الأهداف الخفية للتحشيد العسكري الأميركي حول إيران

ishraq

الاشراق

الاشراق | متابعة.

حتى اللحظة تسود حالة من عدم اليقين وعدم القدرة على التنبؤ بما ستؤول إليه الأمور بين الولايات المتحدة وإيران، وليست المرة الأولى التي يصل فيها الاشتباك السياسي وغير السياسي بين الطرفين إلى حافة الهاوية، وسبق أن أعلن عن انهيار الاتصالات بين الجانين قبيل الجولة الأولى من المفاوضات الأخيرة التي عُقدت في مسقط قبل أن يتبدل السياق ويعلن عن انطلاق تلك الجولة من المفاوضات التي تبعتها جولة ثانية في جنيف.

وعلى الرغم من التصريحات الإيجابية الصادرة عن الطرفين عقب جولتي التفاوض فإن لغة التهديد والتصعيد بينهما ما زالت هي المسيطرة وخاصة من قبل الجانب الأميركي وكبار مسؤوليه وعلى رأسهم الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وفي ظل التحشيد العسكري الأميركي الهائل الذي وُصف بأنه الأكبر في المنطقة منذ الحرب الأميركية على العراق، يبقى السؤال الأكثر طرحاً اليوم على لسان معظم السياسيين والمهتمين والمتابعين "هل سيعلن ترمب الحرب على إيران أم لا؟ 

يعكس الإضطراب الواضح عند صانع القرار الأميركي عدم القدرة على التنبؤ بنتائج الحرب المحتملة، سواء على الصعيد العسكري أم على صعيد انعكاساتها الداخلية على الناخب الأميركي والاقتصاد الأميركي، كما يعكس في الوقت نفسه حالة من عدم اليقين بالقدرة على المفاجأة والحسم من الضربة الأولى وهو ما بات يرجحه معظم الخبراء العسكريين في ظل الاستعدادات الإيرانية المعلنة وغير المعلنة، ما دفع الكثير من المحللين والخبراء إلى القول بأن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب باتت في ورطة حقيقية.

فالتراجع عن الخيار العسكري من دون اتفاق يعني الهزيمة، والاتفاق يحتاج إلى أن يكون أكثر ربحية مقارنة بالاتفاق الذي عقده الديمقراطيون مع إيران في العام 2015 وانسحب منه ترامب في العام 2018 خلال فترة رئاسته الأولى، وبالمقابل فإن خيار الحرب غير مضمونة النتائج قد يفتح الباب لحرب طويلة تشعل المنطقة برمتها وتطيح بالمكاسب التي حققتها واشنطن في الفترة الأخيرة وتعيد صياغة المعادلات الإقليمية والعالمية.

إن الانطلاق من تلك الوقائع لفهم مآلات الأحداث يبقى قاصراً من دون العودة إلى استراتيجية الأمن القومي الأميركية التي أعلنها الرئيس ترمب في نهاية العام 2025 تحت عنوان رئيسي "أميركا أولاً"، والتي شهدت تراجعاً ملحوظاً للشرق الأوسط في أولويات الأمن القومي الأميركي لصالح أميركا اللاتينية، أو ما بات يُعرف بــ "مبدأ ترمب"، وإذا كانت تلك الإستراتيجية لم تسقط الشرق الأوسط من الحسابات الأميركية وخاصة ما يتعلق منه بأمن "اسرائيل"، فإنها أخذت بعين الاعتبار ضرورة احتواء إيران لا استئصالها، إلى جانب التركيز على السلام والاستقرار في الشرق الأوسط وتحديداً في غزة.

وأسقطت كذلك مخاطر الاعتماد على مصادر الطاقة في المنطقة واستبدالها بمصادر الطاقة المحلية وفي أميركا اللاتينية، وأما فيما يتعلق بالمواجهة مع الصين فقد تضمنت الإستراتيجية الأميركية تحولاً في مفهوم الصراع معها من البعد الإيديولوجي إلى البعد الاقتصادي وخاصة ما يتعلق منه بالتكنولوجيا الرقمية والذكاء الإصطناعي والمعادن وفك الإرتباط القائم على الاعتماد عليها ونقل تلك الصناعات إلى الداخل الأميركي من دون إهمال الردع العسكري في منطقة المحيط الهادي والهندي وجنوب شرق آسيا لتأمين سلاسل التوريد اللازمة لتلك الصناعة وتأمين أسواق بديلة كالهند ودول جنوب شرق آسيا.

يقودنا ذلك إلى استنتاجات أكثر عمقاً للأهداف الأميركية الخفية التي تقف خلف سياسة الضغط القصوى ضد إيران والتي عبر التحشيد العسكري الكبير والمتواصل إلى جانب التهديدات شبه اليومية، حيث تستثمر الولايات المتحدة بهذا التكتيك الاستراتيجي بغض النظر فيما إذا كان قرارها النهائي (حرب أو لا حرب)، وليس المقصود بالاستثمار هو محاولة الحصول على تنازلات مقنعة من إيران فقط، فالولايات المتحدة تدرك بأن المفاوض الإيراني لديه من الحنكة و الصبر الكثير وقد خبرته سنواتٍ وعقوداً طويلة خلال العديد من جولات التفاوض بل المقصود هو الاستثمار بملفات إقليمية ودولية عديدة في إطار استراتيجيتها المعلنة للأمن القومي  تحت مظلة التهديد بالحرب على إيران من خلال التحشيد العسكري الهائل لإنجاز المكاسب الجيوسياسية والجيواقتصادية التي ترى واشنطن أنها بحاجة لإنجازها على وجه السرعة.

الملفات التي نجحت واشنطن في إنجازها تحت مظلة التحشيد العسكري والتلويح بالحرب: 

أولاً ؛ احتواء الهند:
نجحت الولايات المتحدة في إعادة احتواء الهند بعد سنوات من اعتماد نيودلهي سياسات شبه مستقلة قائمة على التنوع في العلاقات والتشبيك الإقتصادي والتجاري والطاقوي وحتى العسكري الذي أسهم في تغيير معادلات النفوذ في الجنوب العالمي وفي آسيا الوسطى، وهو ما فتح المجال لتعزيز التعددية القطبية، بعد أن شهدت السنوات الأخيرة تقارباً مع روسيا وصل إلى عتبة الشراكة الاستراتيجية، حيث شكلت الهند واحدة من الموردين للنفط الروسي خاصة في ظل العقوبات الغربية، وكذلك تشبيكاً مع إيران وروسيا في إطار ممر شمال - جنوب واتفاقية استثمار ميناء جابهار الإيراني، ووصولاً إلى التشبيك مع أفغانستان كمنطلق لدول آسيا الوسطى، ومؤخراً فتح المجال لإعادة تطوير العلاقات مع الصين بعد قمة شنغهاي في الصين.

يمكن ملاحظة أنه وخلال حملة الضغط القصوى على إيران و التهديد بإعلان الحرب عليها فإن واشنطن أجبرت الهند على إعادة حساباتها الاستراتيجية ودفعتها إلى توقيع اتفاقية التجارة الهندية الأميركية في أوائل شباط/فبراير الحالي بعد أن فرضت عقوبات على ميناء جابهار الإيراني وألزمت الهند بتقليص وارداتها من النفط الروسي وربما لاحقاً تقليص وارداتها العسكرية أيضاً، وهو ما يعتبر إنجازاً كبيراً لواشنطن ما كان ليتحقق لولا التخوف الهندي من نتائج العمل العسكري المحتمل ضد إيران. 

ثانياً ؛ أذربيجان وأرمينيا:
شكلت جولة نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في التاسع والعاشر من شهر شباط/فبراير الحالي والتي شملت كلاً من أرمينيا وأذربيجان نقطة تحول جديدة للحضور الأميركي في جنوب القوقاز على حساب الحليفين روسيا وإيران، وقد شملت الجولة توقيع اتفاقية شراكة استراتيجية بين الولايات المتحدة وأذربيجان، وتوقيع عدة اتفاقيات مع أرمينيا في مجال الطاقة النووية وشراء الطائرات المسيرة والذكاء الاصطناعي.

ولعل المضمون الأكثر أهمية لتلك الجولة هو المتعلق بما يعرف بممر ترامب الذي يمتد من بحر قزوين عبر أذربيجان وجنوب أرمينيا على الحدود مع إيران وصولاً إلى أوروبا عبر تركيا ليكون بديلاً عن ممر شمال - جنوب، حيث يسهم ممر ترامب في ربط آسيا الوسطى بأوروبا ويشكل مساراً حيوياً للتجارة وخطوط الطاقة، وهو ما سينتج تآكلاً للنفوذ الروسي في المنطقة وإيجاد البدائل لمصادر الطاقة الروسية وحتى الإيرانية، إلى جانب ما جرت مناقشته حول انضمام البلدين "أذربيجان و أرمينيا" إلى اتفاقات أبراهام ، وبلا شك فإن واشنطن انتهزت التحشيد العسكري حول إيران لتشجيع باكو ويريفان للتعجيل بتلك الاتفاقيات في ظل انشغال طهران ومعها موسكو في مواجهة التهديدات التي تحيط بإيران.

ثالثاً؛ غزة ومجلس السلام الترامبي: 
تمكنت إدارة ترمب من عقد الاجتماع الأول لمجلس "السلام العالمي" حول غزة في العاصمة الأميركية واشنطن بحضور قادة وممثلين من 40 دولة برئاسة ترامب، ونجحت واشنطن في جمع تبرعات بلغت قيمتها 17 مليار دولار تحت عنوان إعادة إعمار غزة ، كما تعهد العديد من الدول ومنها دول عربية وإسلامية بإرسال قواتها للمشاركة في قوة حفظ السلام المزمع تشكيلها في غزة، وجرى استغلال الاجتماع للضغط على حركة حماس من أجل تسليم سلاحها بحسب المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، والترويج لكل من ترامب ونتنياهو كرجلي سلام، والهدف النهائي لهذا المؤتمر بات معلوماً للجميع ويتمثل بإنهاء المقاومة ووضع اليد على قطاع غزة لتحقيق أمن "إسرائيل"، إضافة إلى الأهمية الجيوسياسية للقطاع في المشاريع الإقليمية التي ترغب واشنطن من خلالها بتثبيت نفوذها في هذه المنطقة الحيوية، وتعتقد واشنطن أن اختيار هذا التوقيت لانعقاد المؤتمر كان عاملاً رئيسياً في نجاحه، بالتزامن مع الضغط الممارس على إيران، على اعتبارها الداعم الوحيد لحركات المقاومة في المنطقة وخاصة المقاومة الفلسطينية .

رابعاً؛ جزيرة دييغو غارسيا:
في ظل الخلاف الأميركي البريطاني حول اتفاق تأجير قاعدة "دييغو غارسيا" الأميركية البريطانية الواقعة في أرخبيل تشاغوس بالمحيط الهندي، بعد أن أعلنت لندن نقل سيادة تشاغوس إلى موريشيوس مع استئجار القاعدة لمدة 99 عاماً، وهو ما اعتبره ترامب خطأ كبيراً، ودعا رئيس الوزراء البريطاني ستارمر إلى التخلي عن الاتفاق واصفاً عقد الإيجار بالهش وبأنه يشكل وصمة عار في جبين حليفته العظيمة بريطانيا، واستغل ترامب الحشود العسكرية في المنطقة لتأكيد أهمية قاعدة "دييغو غارسيا" في أي عمل عسكري محتمل ضد إيران في حال فشلت المفاوضات، في محاولة منه لتعزيز الوجود الأميركي في القاعدة ، ووضع حليفه البريطاني تحت الأمر الواقع ، وهو ما استدعى رداً بريطانياً بعدم الموافقة على استخدام القاعدة في الحرب على إيران ، لكن هذا الرد لا يرقى إلى منع ترامب من تعزيز الوجود العسكري الأميركي في الجزيرة والذي بات أمراً واقعاً أرادته واشنطن في إطار استراتيجيتها للأمن القومي لتعزيز الردع العسكري في المحيط الهادئ في مواجهة الصين.

,مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن مهلة 10 أيام لتحقيق تقدم في المفاوضات مع إيران، وهو الذي سبق له القول بعيد الحولة الأولى بأنه ليس في عجلة من أمره للتوصل إلى اتفاق ، فإنه بذلك يؤكد أن واشنطن قد أنجزت ما تريد إنجازه في ملفات عديدة، وأن الاستثمار في سياسة الضغط القصوى قد حقق ما تريده واشنطن إلى الآن في مدة زمنية قصيرة، وبقي عليه البحث عن مخرج في ظل الضغوط الداخلية التي يتعرض لها سواء ما يتعلق منها بقرار المحكمة العليا حول إلغاء الرسوم الجمركية، أو قضية "أبستين"، خاصة أنه بات يشعر بالقلق من خسارته شبه المحتومة للانتخابات النصفية في الخريف المقبل.

لقد باتت ولاية ترامب الثانية في خطر مع تمكن المحافظين الجدد من التغلغل داخل إدارته والسيطرة على دوائر القرار، وهو ما عكسته التحولات في سياساته الخارجية بما يخص أوكرانيا و فنزويلا. فهل يتحول "رجل السلام" كما يصف نفسه إلى صانع الحروب ويعلن الحرب على إيران؟ أم أنه سيتمكن من التهرب من الحرب من خلال التسويق لإنجازاته.

الكاتب: محمود الأسعد

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الاشراق وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP