27/07/2026
ثقافة و فن 12 قراءة
صناعة الرواية الإسرائيلية بعد مواجهات بلدة "تل" الفلسطينية

الاشراق
الإشراق | متابعة
في ظرف دقائق معدودة أعقبت مواجهات دامية في قرية "تل" الفلسطينية بالضفة الغربية، تداعت الحسابات الإسرائيلية الرسمية وغير الرسمية ضمن شبكة منسقة للسيطرة على مجريات الرواية الإعلامية الدولية باللغة الإنجليزية، محاولةً توجيه النقاش العام بما يخدم الدعاية الإسرائيلية ويطمس السياق الميداني الحقيقي للحدث.
وفي التفاصيل، شهدت بلدة "تل" الواقعة جنوب غرب مدينة "نابلس" بالضفة الغربية، يوم الجمعة 24 تموز، مواجهات محتدمة بين مستوطنين مسلحين وسكان فلسطينيين حاولوا منعهم من اقتحام البلدة، وهي المواجهات التي أسفرت عن استشهاد أربعة فلسطينيين برصاص قوات "الاحتلال"، فضلاً عن إعلان "الجيش الإسرائيلي" مقتل ضابط وجندي إثر تمكن فلسطيني من انتزاع سلاح أحد المستوطنين وإطلاق النار منه. ولم تكن هذه المواجهة في بدايتها مفارقة لحوادث متكررة تشهدها بلدات الضفة الغربية جراء اعتداءات المستوطنين، غير أن مقتل إسرائيليَّين دفع الدعاية الإسرائيلية لتبني خطاب مغاير يختزل الواقعة في فصلها الأخير.
وأظهر تتبع الحسابات الإسرائيلية تعمدها تجاهل اقتحام المستوطنين للبلدة وبداية الاشتباك، مستهلةً سردية الأحداث حصراً من لحظة انتزاع السلاح، بغية تقديم الواقعة كحادثة منعزلة ومفصولة عن سياقها الميداني الأوسع. وعمدت تلك الحسابات إلى نشر مقطع الفيديو الذي يوثق انتزاع السلاح مقدمة إياه باعتباره "اللحظات الأولى للهجوم"، متغاضية عن مظاهر الاحتكاك والتجمهر السابقة التي تثبت وجود قصة مسبقة أدت لهذا الاشتباك. وعقب تغييب سياق المواجهة، سعت الدعاية الإسرائيلية لملء الفراغ بوصف الإسرائيليين الموجودين في المكان بـ "المتنزهين" الأبرياء الذين تعرضوا لهجوم مباغت من فلسطينيين، ليتردد هذا التوصيف بنسخ متطابقة عبر عشرات الحسابات الرقمية.
وفي السياق ذاته، صرح وزير الشتات الإسرائيلي "عميحاي شيكلي" بأن مجموعة من المستوطنين خرجت لتحرير كلاب راعٍ علقت في شراك حديدية نصبها فلسطينيون قرب مستوطنة "حفات جلعاد"، ليتعرضوا لابل من الحجارة خلال عودتهم وتتطور الأحداث إلى المواجهة الموثقة. ولم يقتصر هذا الخطاب على المنصات الرقمية، بل تبنته المؤسسات الرسمية، حيث وصف حساب وزارة الخارجية الإسرائيلية القتيل "بنياهو ميليت" بأنه أب لطفلين وعضو في فريق التدخل الطارئ في مستوطنة "حفات جلعاد"، زاعماً مقتله أثناء توجهه لإنقاذ متضررين من هجوم "إرهابي". كما تبنت وسائل إعلام عبرية بينها قناة "آي 24 نيوز" (i24 News) التوصيف ذاته، بينما كتب المندوب الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة "داني دانون" مزاعم عن تنفيذ "إرهابيين فلسطينيين مسلحين" هجوماً ضد مدنيين إسرائيليين أبرياء، في تناقض تام مع إعلانات "الجيش الإسرائيلي" نفسه الذي أقر بتبعتهما لقواته، ومع مشاهد الفيديو التي خلت من أي مسلحين فلسطينيين قبيل واقعة سحب السلاح.
وكشف التحقق الميداني أن بلدة "تل" تقع ضمن المنطقة "أ" بحسب اتفاقية "أوسلو"، وهي خاضعة للإدارة المدنية والأمنية الفلسطينية، ما ينفي عن وجود المستوطنين صفة النشاط الاعتيادي أو الزيارة العابرة. كما بين البحث أن دخول المستوطنين يندرج ضمن نشاط متكرر لمستوطنة "حفات جلعاد" المقامة منذ عام 2002 والتي ارتبط اسمها باعتداءات متكررة على القرى المجاورة وفق وثائق منظمة "بتسيلم" الحقوقية التي أشارت إلى تقنين البؤرة رسمياً عام 2018 بالتزامن مع توسع نطاق اعتداءات مستوطنيها. ودعم عودة المستوطنين إلى البلدة في اليوم التالي للحادثة بحماية "الجيش الإسرائيلي" حقيقة كون ما جرى نموذجاً استفزازياً متكرراً وليس نزهة أو محاولة إنقاذ حيوانات، وسط سخرية واسعة على منصات التواصل من تعبير "التنزه" (Hike) الذي استُخدم لتبرير اعتداءات المستوطنين في عموم الضفة الغربية.
واعتمد الخطاب الإسرائيلي على مفردات موجهة لترسيخ الانطباع المطلوب، مقرنين الإسرائيليين بأوصاف "أطفال"، و"مدنيين"، و"متنزهين"، و"منقذي حيوانات"، مقابل وصم الفلسطينيين بـ "إرهابيين"، و"هجوم"، و"وحوش"، واستثمار صورة القتيل كأب لطفلين لصناعة التعاطف رغم صفته العسكرية الرسمية. وإلى جانب ترويج الرواية، شنت حسابات ومنظمات داعمة لإسرائيل حملة انتقادات ضد وسائل إعلام دولية مثل "الغارديان" (The Guardian)، و"واشنطن بوست" (The Washington Post)، و"بي بي سي" (BBC) لتسليطها الضوء على اعتداءات المستوطنين وإيرادها حصيلة الضحايا كاملة من الجانبين، متصدرة تلك الحملة منظمة "أونست ريبورتينغ" (Honest Reporting) المعنية بالضغط نحو تبني الرواية الإسرائيلية في التغطيات الغربية.
وعلى صعيد البيانات الرسمية، نقلت إذاعة "الجيش الإسرائيلي" عن مصدر أمني أن اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية شهدت ارتفاعاً بنسبة 63 بالمئة خلال النصف الأول من عام 2026 مقارنة بالفترة ذاتها من العام السابق، مع تسجيل عشرات الاعتداءات خلال عطلة نهاية أسبوع واحدة، وهي أرقام تنسجم مع التقارير الحقوقية الموثقة لتصاعد العنف الاستيطاني بعيداً عن السردية المروجة.
وجاءت هذه الرسائل المتطابقة في المضمون والمفردات ضمن منظومة "الهسبارا" العبرية المعنية بالشرح والتفسير، وهي جهاز دعائي رسمي تشرف عليه مؤسسات الدولة لتشكيل الرأي العام الناطق بالإنجليزية عبر تبديل أدوار المعتدي والضحية وصياغة حقائق بديلة. ويمثل هذا السلوك نموذجاً لـ "التضخيم المنسق" (coordinated amplification) الذي يوهم المتابع بأن الرسائل تصدر عن مصادر مستقلة متعددة بينما هي تكرار لخطاب مركزي واحد يهدف للتحكم بسرد الأحداث كلما تعرضت الصورة الإسرائيلية للتهديد أمام الرأي العام الدولي.
لا تتبنى الإشراق بالضرورة الآراء والتوصيفات المذكورة.