نصيحة "اسرائيلية" لتل أبيب..لا تلعبوا دور الضحية!
الاشراق | متابعة.
الكثير من نقاط الحضيض سجلت في الحرب بقطاع غزة، أضيفت إليها نقطة أخرى أول أمس، عندما قرر خبراء الأمم المتحدة بأن إسرائيل هي المسؤولة عن وضع المجاعة الجماعية بدرجة 5، وهي الدرجة الأعلى. بحسب التقرير الذي نشروه، هذا الوضع يسود في مدينة غزة تقريباً، وقد ينتشر جنوباً إلى مناطق أخرى في القطاع.
لفهم عمق هذا المستوى المتدني، يكفي أن نفحص بأي دول أعلن فيها عن مجاعة بهذه الدرجة في القرن الحادي وعشرين: جميعها في إفريقيا. كان آخرها في السنة الماضية، في السودان، ولحقتها في القائمة أثيوبيا، وجنوب السودان، والصومال. أنا في اليمن وجمهورية الكونغو الديمقراطية ونيجيريا فقد أعلن عن مجاعة بمستوى متدن بدرجة أقل في السنوات الأخيرة.
بالنسبة لإسرائيل الرسمية، يدور الحديث عن كارثة إعلامية وسياسية. ومؤخراً، عملت مجموعة كبيرة من الموظفين والضباط ساعات إضافية في محاولة للعثور على نقاط ضعف في التقرير. وشارك للهجوم عليه حتى قبل صدوره، كل من رئيس الحكومة، وزارة الخارجية، وزارة الدفاع، ووزارة الشتات. وسارعت وسائل الإعلام في معظمها إلى تبني السردية التي بحسبها يدور الحديث عن وثيقة متحيزة وغير موثوقة.
يصعب على العالم التصديق بأن الدعاية ستقنع، لكن هدفها الأساسي واحد، وهو إخفاء الحقيقة عن الجمهور الإسرائيلي حول ما يتم باسمه
يصعب على العالم التصديق بأن الدعاية ستقنع، لكن هدفها الأساسي واحد، وهو إخفاء الحقيقة عن الجمهور الإسرائيلي حول ما يتم باسمه. تتبين هذه الحقيقة من خلال زيارات افتراضية للعيادات في غزة، في المقال الذي نشر في “ملحق هآرتس” في نهاية الأسبوع الذي صدر فيه التقرير.
ولفهم التقرير وادعاءات إسرائيل تجاهه، يجب فهم ما هو مؤشر “آي.بي.سي”، الذي تم تطويره في 2004 في محاولة لتقدير مستوى الجوع في الصومال. 21 منظمة إنسانية معروفة، من بينها منظمات تابعة للأمم المتحدة ومنظمات غير تابعة لها، تقوم لجنة توجيهية لخبراء بجمع وتحليل إحصائي معقد للبيانات.
يتكون الدليل التقني لـ آي.بي.سي من أكثر من 200 صفحة. حكومات ومنظمات إنسانية تحفظت من هذا المؤشر بذريعة أنه محافظ ومتشدد جداً، حيث إنه لا يشخص المجاعة في وقت حدوثها، بالضرورة. “هم حذرون جداً”، قال البروفيسور اليكس دي فال، الخبير الدولي في الجوع. “إذا لم ينجحوا في الحصول على معلومات أو أن هناك من يمنع وصول المعلومات، فقد تحدث مجاعة بدون الإعلان عن ذلك. بعد ذلك، أنت تصل وتحصي قبور الأطفال وتقول، نعم، كانت هنا مجاعة جماعية”.
الخبراء في آي.بي.سي، وضعوا ثلاثة مؤشرات. إذا تم اختراقها كلها فثمة مجاعة بمستوى 5: المؤشر الأول يتعلق باستهلاك الطعام – إذا كان هناك ما يكفي من الطعام في منطقة ما، فهل هو في متناول يد جميع السكان. يتم فحص مستوى استهلاك الطعام من خلال عمليات مسح تقوم بها المنظمات الشريكة في المنطقة. في التقرير الأخير أبلغت 86 في المئة من العائلات في غزة عن نقص الطعام، وأكثر من نصف كبار السن أبلغوا أنهم يقفزون عن الوجبات على الأقل أربع مرات في الأسبوع (في محادثات مع “هآرتس” قال غزيون بأنهم يأكلون وجبة واحدة في اليوم)، وقال الثلث تقريباً إنهم بحثوا عن الطعام بين الأنقاض. تجنبت إسرائيل النقاش مع هذه البيانات، حيث لا خلاف حول أنها منعت الطعام عن الغزيين مدة شهرين، وبعد ذلك تم إدخال كميات قليلة منه إلى القطاع.
المؤشر الثاني هو معدل الإصابة بسوء التغذية الشديد والمتطرف، خصوصاً لدى الأطفال. تم جمع هذه المعلومات في عشرات العيادات التي تقوم بعلاج الأطفال في القطاع، من قبل ممرضات. تدعي إسرائيل أن عينة من يأتون إلى العيادات غير تمثيلية، وأن الحديث يدور من البداية عن الأطفال الأكثر ضعفاً، وأن طريقة القياس لا تعكس وضع التغذية الحقيقي للأطفال، خلافاً لدمج الوزن والطول (كان هناك من قالوا بأنه تم اختراع الطريقة بشكل خاص لغزة). ولكن نفس هذه الطريقة التي تظهر في بروتوكول آي.بي.سي استخدمت لقياس الجوع أيضاً في السودان، وهي مقبولة في الأماكن التي تتعرض فيها منظومة الصحة للانهيار ولا يمكن قياس ووزن كل طفل – مثلما في غزة. الاستطلاعات التي يستند إليها الخبراء تشمل أيضاً أطفالاً معافين يأتون إلى العيادات للحصول على التطعيمات.
وثمة ادعاء إسرائيلي آخر، وهو أن البيانات التي جُمعت في تموز لا تجتاز عتبة الجوع من الدرجة 5 – 15 في المئة سوء تغذية شديد لدى الأطفال. إن إجراء حسابات على البيانات بالنسبة لكل الشهر يظهر أن غزة لم تجتز العتبة، لكن التقرير يميز بين النصف الأول من الشهر والنصف الثاني الذي تم فيه اجتياز العتبة (التقارير عن الموت بسبب الجوع في القطاع بدأت تنشر في 20 تموز). المهم هو التوجه، الذي هو نحو التدهور.
المؤشر الثالث هو معدل الوفيات بسبب الجوع، هنا النسبة التي تم تحديدها هي حالتا وفاة من بين كل عشرة آلاف. تدعي إسرائيل أن معدل الوفاة في غزة بعيد عن هذه النسبة. ويبدو أن تقارير وزارة الصحة في غزة تؤكد هذا الادعاء: في الشهر الأخير، حسب الوزارة، مات في غزة 205 أشخاص بسبب الجوع، 0.3 كل يوم من بين كل عشرة آلاف. ولكن آي.بي.سي لا يتعامل مع الموت بسبب الجوع، بل مع الوفيات غير العنيفة عموماً. الجوع الجماعي ليس مشكلة صحية بسبب نقص الطعام فقط، بل أيضاً بسبب انهيار مطلق لنسيج الحياة. كبار السن والأطفال الرضع يموتون بسبب ضعف مناعتهم، ويعانون بسبب التلوث من العيش في الخيام بدون منظومة صرف صحي وشبكة مياه؛ والمرضى بأمراض مزمنة يموتون لأنهم لا يجدون طريقة للحصول على العلاج أو الطعام الخاص أو لأنهم أضعف من أن يصلوا إلى العلاج، وهناك ولادات مبكرة كثيرة وتعقيدات في الحمل.
في الأسابيع الأخيرة، تحدثت “هآرتس” مع 13 طبيباً كانوا في غزة، جميعهم شهدوا بأن وضع المرضى يتدهور بسرعة، وأن وضع جميع السكان سيئ جداً. من المرجح أن الوفيات في القطاع لا يتم الإبلاغ عنها كما يجب، كتب في التقرير، “بسبب انهيار منظومة الرقابة، والوضع الصحي المتفاقم بسبب التلوث وبسبب عدوى مقاومة الأدوية، التي تحول الإصابات التي كان يمكن علاجها في السابق إلى وفيات، وانهيار وحدات العناية المركزة للأطفال حديثي الولادة”.
ذروة هجوم الدعاية الإسرائيلية كانت في البيان الذي نشره مكتب رئيس الحكومة أول أمس. البيان مليء بالأكاذيب والأكاذيب البيضاء وأنصاف الحقائق والتشهير والاتهام بـ “الفرية الحديثة”. الكثير منها تم دحضه في السابق، لكن لا مناص من دحضه مرة أخرى. يدعي نتنياهو أن “إسرائيل سمحت بإدخال طن من المساعدات لكل شخص في غزة بالمتوسط منذ بداية الحرب”. بدون الدخول إلى مسألة ما إذا كان هذا هو الوضع حقاً، يجب التساؤل: هل يعتبر الطن للشخص خلال سنتين كثيراً أم قليلاً، حيث يأكل الشخص المتوسط مئات الكيلوغرامات من الطعام في السنة. إضافة إلى ذلك، المساعدات ليست طعاماً بالضرورة. والشاحنات التي دخلت القطاع حملت أيضاً الوقود والخيام والمعدات الطبية، التي من غير الواضح إذا تم شملها في الحساب. وإلى ذلك، يجب إضافة سرقة الشاحنات والتوزيع غير المتساوي للطعام، وحقيقة أن من يحتاجه أكثر من الجميع يجد صعوبة في الحصول عليه. حتى لو تجاهلنا كل ذلك، فإن ما يزيد الوضع خطورة هو أن إسرائيل منعت إدخال الطعام إلى غزة لفترة طويلة، الأمر الذي لا يمكن أي متوسط من إصلاحه.
وهناك ادعاء آخر مشكوك فيه، يكرره نتنياهو، وهو أن حماس سيطرت على المساعدات التي أُدخلت إلى غزة. عملياً، لا دليل على هذا، كما اعترف ضباط كبار في الجيش الإسرائيلي، الذين اقتبست أقوالهم “نيويورك تايمز” وكما أظهر تحليل لمنظمة “يو.اس.ايد”. وكرر رئيس الحكومة أيضاً الكذبة التي تفيد بأن الأمم المتحدة لا تقوم بجمع الطعام الذي يتم إدخاله إلى القطاع، متجاهلاً أن العنصر الوحيد الذي يزعجها في فعل ذلك هو الجيش الإسرائيلي. هكذا، فمن بين الـ 79 طلب حركة قدمتها الأمم المتحدة للجيش في الأسبوع الماضي، لم ينفذ منها سوى 45.
ونتنياهو تفاخر بأن أسعار الطعام في القطاع انخفضت. ونسي الإشارة إلى أن ذلك حدث بعد أن ولدت تقارير عن الموت جوعاً، وبعد أن تجاهل جميع التحذيرات، والضغط الدولي الذي أجبر إسرائيل على إدخال المزيد من الطعام إلى غزة. حتى الآن، الكميات التي تم إدخالها لن تلبي كل احتياجات السكان.
الجوع الجماعي ظاهرة ترافق الناس من الأزل، مثلما شهد “التناخ” وكل الأساطير الأخرى. ولكنها ظاهرة نادرة جداً في القرن الحادي والعشرين. لقد تعلمت الإنسانية إنتاج ونقل والحفاظ على الطعام وإطعام حتى الضعفاء جداً في المجتمع. لذلك، فإن الجوع الجماعي في هذه الأيام هو دائماً من صنع يد الإنسان. أناس يمنعهم أناس آخرون من الطعام الذي هم بحاجة إليه، والجوع في غزة يشبه ذلك أكثر من أي جوع آخر. يتكدس حول القطاع كم من السعرات والبروتينات والفيتامينات. شاحنات محملة بالطعام انتظرت في مصر والأردن والضفة الغربية وإسرائيل أشهراً، حتى يسمح لها بإدخال الطعام إلى الغزيين. حكومة إسرائيل المأسورة بجنون الانتقام والبقاء السياسي، أحدثت الكارثة بشكل متعمد. الجوع في غزة حقيقي وهو من صنع أيدينا.
تقرير تابعته الاشراق عن صحيفة يديعوت احرونوت العبرية.
لا تتبنى الاشراق بالضرورة الاراء والتوصيفات المذكورة.