08/02/2026
ثقافة و فن 29 قراءة
عن صفارات الإنذار وأشياء أخرى!

الاشراق
الاشراق | متابعة.
قبل عدة أيام، أرسل صاحب العقار رسالة لي ولعائلتي على المجموعة المشتركة بيننا في الواتسآب، يبلغنا أنّ صفّارات الإنذار ستدوّي في كلّ ربوع سويسرا، للتأكّد من مدى جودتها وفعّاليتها، حيث إنهم يقومون بذلك الفعل أربع مرات كلّ عام، خوفاً من اندلاع حرب شاملة في أوروبا أو العالم، وبالفعل بعد قرابة ساعة أو اثنتين تكرّر انطلاق صفّارات الإنذار ثلاث مرات خلال وقت قصير، بلغت مدة كلّ صفّارة من نصف دقيقة إلى دقيقة كاملة.
هذا الفعل الغريب على دولة لم تعتد الحروب، بل كانت حمامة سلام، وصليباً أحمر لكلّ القارة العجوز والعالم أيضاً، ذكّرني بمقولة قرأتها عندما كنت في الثانوية العامّة: "إذا أردت السلام؛ فكن مستعدّاً للحرب". وأخذني ذلك السؤال إلى مربّع آخر: هل كان الفلسطيني مستعدّاً للحرب طوال المعارك التي خاضها خلال تاريخ ثورتنا المشروعة؟ وما هي الاستعدادات؟ هل كنّا على دراية بمآلات الأمور؟ وهل تعلّمنا من خلال دورة التاريخ، من هو السند الحقيقي ومن هو العدو؟ من الذي يمنح الفلسطيني كلّ وسائل النضال ومن أغلق عليه الباب، تاركاً الجندي وحده يواجه مصيره مع عدو يريد اجتثاث الأمن والسلام بالمنطقة، ويسعى لتحقيق "دولة إسرائيل" الكبرى"؟ هل عرف الفلسطيني عدوه الذي يشبهه من أبناء جلدته أو أمّته؟ هل عرف ما هو الثمن؟
ربما كان الفلسطيني دائماً مستعدّاً للحرب والسلام، بينما يعيش الإسرائيلي حالة اللاسلم واللاحرب، لذلك مارس كلّ أشكال القمع والقتل خلال سنوات ممتدة، منعاً لتحقيق سياسة القوة التي تبنّتها المقاومة الفلسطينية، ومن أجل تحقيق نظرية "جزّ العشب" التي تقوم على استنزاف أيّ قوة ومنعها من التراكم كما جرى في السابع من أكتوبر، ففي الوقت الذي كان يحاصِر فيه القريب والبعيد مدينة غزة، كانت تلك المدينة تحفر الأنفاق، وتصنع سلاحها بوسائل وإمكانات متواضعة، لتقول للجميع: نحن هنا باقون، ولن يستطيع أحد اجتثاث الفلسطيني.
ولعلي في هذا المكان البعيد عن غزة، عرفت كيف استطاع أصحاب رأس المال إشغال العالم بكثير من القضايا الهامشية، كي تنفرد بالاستيلاء على مقدّرات الشعوب في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا وشرق آسيا وأميركا اللاتينية، وغيرها من الأماكن، سعياً نحو تحقيق النظام النيوليبرالي الجديد، الذي يتمثّل في شخصية إبستين السادي، قاتل الأطفال، وترامب الساذج والنرجسي الموبوء بأسقام الهمجية والعنجهية الغربية.
ولقد عرفت أيضاً أنّ كثيرين من السكان في القارة العجوز لا يعرفون شيئاً عن القضية الفلسطينية، وما أسباب الصراع بيننا وبين المحتلّين، ولربما كانت تداعيات السابع من أكتوبر أكبر ضربة للاحتلال نفسه، حين فتح كوة لكلّ العالم كي يبصر حقيقة الإجرام الصهيوني، وكي يفهموا حقيقة الصراع، الذي جعل حالة التضامن مع فلسطين بشكل علني وكبير وغير مسبوق على الإطلاق.
وفي هذا السياق أودّ أن أذكر موقفاً جرى معي بالأمس مساء، إذ كنت قد طلبت من صديقتي البولندية السويسرية التي قدّمت لنا بيتها عندما وصلنا سويسرا لنعيش فيه مجاناً لمدة ثلاثة أشهر حتى نتمكّن من إيجاد شقة أو بيت آخر، طلبت منها بأدب أن تقدّمني لجارنا الحاصل على جائزة نوبل في الكيمياء، وقد وعدتني بذلك أكثر من مرة، لكنّ الظروف لم تسمح بذلك اللقاء، وكنت كلما مررت من أمام بيته المتواضع، أثناء ذهابي إلى محطة القطار، قلت لعلي أراه، فأفتح كوة للحوار مع عاِلم عظيم، يمكن لي من خلاله إيصال صوت الأطفال الغارقين في موتهم تحت الركام.
بالفعل، مساء أمس هاتفتني صديقتي البولندية ماجدة طالبة مني الخروج لمقابلة شخص أعرفه، وحين رأيت الرجل وزوجته، اعتقدت أنهما جيران يقابلونني في السكن، لكنها حين تحدّثت مع العجوز عن حماسي لرؤية الرجل الحاصل على جائزة نوبل في مورج، حدست أنها تقصد الشخص الذي يقف أمامي، وبالفعل تبيّن لي أنه هو، جاك دوبوشيه، عالم الفيزياء الحيوية، الحاصل على العديد من الجوائز، أهمّها جائزة نوبل عام 2017.
إذ تحدّثنا كثيراً بينما يهطل المطر، عن شغفي بالقراءة والكتابة، حتى طلبت مني زوجته العجوز أن أوصلهم إلى بيتهم، فهما يعيشان وحيدين في بيت لا تتجاوز مساحته خمسين متراً مربعاً،؛ لذلك عدت إلى المنزل وأحضرت المظلّات، وخرجت معهما إلى بيتهما المتواضع جداً، وهناك شربت معهما القهوة، تحدّثنا في العلم والعالم وغزة، وقد حاولت من خلال الصور في هاتفي المحمول العمل على إظهار بشاعة الاحتلال، حتى شعرت بالغضب في عيني السيد دوبوشيه، حيث صار يضرب بقبضته على الطاولة، ويقول: المعرفة والعلم إذا لما يقودا الإنسان إلى الخير، فلا حاجة لنا بهما.
وفي تلك اللحظة أدركت أنّ العظمة الحقيقية لا تقاس بعدد الجوائز أو الشهرة المرجوة، بل بقدرة الإنسان أن يتألم لآلام الآخرين، وأن يرى المأساة البعيدة مسؤولية شخصية، وقد أدركت أننا أيضاً قادرون في كلّ مكان أن نحمل بندقية الدبلوماسية والحكايات للعالم، نخبرهم بكلّ صدق عمّا يجري في مدينتي المدمّرة، عن الأطفال الذي يموتون بلا ضجيج، تنطفئ حيواتهم وهم تحت الركام يئنون، بينما ينشغل حتى الفلسطيني في الداخل والخارج بمحاكمة أخيه الفلسطيني ومهاجمته على وسائل التواصل الاجتماعي، بدلاً من توحيد الصوت والصراخ في وجه العالم: أوقفوا الإبادة، أظهروا لنا إنسانيتكم بنبذ "دولة" الاحتلال.
من غزة ومن المنافي ومن هذا العالم المرتبك، نحن نحتاج إلى أصوات تجرؤ على الربط بين العلم والعدالة، وبين التفكير وصناعة القرار... نحن بحاجة لدبلوماسيين حقيقيين، لا يهمّهم الراتب أو المنصب، وإنما الدفاع عن أبناء شعبهم الذين يتعرّضون للإبادة في قطاع غزة، كلّ دقيقة، لعلّ شيئاً يتغيّر.
يسري الغول - كاتب وروائي فلسطيني من غزة.
إن الآراء المذكورة في هذه التدوينة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الاشراق وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً