جدلية الشعر والمقاومة في تجربة زهير توفيق

الاشراق | متابعة.

ينتقل الشاعر زهير توفيق في تجربته الإبداعيّة من سياق العلاقة الراسخة التي تربط الشعر والفلسفة، إلى علاقة أخرى أوثق تربط الشعر بالمقاومة، حيث جاء ديوانه الجديد «محجر الدموع جف»، صرخة مدوية للإنسان العربي المعاصر في وجه الظلم وحالة الانكسار التي تحياها الأمة، حيث الحديث عن الفواجع والآلام وصيرورة الزمن المفعم بالحزن والهزيمة. ومن معين الشعر برؤاه الفلسفية الماتحة ومن عمق المأساة، تنهال الأفكار، ويتكاثف المجاز معمقا حالة الرفض، وأزمة الواقع التي تجعل من الشعر سؤالاً متّصلاً، وفيضا من المشاعر التي تسمو فوق جراح الواقع، وعذابات السنين.

 

 يتعالى صوت الشعر في ثلاث قصائد طويلة يتكون منها الديوان، عنوانها الألم، ودلالتها الصمود، تمتاز بنغمتها الحزينة الصاعدة، ومعانيها المشبعة بالوجدان، إذ يحضر فيها المضمون الإنساني بأبعاده التأويلية ورمزيته الموشحة بالتاريخ، حيث يجسّد بالحرف معنى الصمود، ويوغل في عوالم الحرية التي تليق بالشعوب الأبيّة.
محجر الدمع الذي جفّ، تعميق واضح للألم الذي وصلت إليه الأمة، بدءا من مأساة الأندلس وانتهاءً بجراحات فلسطين النازفة، حيث يبدو التشكيل الإيقاعي للنص الشعري، أكثر إنتاجا للعاطفة وتصعيدا للغة الألم، إذ تتجلّى سرديّة الشاعر بوصفه شاهدا على العصر، فيما يشبه الرواية التاريخية بسرديتها الدرامية، وحواراتها العميقة، وأحداثها الحيّة. تأتي قصائد الشاعر استجابة للواقع العربي بتفاصيله وصدماته النفسيّة، وهي في الوقت نفسه تصعيد للغة الرفض العالية، وصرخاته المدويّة في الضمير الإنساني، منفتحة على رؤى المستقبل سعيّاً إلى إنتاج نهضة فكرية جديدة يطّلع بها الشعر مستجيبا لتحديات الواقع بمهارة فكرية، وروح إبداعية قادرة على إحداث التخطي والتجاوز معا.
يعمّق الشاعر في ديوانه العلاقة الجدليّة التي تربط الشعر برؤية العالم، حيث تبرز كتابة الألم وألم الكتابة، وكأنهما شيء واحد يكتنه الرؤى، ويكشف عن فيض خصب من المشاعر والآلام معا، إذ تعيد قصائد الديوان صياغة الأفكار وفق جدليّة العلاقة التي تربط التاريخ بالفن، تعمّق من الخطاب المضمر الذي يجعل من لغة الشعر ميدانا واسعا للتأويل، والكشف بعيدا عن خطاب الكراهية والانهزام.
في قصيدته الأولى (فلتغسلوا قلبي برؤيا يا أهالي الأندلس) يجعل من حنينه إلى الأندلس حالة استدعاء خاصة لماضٍ نازف، وألما تليدا ساعيّا إلى إيقاظ الشعور الجمعي للأمة، وبث الفكر النهضوي في المتلقين، لما يمتلكه الشعر من سطوة وجدانيّة لا يقل تأثيرها عن حساسية الشعراء للأحداث الأليمة التي تحياها الأمة، يقول:
غرناطتي حدسي، ونهر تورّدي
وغواية الأفعى، وآدم في الخروج من المسار إلى الهباء
وكنت أعلم أن فيها ما تسمّى بالضياء
وما توشى بالخزامى
وما تجلّى في السهر
لعلّ فكرة الموت الراسخة في قصائد الديوان لم تحقق غايتها في سحق الذات الشعريّة، بل إن الفواجع المتتالية، التي مرّت بها الأمة شكلت محفزا على خلاصها، وهذا ما يحقق للشعر الديمومة والتأثير، وكأنه روح خفية تسري في الجسد، بحثا عن حياة صافية، وأمكنة بلا حدود. ولأن الشعر يصنع الحرية، فإنه في مواجهة الحرب يقوم بدور مهم في نشر الوعي الثقافي، والوطني على امتداد عقود من المعاناة، تعدّ سجلاً خالدا لآهات الجرحى والأسرى والمهجّرين، وعبق الشهادة الخالد، بوصفه صوت الأمة الصادق، وضميرها الحي، وكأن التاريخ يعيد نفسه، وكأن جراحات الأمس هي عذابات اليوم المشبع بالخذلان حيث يستمر في خطابه الحزين لغرناطة:
غرناطتي:
لمّا لمحتك في الكرى، وغياهب التفتيش
تنهش ما أراه من الشمندر في السماء
استمطرت عيناي من أثر الدموع الأندلس
قد جئت أسأل:
من أنا بعد الرحيل
ومن أنا في الطرد من لغتي إلى لغتي
التي سقطت ورائي في الحروب
في قصيدته الثانية (غزة .. يا أيها الخطباء كفّوا عن دمي) يعلو صوت الاحتجاج والثورة، والرفض، فنقرأ شعرا متشحاً بالحزن، والألم، ويسمو الشهيد متجاوزا الجميع بعدما منح الأمة روحا جديدة ونبضا خالدا، حيث يقول:
يا أيها الخطباء كفوا عن دمي
وتردّدوا في حضرةِ الشهداء
واستفتوا الخرائبَ والمدى
وتداولوا كيف ارتوى هذا الهواء من الشظايا
وكيف تأتينا القيامة بغتة،
وبأيّ أرض سوف أمضي للأبدْ
حيث تظهر غزة في القصيدة عتبة النص وأيقونته التي تدهش الأبصار، إنّها المثير في التجربة الشعريّة، تبرز معها قدرة الشاعر على صياغة انفعالاته في قالب فني، تتفجّر من خلاله الدلالة؛ لتصبح أكثر قدرة على حمل معاناة الأمة، وهذا جعل انفعال الشعراء حادا، ومريرا. اكتسبت لغة القصيدة دلالات جديدة، تجذّر الانتماء للأرض، وتعمّق معاني الرفض في النفوس، وهي لغة تحمل في الوقت نفسه نغمة التفاؤل، والحلم بالمستقبل المأمول، مجسّدة روحا جديدة تلتقي بالروح الإنسانية الثائرة التي يهتف بها الشعر الملتزم بوجدان الشعوب، حيث يقول:
أصغي بغزة للصهيل وللصليل
وما أصبتُ من الجنود، وما تساقطَ في الحدودِ ومن الرفاق
وما ترتّله البنايةُ وهي تهوي فوقَ أرتالِ النساء
وبتّ لا أدري بماذا أو لماذا…
ما الذي شوّهت فيه وجودهم…
إنّ كانّ دمعا أو دماءً أو ردى
وفي قصيدته الثالثة (الجندي لا يحلم بالزنابق البيضاء) تظهر عفوية الأحاسيس والمشاعر، وأهمية شحن الدلالة الأدبية بقيم إنسانية نبيلة تقوم على التضحية والبذل، فضلاً عن اكتنازه بالرؤى والإسقاطات ذات المرجعيات التراثية التي تعمّق الشعور بالحياة، ومحورية الفعل الإنساني، حيث يقول:
أنا سرّ الثواني الضائعة
أنا مرآة ذاتي…
كيف أعرف مَن أنا؟ إن كنت أحيا بينهم.
لقد أضحت المعاناة وقود الشعريّة العربية المعاصرة، أنتجت جيل الألم والغضب والثورة، من خلال شعر وجداني عميق الأفكار، وسرديّة لقصة صمود، ذلك أنّ المعاناة الفلسطينية أسهمت في تشكيل تجارب شعريّة متوهجة، وصياغة أماني الشعراء في التحرر والخلاص، وهذا جعل الشعراء يبدعون أنماطا شعريّة جديدة تجعل من السرد بنية شعريّة إبداعية، قادرة على اقتحام الآفاق المستقبلية، وطرق الموضوعات الشعريّة برؤية جديدة، وأسلوب فني يشعّ شعريّة وإبداعا، حتى بات الشعر وسيلة إعلامية اتصالية، إضافة إلى وظيفته الفنية الجمالية، وهذا أنتج رؤيا شعريّة استكشافيّة واستشرافية للمستقبل. فثقافة الشعراء الواسعة وقيام الشعر بوظيفته السياسية من العوامل التي أثرت القصيدة العربية المعاصرة. لقد أصبح الشاعر في ديوانه يتطلع إلى خلاص ثوري، إذ أخذت نبرة الاحتجاج والتحريض تتصاعد في قصائد الشعراء طلبا للحرية، حيث عمّق من ثنائيات مهمة: الحياة والموت، الأمل واليأس، الحرية والقيد متجاوزا خطاب الذات إلى كينونة الجماعة، ومصائر الشعوب، حيث يقول:
لهفي على نفسي
على شعبي الذي يهوى الخسوف
ولا يبالي بالهبوب أو الأفول
وغربتي وغرابتي
بجداول تفضي إلى فجري لتفجير الزمان
ولما كانت الفلسفة في جوهرها فكرة ورؤية، فإن الشعر استجلاء لحقيقة ذلك، يُعلي من حضور الذات الإنسانية المنتشية بفعل الحياة، إنّه صراع الوجود ضد فعل الإلغاء، وثورة اليقين ضد الشك والتخاذل الذي يؤدي إلى استمرار المأساة، وسبيل الشاعر في ذلك اللغة بفكرها، ودلالتها الإيحائيّة.

تدوينة تابعتها الاشراق للكاتب عماد الضمور