20/02/2026
دولي 30 قراءة
"نيويورك تايمز" تنتقد سياسات "ترامب" .. غيرت من هوية التحالفات!

الاشراق
الاشراق | متابعة.
خلف الخطابات البارزة حول القيم المشتركة والمصالح الاستراتيجية في مؤتمر "ميونيخ" للأمن في نهاية الأسبوع الماضي، دارت نقاشات أخرى ذات توجّه ربحي أكبر.
يسلّط مقال "نيويورك تايمز" الأميركية الضوء على تأثير سياسات دونالد ترامب في إعادة تسليح أوروبا وتشكيل السياسة الدولية، بما يشمل اعتماد نهج "القوة هي الحقّ" في الأمن القومي.
فيما يلي النص كاملاً منقولاً إلى العربية:
تتصاعد التوترات العالمية مع تعزيز أوروبا لقدراتها العسكرية، في ظلّ تأثير متزايد لتقلّبات سياسة دونالد ترامب على الاستقرار الدولي. تواجه الولايات المتحدة تحدّيات في الحفاظ على تحالفاتها والتأثير على ملفات مثل الصين وإيران وسط تراجع الثقة الأوروبية.
تصاعد الحشد العسكري في أوروبا وتأثير سياسة ترامب على التحالفات الدولية
يتزايد الحشد العسكري في أوروبا بشكل ملحوظ، ويسعى الجميع للاستفادة منه. لكنّ إعادة تسليح أوروبا ليست مجرّد مسألة اقتصادية، بل هي أمرٌ أكبر يجري العمل عليه. ومهما كان الفرق، إن وُجد، بين أسلوب "الشرطي الطيّب" الذي اتّبعه وزير الخارجية ماركو روبيو في "ميونيخ" هذا العام، وأسلوب "الشرطي السيّئ" الذي اتّبعه نائب الرئيس جي دي فانس العام الماضي، فإنّ تأثير السياسة الأميركية واحد: العالم يتغيّر، حقاً، والمحرّك الرئيسي لهذا التغيير هو دونالد ترامب.
استغرق الأمر وقتاً طويلاً حتى أدرك العديد من الأميركيين مدى تأثير ترامب المُزعزع للاستقرار، لكن بات الأمر واضحاً جلياً الآن.
وقد باتت ملامح اضطراب ترامب الدولي واضحة: انهيار التعدّدية، والابتعاد عن القيم الديمقراطية الليبرالية التي أرستها الحرب العالمية الثانية، وتبنّي نهج "القوة هي الحقّ" في الأمن القومي. قد تبدو هذه الأمور مجرّدة، لكن من المرجّح أن تُلمس آثارها في شوارع أميركا تماماً كما تُلمس آثار اضطرابات ترامب الداخلية.
رغم كثرة الشكاوى التي وُجّهت لإدارة ترامب في "ميونيخ"، حتى الديمقراطيون أقرّوا في الكواليس بأنّ نهج ترامب في السياسة الخارجية يُؤتي ثماره. فبعد سنوات من المحاولات، لن تحصل أميركا على توزيع أكثر عدلاً لتكاليف حلف "الناتو" من إعادة تسليح أوروبا فحسب، بل ستحصل أيضاً على صناعة دفاعية أكثر ديناميكية للحلف قادرة على الابتكار في وقت تتغيّر فيه طبيعة الحرب بسرعة.
لا تقتصر الآثار على ألمانيا فحسب، بل إنّ بريطانيا وفرنسا تزيدان أيضاً من إنفاقهما العسكري. وتزيد اليابان ميزانيتها الدفاعية. وتفعل كوريا الجنوبية الشيء نفسه، بل وتقوم ببناء أحواض بناء السفن وغيرها من المنشآت في الولايات المتحدة.
ترامب وتقلّباته تدفع أوروبا وآسيا نحو تعزيز التسليح والحماية
من الناحية المثالية، كان من شأن كلّ هذا النشاط أن يتيح للولايات المتحدة الاستثمار في أنواع الأسلحة والقدرات الجديدة التي تحتاجها لردع التوسّع الصيني في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. ولكن كما تعلّم الأميركيون، فإنّ علاج ترامب للمشكلات المزمنة غالباً ما يكون أسوأ من المرض نفسه.
إنّ احتضان ترامب للقوميين اليمينيين المتطرّفين في أنحاء أوروبا، على سبيل المثال، يُلقي بظلالٍ مقلقةٍ للغاية على إعادة تسليح ألمانيا. وقد أعرب أحد السفراء الأوروبيين السابقين لدى حلف "الناتو" عن قلقه إزاء ما سيحدث إذا ما وقعت ألمانيا المُعاد تسليحها في أيدي حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني المتطرّف، الذي يُعدّ بعض قادته من المدافعين عن النازية، والذي يتصدّر استطلاعات الرأي الوطنية. ومن أسباب تعزيز فرنسا وبريطانيا لقدراتهما العسكرية قلقهما إزاء صعود ألمانيا، وما قد يعنيه ذلك لأمنهما.
في الوقت نفسه، يدفع سلوك ترامب المتقلّب الدول غير النووية إلى البحث عن حماية خارج المظلة النووية الأميركية. ويجري المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، محادثات أولية مع باريس بشأن الحصول على الحماية من الترسانة النووية الفرنسية. وقد رحّبت بولندا ودول البلطيق بالفعل بمثل هذه المحادثات مع فرنسا. لطالما اعتُبر الانتشار النووي سيناريو كارثياً: والآن حتى اليابان وكوريا الجنوبية تتحدّثان عن إمكانية امتلاك أسلحة نووية، وإن كان ذلك نظرياً فقط.
تراجع الثقة الأوروبية يضع تحدّيات أمام الولايات المتحدة
يعتقد جزء كبير من أوروبا الآن أنّ أميركا لم تعد تشاركها قيمها أو مصالحها. كان خطاب روبيو أكثر هدوءاً من خطاب فانس، ولكن بعد عام من الهجمات، لم تعد للكلمات قيمة تُذكر.
إنّ هذا الشعور المتزايد بالاغتراب يُقوّض بالفعل هدف أميركا المتمثّل في كبح جماح الصين. ففيما يتعلّق بالتعريفات الجمركية والأمن القومي والأمن الرقمي، يتجه الأوروبيون والكنديون بشكل متزايد نحو اتباع نهج منفرد تجاه الصين وغيرها من القوى الآسيوية. ويجري الاتحاد الأوروبي وأكبر تكتل تجاري في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وهو الشراكة عبر المحيط الهادئ، محادثات أولية حول التعاون في مواجهة التعريفات الجمركية التي ينتهجها ترامب.
قد يؤثّر ذلك أيضاً على نجاح أو فشل التحدّي التالي الذي يواجهه ترامب: إيران. وفي حديثه للصحافيين في ميونيخ، سرد مارك وارنر، العضو الديمقراطي البارز في لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ، عدداً من الطرق التي يمكن للأوروبيين من خلالها مساعدة أميركا في إيران، لكنهم لا يفعلون ذلك، بدءاً من تبادل المعلومات الاستخباراتية، مروراً بالضغط على طهران لعقد اتفاق، وصولاً إلى تهريب أقمار ستارلينك الاصطناعية لمساعدة المعارضين على التواصل بأمان.
ثمّة سبيل أفضل لتحقيق أهداف أميركا الخارجية التي طال انتظارها. يمكن هيكلة الرسوم الجمركية بما يكافئ الدول التي تُنسّق سياساتها الضاغطة ضدّ الصين مع سياسات أميركا. إنّ إعادة بناء الثقة حول القيم المشتركة كحقوق الإنسان وسيادة القانون والاتفاقيات متعدّدة الأطراف من شأنه أن يُسهّل التعاون في تبادل المعلومات الاستخباراتية والضغط على الخصوم. كما أنّ إعادة تسليح أوروبا ستكون أقلّ زعزعة للاستقرار لو لم تكن الولايات المتحدة تدعم علناً مرشّحي اليمين المتطرّف.
مع بدء السياسيين الأميركيين في دراسة مواقفهم من السياسة الخارجية قبيل انتخابات عامي 2026 و2028، يجدر بالذكر وجود إجماع واسع على هذه الأفكار، ليس فقط بين الديمقراطيين، بل بين الجمهوريين أيضاً. والآن، وقد وجّه ترامب أنظاره نحو تقويض النظام الدولي، بات أمام المرشحين فرصة لإعادة بنائه بما يخدم المصالح والقيم الأميركية.
هذا ليس ما نتجه إليه على المدى القريب. ترامب قوة مدمّرة، وما زال في بداية الطريق. ليس من الواضح ما إذا كان قد فقد رغبته تماماً في ضمّ غرينلاند من الدنمارك. قد يبيع ترامب تايوان لمصالح سياسية داخلية عندما يلتقي بالرئيس الصيني شي جين بينغ في نيسان/أبريل. قد يستسلم ترامب لضغوط المتشدّدين، مثل السيناتور ليندسي غراهام، الذين يضغطون بقوة لتغيير النظام في إيران. من السهل دحض لهجة روبيو المعتدلة في ميونيخ.
إنّ التوصّل إلى توافق في الآراء حول كيفيّة إعادة بناء تحالفات أميركا ليس مجرّد فرصة سياسية، بل هو ضرورة حتميّة. فهذه ليست مشكلات ستبقى حبيسة الخارج. لقد جرّ التنافس العسكري بين القوى في أوروبا الولايات المتحدة إلى حربين عالميتين في القرن الماضي، وسيدفع الأميركيون ثمن خوضهم الحرب منفردين ضد الصين في حساباتهم المصرفية.
مع تراجع تحالفاتنا وانتشار حالة عدم الاستقرار، تتجه أميركا نحو مزيد من التورطات الدولية، لا العكس. قد يكون هذا مفاجئاً لمن ظنّوا أنّ ترامب سيكون "انعزالياً". ينبغي عليهم، وعلى خصومه، البدء بالعمل على كيفية الحدّ من هذا الضرر وإعادة بناء ما تبقّى.
لا تتبنى الاشراق بالضرورة الاراء والتوصيفات المذكورة.