المثقفون العرب ودول الخليج: حيـن انتقل المال ولم ينتقل التاريخ!

ishraq

الاشراق

الاشراق | متابعة.

منذ التسعينيات، تغيّر مركز إدارة الثقافة العربية مع صعود المؤسسات الخليجية وتمدد نفوذها المالي والإعلامي. لكن هذا الانتقال كشف فجوة بين امتلاك المنصات وامتلاك الشرعية الرمزية، وأعاد طرح أسئلة حول موقع المثقف العربي، وحدود تأثير المؤسسات، وعلاقة المال بإنتاج المعنى داخل المجال الثقافي العربي المعاصر.


كشفت الحرب الأخيرة على إيران حقيقةً قديمة لم تحسم داخل المجال الثقافي العربي وهي أن دول الخليج لم تنجح رغم قوتها المالية الهائلة وحضورها الإعلامي والمؤسسي في إنتاج تعاطف عربي واسع حتى وهي تتعرض لهجمات مباشرة من قبل إيران. لم يكن هذا الغياب مجرد موقف سياسي عابر، بل نتيجة تاريخ طويل من التوتر بين المجال الثقافي العربي والبنية الريعية التي صعدت منذ نهاية القرن العشرين إلى موقع المركز المالي من دون أن تتحول إلى مركز رمزي.

هذه المفارقة ليست جديدة. فقد ظهرت بصورة حادة سنة 1990، حين انقسم المثقفون العرب حول غزو الكويت، واصطف كثير منهم، بصمت أو بحماسة، إلى جانب العراق. عند تلك اللحظة أدركت دول الخليج أنّ المشكلة لا تتعلق بالأمن فقط، بل بالموقع داخل المخيال العربي نفسه. فلم تكن المسألة في واقع الأمر حماية الحدود، بل حماية الشرعية. والسؤال المطروح ذلك الوقت: كيف يمكن فهم هذه المجتمعات وهي عربية من دون شك داخل التاريخ العربي؟

منذ ذلك التاريخ، بدأت عملية واسعة لإعادة تنظيم المجال الثقافي العربي عبر الاستثمار في الصحافة، ودور النشر، والجامعات الخاصة، والجوائز الأدبية، والمهرجانات، ومراكز الأبحاث. لم يكن الهدف إنتاج مدرسة فكرية جديدة، بل إعادة توزيع مواقع الثقافة نفسها. وهكذا نشأت منظومة مؤسسات قوية قادرة على تمويل الثقافة العربية، لكنها لم تستطع إنتاج معنى عربي جديد لها وتغيير مزاج الجمهور منها.

داخل هذه اللحظة، ظهر نمط جديد من المثقفين يمكن تسميته بالمثقف المستخلِج. ليس المقصود هنا المثقف الخليجي، بل المثقف العربي الذي يعمل مع المؤسسات الخليجية، وتحوّل تدريجياً إلى جزء من جهازها الثقافي. هذا المثقف ليس المطلوب منه أن يمدح، أو أن يبرر، لكن مطلوب منه أن يعيد ترتيب أولويات النقد نفسها. صار نقد الدولة الوطنية في المشرق موضوعاً مركزياً، بينما خرج نقد الدولة الريعية من المجال التداولي العام.

بهذا المعنى، لم يكن استخلاج المثقفين عملية شراء مباشرة، بل إعادة تنظيم لشروط إنتاج الخطاب الثقافي العربي نفسه. فلم يعد المثقف هنا يعمل داخل صراع اجتماعي واضح كما كان يحدث في زمن الدولة الوطنية، بل داخل شبكة مؤسسات تنظّم ما يمكن قوله. وهكذا تحوّل تدريجياً من ضمير تاريخي إلى فاعل مؤسسي.

لكن المشكلة الأعمق لم تكن في انتقال المثقف إلى المؤسسة، بل في فشل المؤسسة نفسها في التحول إلى مركز اعتراف عربي. فقد نجحت من دون شك في بناء منصات قوية، لكنها لم تنجح في إنتاج مخيال ثقافي عربي جديد. ولهذا بقي المثقف المستخلج يخاطب جمهوراً محدوداً داخل المجال الذي تنظمه هذه المؤسسات، بينما فقد قدرته على التأثير في المجال الثقافي العربي الأوسع.

هنا تحديداً يظهر التناقض الذي يحكم الثقافة العربية منذ التسعينيات وهو انتقال مركز التمويل من دون انتقال مركز الشرعية. لقد أصبح الخليج مركز إدارة الثقافة العربية، لكنه لم يتحول إلى مركز إنتاج معناها. ومن داخل هذا الفراغ الرمزي، ولد المثقف المستخلج بوصفه أحد أعراض التحول، لا بوصفه حلاً له.

الخليجي في المخيال العربي: ثروة بلا تاريخ أم تاريخ بلا اعتراف؟
قبل أن يتحول الخليج إلى مركز تمويل الثقافة العربية بعد 1991، كان قد استقر داخل المخيال العربي الحديث بوصفه فضاءً يقع خارج التاريخ الاجتماعي الذي صنعت فيه المدن الكبرى معنى الحداثة. لم يظهر بوصفه مجتمعاً ينتج طبقاته وصراعاته ومثقفيه، بل بوصفه اقتصاداً ريعياً يملك المال من دون أن يملك السردية التي تمنح المال شرعيته. ولهذا لم تكن صورة الخليجي في الرواية والصحافة والنكتة السياسية مجرد صورة اجتماعية، بل حكماً تاريخياً كاملاً على موقعه داخل الزمن العربي الحديث.

صار نقد الدولة الوطنية في المشرق موضوعاً مركزياً، بينما خرج نقد الدولة الريعية من المجال التداولي العام

في هذا المخيال، لم يكن الخليج مختلفاً فقط، إنما ناقص الشروط التي تجعله قابلاً لأن يكون موضوعاً للفكر. فهو لم ينتج أحزاباً كبرى، ولا انقلابات، ولا سجالات أيديولوجية، ولا طبقة عاملة صناعية، ولا برجوازية وطنية حديثة. ومن دون هذه العناصر، لم يكن ممكناً إدخاله في السردية التي كتب بها المثقف العربي تاريخ القرن العشرين. هكذا ظهر بوصفه مجتمعاً محافظاً يملك الثروة لكنه لا ينتج المعنى.

وهنالك أمر مهم وشائع أنّ الخليج استُبعد بسبب الفكر القومي واليساري وهذا أمر لا صحة له، فلم يكن استبعاد الخليج من المجال الرمزي للحداثة العربية نتيجة القراءة القومية وحدها، بل شارك فيه أيضاً الخطاب الحداثي واليميني والليبرالي أيضاً. يظهر ذلك بوضوح في الصراع الذي دار في الستينيات بين مجلة «الآداب» ومجلة «شعر»، وهو صراع لم يكن أدبياً خالصاً حول الوزن الخليلي أو قصيدة النثر، بل كان صراعاً على تعريف المجال العربي نفسه: مَن يملك حق تمثيله؟ وأيّ العرب يدخلون في هذا التعريف؟ وأيّهم مستبعدون منه بوصفهم بقايا سابقة على الحداثة؟

لم يقرأ خطاب شعر العروبة بوصفها فضاءً ثقافياً جامعاً، بل بوصفها بنية تقليدية مغلقة مرتبطة باللغة الفقهية للإسلام، والبلاغة الكلاسيكية، والقبيلة، والدولة السلطانية. وحتى لو لم يكن الخليج موضوعاً مباشراً لهذا النقد، لكنه ظهر ضمنياً بوصفه الامتداد الاجتماعي الأكثر صفاءً لهذا النموذج العربي الذي ينبغي تجاوزه كي يولد العربي الجديد. وهكذا دخل الخليج إلى المخيال الحداثي العربي لا بوصفه مجتمعاً مختلفاً، بل بوصفه المثال الحيّ لما يجب تجاوزه تاريخياً.

أما «الآداب»، فقد دافعت عن العروبة بوصفها مشروعاً تحررياً حديثاً وعن اللغة العربية بوصفها فضاء وحدة سياسية وثقافية، لكنها أخرجت الخليج من هذا التمثيل. فقد ظل الخليج داخل خطابها فضاءً تقليدياً يقع خارج المدن التي تصنع التاريخ العربي الحديث. بهذا المعنى، سبق استبعاد الخليج صعوده المالي بوقت طويل. لقد تم إنتاج الخليج داخل جهاز الحداثة العربية نفسه بوصفه العربي الزائد عن مشروعها، قبل أن يتحول لاحقاً إلى هدف نقدها.

الشيخ النفطي من الصحافة الغربية إلى المخيال العربي
عزّزت الصحافة الغربية هذه الصورة وهي التي رشحتها. فقد تحولت شخصية «الشيخ النفطي» إلى نمط بصري ثابت: جسد مغمور بالذهب، تحيط به السيارات والنساء، يحمل ثروة لا تُفسَّر داخل منطق العمل الصناعي الحديث. لم تكن هذه الصورة مجرد سخرية استعمارية، بل ترجمة رمزية لموقع الريع داخل النظام العالمي: مال بلا تاريخ، قوة بلا تراكم، حضور بلا ذاكرة سياسية. ثم تسرّب هذا التمثيل إلى الخطاب العربي نفسه وأعيد استخدامه داخل مشروع التحديث العربي بوصفه دليلاً على تأخر الخليج وعلى اختلافه عن البلاد العربية الأخرى.

لهذا ظهر الخليجي في عدد كبير من النصوص السردية بوصفه شخصية تقع خارج المجال السياسي الحديث، وبوصفه نموذجاً اجتماعياً يختصر فكرة الثروة غير المنتجة. في رواية «بيروت بيروت» (1984) لصنع الله إبراهيم مثلاً، لا يظهر الخليجي شخصية روائية كاملة، بل علامة ثقافية على غياب الوعي السياسي. وفي رواية «مدن الملح» (1984) لعبد الرحمن منيف لا يظهر النفط مورداً اقتصادياً فقط، بل قوة اقتحمت مجتمعاً قبل أن يدخل زمن التاريخ الاجتماعي الحديث. هذه الأعمال لم تصف الخليج فقط، إنما أعادت تثبيت موقعه الرمزي داخل المخيال العربي.

بقيت هذه الصورة حية حتى بعد انتقال مركز التمويل الثقافي إلى الخليج نفسه. فقد استطاعت المؤسسات الجديدة أن تنقل الصحافة العربية، وأن تموّل الجوائز، وأن تدعم الترجمة، وأن تعيد تنظيم الحقل الأدبي، لكنها لم تستطع أن تمحو الصورة القديمة من الوعي العربي العام. بقي الخليج مركزاً مالياً من دون أن يتحول إلى مركز اعتراف، وبقي قادراً على تنظيم الثقافة لكنه لم يصبح قادراً على تعريفها.

وهنا تظهر أزمة المثقف المستخلج بوضوح. فهو يعمل داخل مؤسسات قوية، يكتب في صحف واسعة الانتشار، يشارك في لجان تحكيم وجوائز ومؤتمرات، لكنه يتحرك داخل فضاء لا يعترف به المجال الثقافي العربي بوصفه مركزاً لإنتاج المعنى. ولذلك بدا صوته واسع الانتشار مؤسسياً، محدود التأثير تاريخياً. لقد أصبح جزءاً من جهاز ثقافي قوي، لكنه لم يصبح جزءاً من ذاكرة ثقافية عربية مشتركة.

بهذا المعنى، لم يكن انتقال الثقافة العربية إلى الخليج انتقالاً لمركزها، بل انتقالاً لإدارتها فقط. الفرق بين الاثنين هو الفرق بين من يملك المنصة ومن يملك التاريخ. الأول يستطيع تنظيم الخطاب، أما الثاني، فيستطيع تعريفه. وهنا تحديداً بدأ التوتر الذي سيولّد لاحقاً ظاهرة استخلاج المثقفين العرب بوصفها محاولة لسد فجوة لم تنجح المؤسسات نفسها في سدها.

1991: حين انتقل مركز الثقافة من المدينة إلى المؤسسة
لم تكن حرب الخليج سنة 1991 حدثاً عسكرياً أعاد رسم خرائط القوة السياسية في المنطقة فقط، بل كانت لحظة فاصلة في تاريخ الثقافة العربية نفسها. في تلك اللحظة، لم يسقط توازن إقليمي فحسب، بل سقط أيضاً الترتيب القديم للحقل الثقافي العربي الذي كانت تتحكم فيه مدن مثل القاهرة وبيروت وبغداد ودمشق. هذه المدن لم تكن مجرد عواصم سياسية، بل كانت معامل إنتاج المعنى العربي الحديث: الصحافة الكبرى، الجامعات، الأحزاب، السجالات الفكرية، والترجمات التي صاغت صورة العالم داخل اللغة العربية. بعد 1991، بدأ هذا المركز يفقد موارده المادية، ومعها بدأ يفقد قدرته على تنظيم المجال الثقافي.

في المقابل، صعد الخليج بوصفه الفضاء الوحيد القادر على تمويل الثقافة العربية العابرة للحدود. وهكذا ظهرت صحف دولية عربية جديدة، وتوسعت دور نشر، وتأسست جامعات عالمية، ونشأت جوائز أدبية ضخمة، وبدأت مؤتمرات ومراكز أبحاث تعمل بإيقاع منتظم داخل شبكة مؤسسات واسعة التمويل. وهذا التوسع لم يكن توسعاً ثقافياً طبيعياً، إنما إعادة توزيع لرأس المال داخل المجال الثقافي نفسه.

بهذا المعنى، لم تنتقل الثقافة العربية إلى الخليج لأنها اقتنعت بمشروع فكري جديد، بل لأنها فقدت شروطها المادية القديمة. حين انهارت بغداد تحت الحصار، وانكمشت القاهرة اقتصادياً، وتراجعت بيروت بعد الحرب، لم يبق أي فضاء عربي آخر قادراً على تمويل الثقافة العربية إلا المدن النفطية. وهكذا تحولت هذه المدن إلى مركز إدارة الثقافة لا إلى مركز إنتاجها النظري. الفرق بين الاثنين حاسم: الأول ينظم الحقل، أما الثاني، فيحدد اتجاهه التاريخي.

حين انهارت بغداد وانكمشت القاهرة وتراجعت بيروت، لم يبق أي فضاء عربي آخر قادراً على تمويل الثقافة العربية إلا المدن النفطية

لقد تغير داخل هذا التحول موقع المثقف نفسه. لم يعد المثقف يعمل داخل جهاز أيديولوجي وطني واضح كما في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، بل داخل شبكة مؤسسات ترتبط بدولة أخرى.

كما أنّه لم يعد مرتبطاً بحزب أو نقابة أو صحيفة وطنية إنما بمؤتمر، أو لجنة تحكيم، أو برنامج ترجمة، أو إقامة أدبية، أو مركز أبحاث. وهكذا تحول تدريجياً من فاعل سياسي إلى خبير ثقافي لأنه لم يعد ينتج خطاباً موجهاً إلى المجتمع، بل غالباً ينتج خطاباً قابلاً للتداول داخل مؤسسة.

هنا ظهر المثقف المستخلج بوصفه الشكل الجديد للمثقف العربي بعد عام 1991. لم يُفرض خطاب محدد عليه، لكنه وجد نفسه داخل فضاء يعيد ترتيب أولويات الكلام نفسه. صار نقد الدولة الوطنية في المشرق العربي موضوعاً مشروعاً ومطلوباً ومركزياً، بينما أصبح نقد الدولة الريعية موضوعاً ممنوعاً وغير قابل للتداول. ربما لا يحدث هذا عبر المنع صراحة، بل عبر إعادة تعريف ما يستحق القول أصلاً. هذه هي آلية السلطة الحديثة داخل الثقافة تمنع الكلام من خلال تنظيم شروط ظهوره.

ومع توسع اقتصاد الجوائز والمؤتمرات والترجمة السريعة، تحولت الثقافة العربية إلى فضاء تدوير رمزي واسع. صار النص ينتقل بسرعة بين المنصات، ويتم الاحتفاء به داخل شبكات الاعتراف المؤسسي، لكنه يفقد تدريجياً موقعه داخل الصراع الاجتماعي الذي كان يمنحه ثقله التاريخي. فالنقد لم ينته، لكنه فقد وظيفته القديمة ولم يعد قوة تغيير بقدر ما صار جزءاً من دورة تداول ثقافي منظم.

بهذا المعنى، لم تكن سنة 1991 مجرد بداية صعود الخليج الثقافي، بل بداية نهاية المثقف العربي كما عرفه القرن العشرون. منذ تلك اللحظة، لم يعد المثقف يعيش داخل مدينة، بل داخل مؤسسة. ولم يعد يخاطب مجتمعاً، بل شبكة اعتراف. ومن هنا تحديداً بدأت ظاهرة استخلاج المثقفين تتحوّل من حالة فردية إلى بنية عامة داخل الثقافة العربية الحديثة.

المثقف المستخلج: حين امتلك المنصّة وخسر الجمهور
المفارقة التي حكمت الثقافة العربية منذ التسعينيات لم تكن في انتقالها إلى الخليج، بل في طبيعة هذا الانتقال نفسه. فقد انتقلت الموارد والمؤسسات والمنصّات، لكن الشرعية الرمزية بقيت معلّقة خارجها. وهذا ما جعل ظاهرة المثقف المستخلج تبدو، منذ البداية، ظاهرةً قوية مؤسسياً وضعيفة تاريخياً.

لم يكن ذلك نتيجة عجز فردي لدى المثقفين الذين عملوا داخل المؤسسات الخليجية، بل نتيجة موقعهم داخل بنية ثقافية جديدة أعادت تنظيم شروط الاعتراف.

صار المثقف يتحرك داخل شبكة قوية من الجوائز والمهرجانات والمؤتمرات والصحف العابرة للحدود، لكنه فقد علاقته بالمجال الذي يمنح النص العربي ثقله التاريخي. لم يعد يخاطب مجتمعاً عربياً عاماً، بل جمهوراً مؤسسياً محدداً. ومع مرور الوقت، تحولت كتابته من خطاب موجّه إلى المجال العربي، إلى خطاب موجّه إلى شبكة الاعتراف التي يعمل داخلها.

في هذا السياق، تشكّلت ليبرالية عربية جديدة ذات وظيفة محددة داخل الاقتصاد الثقافي الريعي. لم تعد الليبرالية خطاباً لتحرير المجال السياسي العربي بقدر ما أصبحت خطاباً لإعادة ترتيب موضوعات النقد. جرى تفكيك الدولة الوطنية في المشرق بوصفها أصل الأزمة، بينما بقيت الدولة الريعية السلطانية خارج التحليل البنيوي. لم يكن هذا نتيجة رقابة مباشرة، بل نتيجة موقع داخل جهاز الاعتراف نفسه. ما لا يدخل في شبكة التداول لا يتحول إلى موضوع ثقافي عام، مهما كان مركزياً في تفسير التحولات العربية.

أدى ذلك إلى إعادة تنظيم الذاكرة السياسية العربية نفسها. لم تعد التجربة القومية محاولة لبناء دولة حديثة في سياق ما بعد الاستعمار، بل بوصفها بداية الانحراف التاريخي. ولم تعد تجربة اليسار مشروعاً لتغيير البنية الاجتماعية، بل بوصفها جزءاً من تاريخ الدولة الأمنية. هكذا خرج الاقتصاد الريعي من مركز التفسير ودخل موقع الخلفية الصامتة التي تنظّم شروط الخطاب من دون أن تظهر داخله.

لهذا لم يتحول الخليج إلى مركز ثقافي عربي كامل، ولم يتحول المثقف المستخلج إلى مثقف مرجعي في المجال العربي، بل بقي جزءاً من جهاز إدارة الثقافة لا جهاز إنتاج معناها. وهذه هي المفارقة التي ما زالت تحكم الثقافة العربية حتى اليوم: انتقال المركز المادي من دون انتقال المركز الرمزي وظهور شبكة ثقافية واسعة النفوذ من دون جمهور عربي يرى فيها امتداداً لتاريخه.

الحرب الأخيرة والاستياء الخليجي
إنّ السبب الأعمق في الاستياء الخليجي من ضعف التعاطف العربي في الحرب الأخيرة على إيران، لا يكمن في قوة الصورة القديمة عن الخليج فقط، بل في الطريقة التي حاول أن يعالج بها إخفاقه.

لم يسع في معظم الحالات إلى بناء مؤسسات ثقافية رصينة مستقلة قادرة على إنتاج شرعية معرفية طويلة المدى، ولم يعمل على توسيع تجربة ديمقراطية داخل المجال الثقافي تسمح بتعدد الأصوات واختلافها وتوترها الخلّاق، إنما اعتمد غالباً على شبكة من المثقفين الجاهزين للاندماج السريع داخل جهاز الاعتراف المؤسسي مقابل الامتيازات والفرص. وهكذا تحوّل المثقف المستخلج من وسيط تاريخي محتمل إلى موظف رمزي داخل منظومة توزيع المكانة.

وبدلاً من أن تخلق دول الخليج فضاءً ثقافياً حراً يجذب الاعتراف العربي من داخله، أعادت إنتاج نموذج الدولة الأمنية التي طالما انتقدها المثقف العربي في المشرق، ولكن بصورة مختلفة. لم تمنع مؤسساته الكلام صراحة لكن جرى ترتيب شروط ظهوره، ولم تقمع الدولة الاختلافات مباشرة، لكن جرى استبعادها من دوائر التداول المؤثرة.

كما لم تفرض منصاته الإعلامية سردية واحدة، لكن جرى تضييق المجال الذي يمكن أن تولد فيه السرديات الأخرى. وهكذا لم يتحول الاستثمار الثقافي إلى مشروع تاريخي، بل بقي إعجاباً مؤسسياً بالعمران من دون ثقة فعلية بفعاليتها الحضارية.

لهذا لم يكن غياب التعاطف العربي في الحرب الأخيرة حادثة عابرة، بل نتيجة منطقية لمسار طويل جرى فيه تمويل الثقافة من دون تحريرها، وتوسيع المنصات من دون توسيع المجال، واستدعاء المثقف من دون الاعتراف باستقلاله. وعند لحظة الاختبار الكبرى، ظهر أنّ الشرعية لا يمكن شراؤها، وأنّ التاريخ لا ينتقل مع المال مهما اتسعت شبكاته. هنا تحديداً انكشف الحد الفاصل بين امتلاك الثقافة وامتلاك معناها.

بقلم علي بدر.

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP