الاستسلام أو الموت؟

الاشراق | متابعة.

تتكرّر في الآونة الأخيرة التصريحات الرسمية الصادرة عن العدو الإسرائيلي وحلفائه بفتح «جبهة أوسع» وشنّ هجوم شامل على القرى والبلدات في شمال نهر الليطاني وجنوبه.

وتعلو أصوات في تل لبيب تدعو إلى «استكمال القضاء على حزب الله» والاستفادة من «المومنتوم» (الفرصة الدولية والإقليمية والمحلية المتاحة «للتخلص من المقاومة») ومن «الضعف الذي يعاني منه» الحزب بسبب الخسائر التي تكبّدها خلال العام الماضي ومنذ الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الثاني من العام الماضي.

ويبدو أن الإسرائيليين والأميركيين اتفقوا مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي بأن ينقل التهديدات بشكل مباشر إلى بيروت. وبالفعل، فقد قال عبد العاطي خلال زيارته إلى بيروت هذا الأسبوع إنّ عدم نزع سلاح حزب الله في جنوب الليطاني وشماله، والامتناع عن الالتزام بعدم القيام بأي عمل عدائي تجاه «إسرائيل»، والمماطلة في انطلاق المفاوضات المباشرة بين لبنان و«إسرائيل» في القاهرة سيدفع الإسرائيليين إلى شنّ هجوم حربي واسع النطاق واجتياح بري لجنوب لبنان.

إنّ قيام وزير مصري بنقل هذه التهديدات ليس مستغرباً، إذ إن حكومته منبطحة بشكل كامل أمام الأميركيين ومستسلمة بشكل مذلّ ومهين أمام العدو الإسرائيلي. لكن لا شك أن مواقف بعض اللبنانيين المتماهية مع العدو الإسرائيلي هي التي تفتح المجال واسعاً أمام وقاحة التعبير عن التهديد المباشر للبنان وللبنانيين. علماً أن هذه التهديدات لا تستهدف حزب الله والمقاومة فقط، بل تبدو موجّهة إلى الدولة اللبنانية وإلى الشعب اللبناني بأسره لأنها بمنزلة تحريض على الحرب الأهلية بحجة نزع سلاح المقاومة بالقوة. وزير حرب العدو، إسرائيل كاتس، كان قد هدّد، منذ كانون الأول من العام الماضي، بأن إسرائيل «ستذهب أعمق» وستستهدف «الدولة اللبنانية نفسها»، وليس فقط أهدافاً تتعلّق بالحزب ومناصريه.

لنقرأ أولاً ما المقصود من التهديدات الإسرائيلية التي نقلها الوزير المصري إلى بيروت:
(أ) زيادة الضغط على الدولة اللبنانية عبر ربط إعادة الاستقرار والإعمار في المناطق المتضررة بنزع سلاح حزب الله. ويضع ذلك الحكومة اللبنانية في مأزق، إذ إنه يدفع نحو تكليف الجيش اللبناني بنزع سلاح الحزب بالقوة وهو ما قد يؤدّي إلى إشعال حرب أهلية وانقسام الجيش و«خراب البصرة».

(ب) محاولة قمع قدرة الحزب على استعادة عافيته عبر التهديد بضرب بنيته التحتية المفترَضة وخلق بيئة «عقاب مستمر» لمن يسعى إلى إعادة بناء قدرات المقاومة العسكرية وتطويرها.
(ج) ترهيب اللبنانيين عبر الإعلان بأن «إسرائيل» مستعدة لتوسيع الحرب على كامل لبنان إذا رفض اللبنانيون الاستسلام والرضوخ لمطالبها.

إنّ توقيت نقل الوزير المصري التهديدات الإسرائيلية إلى بيروت (أي بعد ساعات قليلة على العدوان الإسرائيلي على ضاحية بيروت الجنوبية واستشهاد القائد العسكري البارز في حزب الله هيثم الطبطبائي) يزيد من خطورته، إذ إنه يدل إلى أن العدو الإسرائيلي ما يزال قادراً على اختراق الاحتياطات الأمنية التي وضعها الحزب بعد اغتيال قادته في العام الماضي.

والمقصود بذلك أنّ شنّ عدوان إسرائيلي شامل سيؤدّي إلى إحداث دمار أوسع في بنية الحزب وقدراته. وبالتالي إن الحزب بات، بحسب الوزير المصري وأسياده الأميركيين والإسرائيليين، أمام احتمالين: إمّا الاستسلام أو الموت. ولا شك أن النزعة الانهزامية والاستسلام الذي تروّجه بعض وسائل الإعلام اللبنانية (الممولة من دول شريكة للعدو الإسرائيلي) وشعور البعض في لبنان (بمن في ذلك بكل أسف بعض مؤيدي المقاومة) بالضعف والعجز واليأس، خصوصاً بعد امتناع الحزب عن الرد على آلاف الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة منذ الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار، يسهم في حملات ترهيب الجنوبيين الذين عادوا إلى قراهم المدمرة ويسعون إلى إعادة بنائها.

لكن «اليأس من الكبائر» كما قال القائد الشهيد السيد حسن نصرالله في خطاب له في 12 تموز 2004 وفي 16 شباط 2020؛ أكد فيه أن مَن يدعو إلى اليأس يرتكب «خيانة وطنية»، وأنّ مواجهة التحدّيات تتطلّب الوعي والشجاعة. وفي خطاب في 22 نيسان 2019 في عيد كشافة الإمام المهدي، أعلن القائد الشهيد أنه «لو وقع اليأس في نفوسنا لكان لبنان تحت الاحتلال الإسرائيلي». الجنوبيون اليوم صامدون في قراهم وبلداتهم ولا يخشون أحداً ولن يتراجعوا عن وفائهم للمقاومة وعن التشبّث بأرضهم رغم كل التضحيات والآلام والمعاناة.

يذكّرهم تهديد الوزير المصري بما قاله الإمام زين العابدين عند تهديده بالقتل من قبل ابن زياد في واقعة كربلاء: «أبِالموت تهددني يا ابن الطلقاء؟ إن القتل لنا عادة وكرامتنا من الله الشهادة».

الجنوبيون يحبّون الحياة ويسعون إليها ويتمسّكون بها بكل ما لديهم ولن يتساهلوا مع ما يمسّ كرامتهم ولن يرضخوا للتهديدات التي يطلقها العدو والوزير المصري وغير الوزير المصري، ولن يفقدوا الأمل. وإذا كان اللبنانيون الآخرون، من كل المحافظات والأقضية، حريصين فعلاً على لبنان، فمن واجبهم الوقوف مع مواطنيهم الصامدين في الجنوب بوجه العدو الإسرائيلي المجرم الذي يسعى إلى توسيع المناطق التي يحتلها في لبنان.

للكاتب عمر نشابة - لا تتبنى الاشراق بالضرورة الاراء والتوصيفات المذكورة.