16/05/2026
أمن 59 قراءة
لا مكان لزكي الأرسوزي في سوريا التركية!

الاشراق
الاشراق | متابعة.
لا تتعلق معركة الأسماء الجارية في سوريا بمجرد تبديل لافتات الشوارع والمدارس، بل بإعادة صياغة الذاكرة الوطنية نفسها. من حذف أسماء قادة المقاومة ورموز القومية العربية إلى تهميش شخصيات ثقافية وتاريخية، تكشف القرارات الجديدة صراعاً أعمق حول الهوية السورية، وعلاقتها بتاريخها السياسي والعربي والعثماني
«بدهم أسامي تاريخية إلها معاني ومواقف بماضينا البعيد، أبو جنادى، مثلاً المستجزر ابن سجنجن كاسر من كواسر العرب». هذا جزء من حوار في إحدى حلقات مسلسل «مرايا»، يدور حول لجنة شُكّلت لتغيير أسماء الشوارع والأحياء والمعالم.
يمكن تخيل هذا المشهد يتكرر اليوم، مع توالي المقترحات والقرارات الصادرة عن محافظات سورية لتبديل أسماء الشوارع والمدارس منذ بدء عمل الحكومة السورية المؤقتة. وإذا كانت هذه التغييرات قد بدأت بأسماء مرتبطة برموز النظام السابق، فإنها سرعان ما توسعت لتطال شخصيات وتواريخ وطنية شكلت جزءاً من الذاكرة السورية الجمعية.
دخل «الحابل بالنابل»
بعد الإصرار على تفريغ حرب تشرين التحريرية، التي خاضتها سوريا إلى جانب مصر ضد «إسرائيل» عام 1973، من معناها، واعتبارها حرباً خاسرة لا تستحق الاحتفاء بذكراها، أُعلن عن إلغاء اسم «تشرين» والعودة إلى الاسم القديم لجامعة اللاذقية المؤسسة عام 1971.
ورغم أن نادي «تشرين» الرياضي رفض الضغوط وأصر على الاحتفاظ باسمه، فإنّ شخصيات عدة ارتبطت بالحرب وجدت نفسها في مواجهة موجة التغيير، من بينها مدارس حملت أسماء شهداء وأبطال حروب خاضها العرب ضد «إسرائيل»، مثل مدرسة الطيار الحربي فايز منصور الذي عبّر السوريون عن غضبهم من نزع اسمه عن أحد مدارس المزة التي ينحدر منها، متسائلين «هل يعرفون شيئاً عن تاريخ الرجل وسيرته المهنية والوطنية؟».
وتغيير اسم شارع في حمص ليصبح «شارع 18 نيسان» بدلاً من اسم البطل المصري عبد المنعم رياض الذي استشهد خلال حرب الاستنزاف عام 1969. وجرى التراجع عن تغيير اسم الشارع لاحقاً، خشية أن يُفهم الأمر على أنه إساءة أو خصومة مع مصر بعد شن الإعلام المصري هجوماً على النظام السوري الجديد، مع التذكير بأنّ مصر ستبقى تعتز بأسماء الكثير من السوريين في مصر كالأبطال جول جمال وسليمان الحلبي وشكري القوتلي.
من هم؟
اللافت كان اندفاع السوريين للبحث عن أسباب هذه التغييرات، في ظل غياب أي تبرير واضح لهذا الجهد الذي بدا لكثيرين غير ضروري. دفع ذلك عدداً من الشباب إلى إعادة اكتشاف شخصيات من تاريخهم الوطني، مثل الشهيد محمود الحوري، بعدما تحول اسم المدرسة التي تحمل اسمه إلى «مدرسة أشبال المحافظة». وبعد البحث، تبيّن أنه أحد أبطال الجمهورية العربية السورية، وقد مُنح هذا اللقب بعد تدميره أكثر من أربعين دبابة إسرائيلية خلال الحرب، فيما تجمع عدد من الرفاق القدامى ضمن مجموعات بعد معرفة تغيير اسم مدرستهم.
شمل الحذف الطبيب والروائي السوري عبد السلام العجيلي
في المقابل، تتبّع آخرون أسباب إزالة اسم الشيخ صالح العلي، قائد الثورة السورية في الساحل، من أحد شوارع حمص، قبل إعادة إطلاقه على شارع آخر، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً. وأشار بعض المتابعين إلى أنّ الدافع قد يكون طائفياً، إذ يصبح اسم الشارع معبّراً عن طائفة الغالبية السكانية فيه. كما طالت التغييرات اسم قائد الثورة السورية الكبرى سلطان باشا الأطرش، ما عزّز لدى كثيرين الانطباع بأن الاعتبارات الطائفية تلعب دوراً أساسياً في هذه القرارات.
ليست الطائفية وحدها!
ومع غياب أسباب مباشرة وواضحة، كارتباط الشخصيات بالنظام السابق أو تورطها في أعمال تحريضية أو تخريبية، بدا أنّ التفسيرات الطائفية وحدها غير كافية لفهم ما يجري. إذ طالت التغييرات أيضاً شخصيات من التاريخ السوري الحديث عُرفت بقيمتها الثقافية والأكاديمية والسياسية والرمزية، مثل خالد الأسعد، عالم الآثار ومدير متحف تدمر، الذي لُقّب بـ«حارس تدمر الأمين» بعد إعدامه على يد تنظيم «داعش»، بسبب رفضه الكشف عن أماكن حفظ آثار المدينة. كما شملت التغييرات الطبيب والروائي السوري عبد السلام العجيلي، الذي رفض خلال حياته ونشاطه الثقافي والسياسي الاستقرار خارج الرقة رغم العروض والإغراءات الكثيرة التي قُدّمت له، وظل يؤمن بحقّ أرضه عليه وبأن العقل شرط أساسي للتحرر والتقدم.
نهاية القومية العربية؟
ورغم أنّ تغيير أسماء الشوارع في بلد يواجه أزمات كبرى كسوريا قد يبدو نوعاً من الترف أو الإلهاء، فإنّ بعض هذه القرارات يحمل دلالات تتجاوز البعد الإداري، لتشير إلى نهاية مرحلة وبداية أخرى. ومن أبرز الأمثلة على ذلك التوقف عن الاحتفاء بذكرى شهداء السادس من أيار، الذين أعدمهم جمال باشا «السفاح»، وهي الذكرى التي رأى بعضهم في تهميشها محاولةً لإعادة ضبط السردية التاريخية السورية، بما يفتح الباب للتصالح مع الحقبة العثمانية على حساب مرحلة الاستقلال وصعود القومية العربية.
وفي هذا السياق يمكن فهم حذف اسم زكي الأرسوزي، أحد أبرز مؤسسي الفكر القومي العربي، الذي شارك في مقاومة الفرنسيين بعد اقتطاع لواء إسكندرون من سوريا وضمّه إلى تركيا. وهكذا، تبدو معركة الأسماء أبعد من مجرد تبديل لافتات، لتتحول إلى جزء من تحولات أعمق تمسّ الهوية السورية نفسها، وطريقة قراءة تاريخها وتخيّل مستقبلها.
بقلم مروة جردي.