاركة، وإلى مراقبة الأحداث بدل المساهمة في صنعها.

في هذا العصر يظهر مفهوم الجمهور الذي يرى فيه كيرككورد رمزًا لتلاشي الفرد. فـ"الجمهور" ليس مجموعة من الأشخاص الحقيقيين، بل فكرة مجردة تذيب التميز الفردي. الناس لم يعودوا يتصرفون بناءً على قناعاتهم الخاصة، بل تبعًا لما يظنه الجميع.

بهذا الشكل، يفقد الإنسان استقلاله الداخلي، ويصبح جزءًا من وعي جمعي مائع، لا يعبّر عن ذاته إلا عبر الشعارات والمواقف السطحية. ويعتبر كيرككورد أن هذا التحول يُنتج نوعًا جديدًا من اللامسؤولية الأخلاقية، لأن الفرد يشعر أن قراراته لا تخصه وحده، بل تُملى عليه من الخارج.

التحليل الفلسفي للتحول
يُحلل كيرككورد هذا التحول من زاوية نفسية وثقافية، مبينًا أن الإنسان الحديث أصبح يعيش في حالة من الانعكاس الذاتي، أي أنه يفكر في ذاته أكثر مما يعيشها فعلاً. لم يعد يعيش الوجود كما هو، بل يعيش فكرته عن الوجود.

هذا الانعكاس – على الرغم من أنه يبدو علامة وعي – يؤدي إلى نوع من الشلل الداخلي، لأن التفكير الدائم يمنع الفعل، والمقارنة المستمرة تُضعف القرار. وهكذا يتحول الإنسان إلى مراقب للحياة بدل أن يكون فاعلًا فيها.

يصف كيرككورد هذه الحالة بأنها فقدان الحرارة الوجودية، أي ذلك الشغف الذي يجعل الإنسان مرتبطًا بالعالم ارتباطًا حيًّا. فالحياة عنده ليست مجرد وعي، بل تجربة داخلية تتطلب الجرأة والمخاطرة.

علاقة الكتاب بالواقع المعاصر
من المثير أن أفكار كيرككورد في هذا الكتاب تبدو اليوم أكثر دقة من أي وقت مضى. فالعصر الرقمي الحديث يكرّر السمات نفسها التي لاحظها في القرن التاسع عشر: وفرة المعلومات مقابل قلة الفعل، هيمنة الرأي العام، وضياع التميز الفردي في الحشود الافتراضية.

فوسائل التواصل الاجتماعي مثلاً تعيد إنتاج فكرة الجمهور الكيرككوردي بشكل مضاعف؛ إذ يعيش الناس داخل فضاء تتحدّد فيه القيم تبعًا لما هو شائع، لا لما هو صادق أو حقيقي. كل فرد يظن أنه حر في التعبير، لكنه في الواقع جزء من نمط عام يفرض عليه طريقة التفكير والتفاعل.

بهذا المعنى، يمكن القول إن كيرككورد قد تنبأ مبكرًا بمأزق الحداثة المتأخرة، حيث تحولت الحرية الفردية إلى شعار، بينما ضاع جوهرها العملي. فالفرد المعاصر، مثل إنسان كيرككورد، يتحدث كثيرًا عن التغيير، لكنه يشارك فيه قليلًا.

تنبع أهمية "عصران" من كونه لا يكتفي بتشخيص الفارق بين عصرين تاريخيين، بل يقدم رؤية فلسفية عميقة عن الإنسان في مواجهة الزمن. إنه نصّ عن التحوّل من الفعل إلى الفرجة، ومن الشغف إلى اللامبالاة، ومن الوجود الشخصي إلى الوجود الجماعي المجهول.

ويمثل الكتاب أحد المفاتيح لفهم مشروع كيرككورد بأكمله، إذ يجمع بين اهتمامه بالحرية الفردية ومسؤوليته الأخلاقية، وبين نقده اللاذع للثقافة الجماعية التي تُضعف الذات. كما أنه يُبرز فكرة مركزية في فلسفته: أن الإنسان لا يُعرَّف بما يعرف، بل بما يختار ويعيش. ولهذا، يظل الكتاب حيًا في سياقنا الراهن، لأنه يطرح سؤالًا لم يفقد معناه: كيف يمكن للفرد أن يكون ذاته في عالمٍ يفرض عليه أن يكون مثل الجميع؟

يُظهر كتاب "عصران: عصر الثورة وعصرنا الحالي" عمق رؤية كيرككورد للإنسان الحديث، إذ جمع فيه بين النقد الاجتماعي والفلسفة الوجودية المبكرة. من خلال مقارنته بين عصر الحماسة وعصر التأمل، أراد أن يوقظ الإنسان من سباته، وأن يذكّره بأن الفكر لا يكتمل إلا بالفعل، وأن الحرية لا تُقاس بالخيارات الكثيرة، بل بالقدرة على اتخاذ قرار واحد صادق.

إن ما يجعل الكتاب صالحًا للقراءة اليوم هو طبيعته الإنسانية العامة؛ فهو لا يتحدث فقط عن أوروبا القرن التاسع عشر، بل عن كل مجتمع يتحول فيه الإنسان إلى متفرج على حياته، ويبحث عن ذاته بين ضجيج الجمهور. لذلك، فإن "عصران" ليس مجرد نصّ فلسفي قديم، بل هو مرآة صافية نرى فيها ملامح عصرنا نحن، بكل ما فيه من معرفة وفقدان، ومن حرية وشلل، ومن فكر بلا فعل.

بقلم عباس أحمد