«احتفائية» ترامب لا تَصدُق: التنافس مع الصين في أوجه!

الاشراق | متابعة.

على عكس ما تسعى مواقف دونالد ترامب العلنية إلى إثباته في ما يتعلّق بالعلاقات الأميركية - الصينية، التي شهدت فصلاً من الحلحلة في مسائل التجارة، يظلّل العلاقات بين البلدَين تدهورٌ على مستويات عدّة، و«سوء فهم» واضح أحياناً، خصوصاً حين يتعلّق الأمر بتايوان. وعقب الاتصال المفاجئ بين ترامب ونظيره الصيني، شي جين بينع، كتب الأول، في منشور عبر «تروث سوشال»، أنه سيزور الصين بدعوة من رئيسها، الذي سيزور بدوره الولايات المتحدة في وقت لاحق العام المقبل. وأضاف: «علاقتنا مع الصين قوية للغاية! كانت هذه المكالمة بمثابة متابعة لاجتماعنا الناجح للغاية في كوريا الجنوبية قبل ثلاثة أسابيع».

في موازاة ذلك، أفاد تاجران مطّلعان على الصفقات، بعد يوم من مكالمة الرئيسَين، بأنّ الصين اشترت ما لا يقلّ عن 10 شحنات من فول الصويا الأميركي بقيمة حوالى 400 مليون دولار. وفيما لا تزال الصفقات الأخيرة أقلّ بكثير من الـ12 مليون طنّ من المشتريات التي أعلن عنها البيت الأبيض، أكّد وزير الخزانة، سكوت بيسنت، الثلاثاء، أنّ المشتريات الصينية من فول الصويا تتمّ «في الموعد المحدَّد»، مستشهداً باتفاق بكين لشراء 87.5 مليون طن من المنتج الأميركي على مدى السنوات الثلاث ونصف السنة المقبلة. وأشار بيسنت إلى إمكانية عقد نحو أربعة اجتماعات بين ترامب وشي العام المقبل، نظراً إلى أنّ الأول قد يحضر اجتماع التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ في شنتشن الصينية، في تشرين الثاني 2026، بالإضافة إلى زيارة دولة متوقّعة إلى بكين في نيسان من العام نفسه. ويُتوقّع أيضاً أن يستضيف الرئيس الأميركي، نظيره الصيني في الولايات المتحدة، مرّتين العام المقبل، بما في ذلك في واشنطن في زيارة دولة، وفي منتجعه في دورال، لحضور اجتماع لـ«مجموعة العشرين».

وبالتزامن مع «احتفاء» ترامب بالمكالمة، كتب موقع «أكسيوس» أنّ شي جين بينغ «يحاول بناء نظام عالمي بديل، تجلس بكين في مركزه وتدعمها دول معادية للديموقراطية، من مثل روسيا وكوريا الشمالية»، وذلك وفقاً لأحدث النتائج التي توصّلت إليها «لجنة مراجعة الاقتصاد والأمن الأميركية - الصينية». وطبقاً للتقرير الواقع في 700 صفحة، فإنّ «الشبكة» المشار إليها، من شأنها أن تعقّد حسابات واشنطن والعواصم الغربية الأخرى، وهو ما استوجب وضع عشرات التوصيات، والتي تشمل دراسة دعم الصين لآلة الحرب الروسية، بالمساعدات الاقتصادية والتكنولوجية وتبادل المعلومات الاستخبارية والعمليات السيبرانية، جنباً إلى جنب زيادة التمويل للقوّة الفضائية الأميركية، والتي تهدف إلى «التأسيس للتفوّق الفضائي ضدّ ترسانة الفضاء المضادّة الصينية»، وتحسين ألعاب الحرب الفضائية والمحاكاة. وتُضاف إلى ما تقدّم، وفقاً للتقرير، ضرورة تقييم قدرة الولايات المتحدة على الردّ على العدوان في المنطقة الرمادية، وخاصة في تايوان وما حولها، وتعزيز قدرة الفليبين على التعامل «مع المضايقات في البحار وفي الفضاء الإلكتروني».

في المقابل، وطبقاً للمفوّض آرون فريدبرغ، فإنّ «قيادة الحزب الشيوعي الصيني ترى نفسها، منذ مدّة طويلة، منخرطة في صراع مع الولايات المتحدة خاصةً، ومع الغرب بشكل عام»، فيما تعتبر أنّ «موقعها في هذا التنافس أصبح أقوى في السنوات الماضية». ورغم إجراء الجيشَين الأميركي والصيني، أخيراً، محادثات أمنية بحرية في هاواي وُصفت بـ«الصريحة والبنّاءة»، أفادت شبكة «سي بي إس» بأنّ الجيش الأميركي يتّبع «نهجاً استراتيجياً» لتكثيف وجوده في مياه القطب الشمالي، وذلك بعد تقرير لوزارة الأمن الداخلي الأميركية وصف استراتيجية الصين في هذا المجال بأنها «غير مسبوقة». وممّا جاء في التقرير: «في عام 2025، تمّ تشغيل عدد غير مسبوق من السفن العسكرية والبحثية الصينية في مياه القطب الشمالي التابعة للولايات المتحدة أو بالقرب منها»، وأنّ «خفر السواحل (USCG) ستردّ بشكل حاسم دفاعاً عن السيادة الأميركية».

تراهن بكين في منافستها مع واشنطن على الخلل الداخلي «العميق» الذي يواجهه ترامب


ويعكس الموقف الاستباقي الأميركي، طبقاً للمصدر نفسه، «التزام الإدارة المتجدّد بتأمين حدود الولايات المتحدة ومصالحها، حتى في منطقة القطب الشمالي النائية». وأشار التقرير إلى أنّ «قانون الرئيس ترامب (القانون الكبير والجميل)، خصَّص 8.5 مليارات دولار للولايات المتحدة لشراء سفن كسر الجليد، كما تمّ تطبيق (خطة تنمية القوى العاملة) لدعم إنشاء قوة عاملة ماهرة قادرة على تصميم وبناء سفن كسر الجليد المعقّدة»، في وقت تنبّه فيه وزارة الأمن الداخلي إلى أنّ قدرات كسر الجليد القطبي غير الكافية تُعدّ بمثابة «تنازل عن السيطرة» على القطب الشمالي.

يُضاف إلى ذلك، أنّ اتصالاً بين رئيسة الوزراء اليابانية، ساناي تاكايتشي، وترامب، أعقب محادثة الأخير مع شي، في ما يؤشر إلى مساعٍ أميركية للتوسّط في الصراع المتصاعد أخيراً بين طوكيو وبكين على خلفية تصريحات الأولى غير المسبوقة حول إمكانية حصول ردّ عسكري ياباني على أيّ اعتداء على تايوان، والتي استدعت ردود فعل صينية غاضبة. وفيما تصدّر موضوع تايوان عناوين الإحاطات الصينية التي تلت المكالمة، بما فيها تلك التي أصدرتها وكالة «شينخوا»، مشيرةً فيها إلى أنّ «الزعيمَين ناقشا عدّة قضايا في أثناء المكالمة، بما في ذلك تطوّر العلاقات الثنائية منذ قمّتهما في 30 تشرين الأول، والحرب في أوكرانيا، بينما شدّد شي مجدّداً على أهمية عودة تايوان إلى الصين»، فإنّ ترامب، لم يأتِ على ذكر تايوان في منشوره، في إشارة إلى عدم رغبة واشنطن في الانخراط في مشاكل حولها أو تغيير موقفها القائم على «الغموض الاستراتيجي» تجاه الجزيرة.

وإلى ما تقدّم، فإنّ التنازلات الأميركية في المواجهة مع الصين لا تزال تُقابَل بانتقادات واسعة النطاق في أوساط المراقبين الغربيين، تمظهرت أخيراً في تقرير نشرته مجلة «فورين أفيرز»، جاء فيه أنّ بكين استفادت من «موقفها الصلب»، بعدما ضمنت عقد اجتماعات مستقبلية مع ترامب وانتزعت تنازلات في قضايا حسّاسة من مثل تايوان وضوابط التصدير الأميركية. وأشار التقرير إلى أنه «ديبلوماسياً واستراتيجياً وتكنولوجياً، أصبحت بكين أقوى ممّا كانت عليه قبل عام»، فيما لم تحقّق استراتيجية إدارة ترامب المتقلّبة، ما بين الضغط الاقتصادي والتنازلات، أيّ نتائج مهمّة.

ويرى أصحاب الرأي المقدّم أنه عقب قمّة كوريا الجنوبية، بات من الصعب تحديد المجالات التي تنافس فيها الولايات المتحدة، الصين بشكل ملموس؛ إذ ورغم اتّخاذ واشنطن خطوات لتقليل اعتمادها على المعادن الأرضية النادرة الصينية، فإنّ هذه العملية ستكون طويلة وشاقّة، لا سيّما وأنّ التخفيف المؤقّت لقيود التصدير قد يؤدّي إلى تراخي واشنطن وحلفائها والقطاع الخاص في هذا المجال. ويشير هؤلاء إلى أنّ التنازلات التكتيكية للصين، من مثل وقف قيود تصدير المعادن الأرضية النادرة أو تأجيل قيود «تيك توك»، أعادت العلاقات إلى الوضع السابق الذي كان قائماً قبل «يوم التحرير» الأميركي، مع تكاليف ضئيلة على الصين، ممّا يجعل الأخيرة في موقعها السابق «المريح». كذلك، فإنّه عبر تركيز المفاوضات على القضايا التجارية الضيّقة بدل القضايا الاستراتيجية الكبرى، من مثل تايوان، فقد عزّزت بكين نفوذها في وجه واشنطن.

وطبقاً للمصدر نفسه، فإنّ شي يبقى مركزاً على المنافسة الاستراتيجية طويلة المدى، حتى وإنْ لم يكن ترامب كذلك؛ فبينما يرى الرئيس الأميركي نفسه صانع صفقات بارعاً، ينتهج شي مبدأ «الصبر» حتى اللحظة المناسبة لتوجيه الضربة وإدارة تبعاتها. فعلى سبيل المثال، خاطر الرئيس الصيني بفرض قيود واسعة على تصدير المعادن النادرة قبل القمّة، مراهناً على أنّ ترامب، الساعي بشدّة إلى إبرام صفقة، لن يردّ بقوّة، وهو ما نجح بالفعل.

وعندما تنظر الصين إلى الولايات المتحدة، فهي لا ترى نقصاً في أوراق القوّة لدى الأخيرة، بل خللاً داخليّاً عميقاً؛ إذ فيما يدرك المحلّلون الصينيون أنّ لدى الأميركيين أدوات ضغط مهمّة، من مثل تعطيل سلاسل الإمداد الحيوية للصين، فهم يراهنون على أنّ واشنطن لن تلجأ إليها خوفاً من ردود الفعل الداخلية، في حال ردّت بكين اقتصادياً. كذلك، يتوقّع بعض الباحثين الصينيين أن تفقد إدارة ترامب، المزيد من النفوذ في أثناء العام المقبل بسبب الضغوط الاقتصادية والتحديات السياسية بعد انتصارات الديموقراطيين في الانتخابات المحلّية الأخيرة. ومع اقتراب موعد الانتخابات النصفية، يرجّح هؤلاء أنّ ترامب سيرغب في تحقيق صفقة لاستغلالها انتخابيّاً، ممّا قد يدفعه إلى تقديم تنازلات كبيرة إضافية.

للكاتبة ريم هاني.