08/02/2026
اسرة و مجتمع 26 قراءة
"ذا لانسيت" عن العقوبات الاقتصادية ..أداة قاتلة وخسائر بشرية تفوق النزاعات المسلحة

الاشراق
الاشراق | متابعة.
أفادت مجلة "ذا لانسيت" البريطانية في دراسة حديثة، بأنّ تمويل الصحة العالمية أصبح الموضوع الرئيسي للنقاش خلال عام 2025، ولا سيما عقب انعقاد المؤتمر الدولي الرابع لتمويل التنمية في مدينة إشبيلية في وقت سابق من هذا الشهر، مشيرة إلى أنّ هذا العدد يتضمّن مجموعة واسعة من الأدلة المتعلّقة بهذا الملف، وبخاصة ما يتصل بالأدوات الاقتصادية الأكثر إضراراً التي تلجأ إليها الدول في الوقت الراهن.
وذكرت المجلة أنّ تحليلاً قائماً على بيانات لوحية قدّمه فرانسيسكو رودريغيز وزملاؤه أعاد التأكيد أنّ العقوبات الاقتصادية تفضي إلى خسائر بشرية جسيمة، إذ أظهر التحليل أنّ العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي ارتبطت بمتوسط 564,258 وفاة سنوياً، مع فاصل ثقة بنسبة 95% يتراوح بين 367,838 و760,677 وفاة، وذلك خلال الفترة الممتدة من عام 1971 إلى عام 2021، لافتةً إلى أنّ هذا الرقم يفوق عدد الوفيات السنوية الناتجة عن المعارك المسلحة، والذي يُقدَّر بنحو 106,000 وفاة سنوياً.
وأضافت المجلة أنّ هذه النتائج تتوافق مع دراسة سابقة نشرتها للصحة العالمية، والتي بيّنت التأثيرات القاتلة لما يُعرف بعقوبات المساعدات، وهي العقوبات الاقتصادية التي تستهدف على وجه التحديد المساعدات الإنمائية المقدّمة إلى البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل. وفقاً لتلك الدراسة، أدّت هذه العقوبات إلى زيادة سنوية بنسبة 3.1% في وفيات الرضع وبنسبة 6.4% في وفيات الأمهات خلال الفترة من 1990 إلى 2019.
العقوبات الاقتصادية تعمل في نهاية المطاف بوصفها "عقوبات على الصحة"
وتعدّ العقوبات أدوات تقييدية في السياسة الخارجية، وغالباً ما تُفرض على نطاق واسع من المعاملات الاقتصادية، وتهدف بشكل عقابي إلى إجبار الدول المستهدفة على تغيير سلوكها، وفقاً للمجلة.
ووفقاً لقاعدة بيانات العقوبات العالمية، فقد ازداد تواتر العقوبات ومدتها بصورة مطّردة منذ عام 1950، في حين ظل معدل نجاحها في تحقيق أهدافها المعلنة عند مستوى منخفض لا يتجاوز نحو 30%.
وأكدت المجلة أنّ جميع أشكال العقوبات الاقتصادية تعمل في نهاية المطاف بوصفها "عقوبات على الصحة"، إذ تؤثّر بشكل مباشر في إمكانية الحصول على المنتجات الطبية، وفي تقديم خدمات الرعاية الصحية، وفي الصحة النفسية للمدنيين.
وأشارت إلى أنّ لهذه العقوبات آثاراً غير مباشرة تطال محدّدات الصحة الأساسية، مثل الأمن الغذائي والتنمية الاجتماعية والاقتصادية، ما يؤدّي حتماً، وأحياناً عن قصد، إلى تقويض حقّ الأفراد في الصحة، مضيفةً أنّ الآثار الصحية السلبية للعقوبات تكون أكثر حدّة على الأطفال والنساء مقارنة بالرجال، وعلى الفئات الأكثر تهميشاً في المجتمعات.
ومع انخفاض فعّالية العقوبات وارتفاع أثرها الصحي الكبير وغير المتكافئ، رأت المجلة أن تساؤلاً مشروعاً يبرز حول ما إذا كانت العقوبات الاقتصادية تقلّل فعلياً من عدد الوفيات مقارنة بالعدوان العسكري.
وأشارت "ذا لانسيت" إلى أنّ سحب المساعدات الإنمائية من قبل الولايات المتحدة وحلفائها يمكن النظر إليه على أنه شكل من أشكال العقوبات بحكم الأمر الواقع من حيث الأثر، حتى وإن اختلفت النيّات المعلنة، لافتة إلى أن هذا النهج يُعدّ أكثر خطورة، إذ إنّ تغيير سلوك الدول المستهدفة من غير المرجّح أن يؤدّي إلى تعديل هذا المسار المدمّر، على عكس ما هو الحال في معظم أنظمة العقوبات التقليدية.
وشدّدت على أنّ القادة السياسيين في الدول الغنية والقوية مطالبون بالتفكير الجادّ والتحرّك إزاء التناقض القائم بين فرض العقوبات الاقتصادية وتقليص المساعدات الإنمائية من جهة، وبين التزاماتهم الأخلاقية المعلنة بتعزيز العدالة والتنمية العالمية من جهة أخرى.
للتوجّه نحو نظام تمويل صحي وتنموي ذاتي أكثر صموداً
وفي السياق ذاته، أفادت المجلة بأنه بعيداً عن العقوبات وخفض المساعدات، يتعيّن على البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل التوجّه نحو نظام تمويل للتنمية والصحة يكون أكثر اعتماداً على الذات وأكثر قدرة على الصمود، موضحةً أنّ أحد المسارات المقترحة يتمثّل في توسيع مصادر تمويل الصحة عبر إجراءات مثل رفع المعدّلات الضريبية الهامشية على الأثرياء، وتشديد الضرائب على التبغ والكحول والمشروبات المحلّاة بالسكر.
معظمها في أفريقيا.. ربع دول العالم خضعت لنوع من العقوبات الاقتصادية بين 2010 و2022
وفي ختام دراستها، أفادت "ذا لانسيت" بأنه خلال الفترة الممتدة من 2010 إلى 2022، خضعت ربع دول العالم لنوع ما من العقوبات الاقتصادية، وكانت الغالبية من هذه الدول تقع في القارة الأفريقية، مشيرة إلى أنّ هذا التفاوت في استهداف الدول يثير تساؤلات مشروعة حول مدى استخدام العقوبات بالشكل المناسب.
وأكدت المجلة أنه إذا كان لا بدّ من اللجوء إلى العقوبات الاقتصادية، فعلى الدول التي تفرضها أن تراقب وتراجع جميع عواقبها، وأن تضع آليات خروج واضحة لمنع إطالة أمدها من دون مبرّر.
وخلُصت "ذا لانسيت" إلى أنه لا ينبغي تجاهل الأدلة المقلقة المتعلّقة بآثار العقوبات وخفض المساعدات، داعية الدول التي تمتلك القدرة على استخدام هذه الأدوات الاقتصادية إلى الموازنة بعناية بين كلفتها الصحية وما إذا كانت تمثّل ثمناً مبرّراً.