السوريون والرهان على "إسرائيل" .. جذور تاريخيّة وتجليات معاصرة

ishraq

الاشراق

الاشراق | متابعة.

أحدث الزلزال الجيوسياسي الذي ضرب منطقة غرب آسيا، في إثر انهيار النظام السياسي للأسد، تداعيات انقلابية جذرية في المجتمع السوري وتوجّهاته السياسية، ما وضع المنطقة بأكملها في أتون إعادة هندسة خريطتها الجغرافية عبر البوابة السورية المُخلَّعة، بعد أن فقدت كلّ مقوّمات المناعة والقوة والبقاء.

أخطر ما حدث في المجتمع السوري هو حالة الضياع والتشتّت، المترافقة بانقسام استقطابي سياسي تنافري، لم يشهد له مجتمع بلاد الشام مثيلاً في تاريخه المديد، من حيث الحجم والعمق والدموية على مدى خمسة عشر عاماً.

وقد تزامن هذا مع تزايد حجم الرهان على "إسرائيل" ضمن بعض الهويات الأولية وبعض الأطراف العابرة لهذه الهويات، خاصةً بعد إهدار الدم السوري في الساحل السوري وجبل العرب، وهو ما ساهم بشكل واضح وصريح في هذا التنامي، الذي نتج عنه تعاظم التهديدات بمسار اللاعودة نحو التقسيم السياسي كحلّ لمشكلة الانقسام.

تخفي هذه الرهانات دوافع متعدّدة، ناجمة عن قراءة قصيرة الأجل للسياسات الإسرائيلية الفعلية وما تريده من سوريا، واعتبار الكيان المظلة الحامية للهويات المهدّدة في وجودها وحياتها، من قبل طرف سوري يعتبر نفسه منتصراً في التحوّل المستجدّ لمسار الانقلابات السياسية المتعدّدة، التي تعود لفترة مبكرة من تاريخ ولادة الدولة المستحدثة بعد الانسحاب الفرنسي بضغط بريطاني عام 1946. ويمكن اختزال دوافع السياسات الإسرائيلية في إحداث هذا الرهان وتناميه، بعد أن أصبح الكيان جزءاً من معادلات الداخل السوري، في ثلاثة دوافع أساسية:

الأول، هو استراتيجية "إسرائيل" التي تعمل على بقاء سوريا ضعيفةً مفكّكةً منشغلةً بنفسها، ما يفقدها القدرة على تأدية دور إقليمي فاعل قد لا يخدم السياسات الإسرائيلية، بل يمكن أن يتحوّل إلى تهديد جديد. لذلك كان لا بدّ من تدمير القدرات العسكرية السورية في الأيام التالية للانهيار والتحوّل، مع تدخّل واسع وواضح في جبل العرب لدعم سكانه لإيقاف المجازر الدموية بحقّ أهله، وحسم الانقسام حول الرهان عليه بين المندفعين والرافضين. وكذلك الأمر في أحداث الساحل السوري الدموية التي لا تغيب عنها الأصابع الصهيونية، بهدف صنع ملفات ضاغطة على سلطة دمشق الجديدة كي ترضخ للسياسات والشروط الإسرائيلية، ودفع أهله للاستغاثة بالإسرائيليين.

الثاني، هو منع حضور تركي مهدّد ووازن عسكرياً وسياسياً في سوريا، وعودة ما تعتبره "إسرائيل" نفوذاً إيرانياً يتيح التواصل البري المباشر مع قوى المقاومة في فلسطين ولبنان عبر الأراضي السورية. إضافة إلى خشيتها من الإسلاميين الذين تسنَّموا السلطة في دمشق، والذين لا يستطيعون الذهاب نحو شرعنة كيان يتناقض وجودياً مع الجذر الاعتقادي العدائي الوجودي لهم. وما يمكن أن يترتّب على ذلك من تحالفات جديدة قد تنبثق على الأرض السورية بعِمادها الأساس تركيا وإيران، بعد أن جمعتهما مخاطر التفكيك بدءاً من تفكيك سوريا، وقد تنضمّ إليهما دول أخرى وخاصةً مصر والسعودية.

الثالث، هو إسقاط الإسلاميين في العالم بأمرين اثنين: إثبات العجز عن بناء دولة مدنية قادرة على العمل ضمن بيئة سورية شديدة التنوّع (حتى داخل جماعات الهوية الأولية)، بما يساهم في بناء الأسوار العازلة بين السوريين. ويساعدها على ذلك عدم امتلاك هؤلاء الخبرات الأساسية لإدارة المجتمع، وحضور الجانب العقدي في تعاملهم مع هذا التنوّع على حساب محاولة إعادة تكوين هوية وطنية سورية جامعة، أساسها عقد اجتماعي جديد يرتكز إلى قاعدة المواطنة وحدودها من الحقوق والواجبات.

والأمر الثاني هو إظهار تخلّيهم عن أهمّ ما يؤمنون به كثمن للبقاء في السلطة، وهو مركزية ورمزية المسجد الأقصى واستعادة فلسطين كمؤشّر لعودة الدور المُفتقد للإسلام كثقافة مولِّدة للحضارة، بما يسقط كلّ الإسلاميين بمختلف مدارسهم في جميع أنحاء العالم الإسلامي. وهي تعتمد بذلك أسلوب الضغوط والحوافز ("العصا والجزرة") لتحقيق ذلك.

هل حُسم الرِهان؟
يؤكّد واقع الحال أنّ التعاطي مع هذا الرهان يتباين بين المناطق الثلاث التي تنامى فيها، تبعاً لحجم وفعّالية كلّ منها.

في منطقة الجزيرة السورية، فإنّ الأمر يأخذ طابعاً غير معلن بصراحة. ولكنّ طبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة كمظلة دولية، واستثمار فرصة إعادة رسم خرائط المنطقة، يدفع بقوات سوريا الديمقراطية "قسد" لإعلاء المطالب الاستقلالية شبه الكاملة عن المركز، والذهاب نحو بناء كونفدرالية للكرد في الدول الأربع: تركيا وسوريا والعراق وإيران، وفقاً لتصريحات مظلوم عبدي التي لم تُنفَ. ويترافق ذلك مع صمت مطبق عما قامت به "إسرائيل" من تحطيم لقوة الجيش السوري بعد الانهيار، والصمت أيضاً عن مشروع "ممر داوود الإسرائيلي".

أما المنطقة الثانية التي تنامى فيها الرهان بشكل واضح وصريح فهي منطقة جبل العرب، حيث أدّت الأحداث الدموية التي لحقت بأهله دوراً كبيراً في حسم الانقسام بين من يريد البقاء تحت مظلة الدولة السورية وبين من يريد الانفصال عنها بشكل كامل، خاصةً بعد أن تدخّل "الجيش" الإسرائيلي في إيقاف عمليات القتل. ما جعل شيخ العقل، حكمت الهجري، في موقع المتحكّم بخيارات أهل الجبل، والداعي إلى انفصال رسمي، مستنداً إلى دعم إسرائيلي واضح وصريح ومجَرَّب، رغم المسؤولية الكبيرة للإسرائيليين الذين أوقعوا الجميع في فخ صناعة ملف ضاغط على الجميع وفاصل فيما بينهم.

يختلف الأمر في الساحل السوري، فالرهان على "إسرائيل" لم يظهر بشكل معلن بعد، سوى عبر بعض النشطاء في الخارج الذين يعبِّرون عن دعوات مكتومة في الداخل لا يُعرف حجمها بعد. والواقع على الأرض منقسم بين ثلاثة تيارات من الناحية الفعلية: أولها التيار الذي يقوده الشيخ غزال غزال الذي دعا لاعتصامات وأعلن مطلب الفيدرالية، ولم يصدر عنه أيّ تصريح يتضمّن رهاناً على "إسرائيل".

والتيار الثاني الذي يقوده خالد الأحمد، وهو تيار ما زال صغيراً حتى الآن ويعمل على احتواء أهل الساحل ضمن سلطة دمشق من دون مكتسبات مباشرة تمنحه قدرة التأثير، مثل رواتب متقاعدي الجيش بعد عام 2011 وعودة الضباط والعناصر الذين لم يرتكبوا جرائم.

أما التيار الثالث فهو تيار الأكثرية المترقبة لمسار الأحداث، والرافضة لكلّ أشكال الانقسام السوري سياسياً واجتماعياً، بما يتعارض مع الرهان المكتوم على "إسرائيل"، والحريصة على الحفاظ على الكرامة الإنسانية بعيداً عن الإذلال. وهو التيار الذي لا يرى مصلحة في الرهان على "إسرائيل"، ويعطي الأولوية للحياة السورية المشتركة والهوية السورية الجامعة، التي تمنح الهويات الأولية فرصتها في الحرية الاعتقادية والحفاظ على هويتها الثقافية.

هل يمكن لهذا الرهان أن ينجح؟

أحمد الدرزي - كاتب سوري
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الاشراق وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً


Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP