04/01/2026
ریاضة 34 قراءة
عندما تفقد الملاعب نبضها أمام الضجيج الصامت بين «السيلفي» و«التريند»!

الاشراق
الاشراق | متابعة.
لم تعد المدرجات، خلال كأس العرب الأخيرة وكأس أمم أفريقيا الحالية، تشبه ما اختزنته الذاكرة الكروية العربية والأفريقية لعقود، فما تشهده الملاعب اليوم ليس فقط تراجعا في مستوى التشجيع، بل هو تحول جذري في طبيعة الجمهور نفسه، من فاعل أساسي في صناعة الفرجة إلى مجرد زائر رقمي يحضر الحدث لا ليعيشه، بل ليصوره.
منذ انطلاق منافسات كأس أمم أفريقيا 2025 في المغرب، لوحظ تفاوت واضح بين الأعداد الكبيرة المعلنة للحضور الجماهيري وبين مستوى التفاعل داخل المدرجات. وفي عدد من مباريات دور المجموعات، بدت المدرجات ممتلئة جزئيا، لكنها لم تشهد الصخب المعتاد الذي ميز النسخ السابقة من البطولة. ويشكل جزء كبير من الحضور الحالي فئات لا تحضر بدافع التشجيع التقليدي، بل بهدف توثيق التجربة رقميا عبر الهواتف الذكية. ويشمل ذلك المؤثرين وأصحاب القنوات على منصات التواصل الاجتماعي الراغبين في رفع المشاهدات وتحقيق المداخيل وزيادة شهرتهم. وفي الوقت نفسه، تغيب الهتافات الجماعية والأهازيج التقليدية لتحل محلها فلاشات التصوير ومقاطع الفيديو والمحتوى القصير، ما يحول المدرجات من فضاء للتفاعل الكروي إلى مساحة للاستهلاك البصري الرقمي.
ويجسد المشجع التقليدي رؤية مختلفة لكرة القدم ولمكانتها باعتبارها ممثلة لهوية محلية وفق تحليل عبد الرحيم بورقية، أستاذ علم اجتماع الرياضة والإعلام بمعهد علوم الرياضة بجامعة الحسن الأول. والتشجيع المنظم، مع توزيع واضح للأدوار داخل المجموعة، يجعل المدرجات أشبه بآلة متقنة، وأنشطتها ذات طابع طقوسي تتحول غالبا إلى فضاءات للتعبير الاجتماعي أو الثقافي أو السياسي. ويستخدم هذا الجمهور أدوات الفعل العمومي والسياسي المشحون بالانتقادات، خصوصا ضد التهميش أو الفساد، وهو ما يفتقر إليه جمهور المناسبات الرقمية الذي يركز على التوثيق والصورة. أو ما يسميه بورقية بالمدون المؤثر مع تحفظه على مصطلح المؤثر لكونه يعتبره ظاهرة اجتماعية وفقاعة رقمية تصنعها الجماهير.
شرعية المدرجات
ويؤكد بورقية، الباحث المشارك في المركز المتوسطي للسوسيولوجيا وعلم السياسة والتاريخ في «ميزوپوليس بإيكس-مارساي» الفرنسية، أن للمشجع الحقيقي معنى وشرعية في المدرجات، فهو يشارك في صناعة تاريخ غير يقيني ويحاول التأثير في مجريات المباراة، لا مجرد التقاط «صور السيلفي» لنشرها على شبكات التواصل الاجتماعي. وقال بورقية إن حضور المشجعين يشبه مهمة أو رسالة، وبدونهم لا يمكن للفريق أن يفوز. وأضاف أن الهتافات التقليدية مثل «سير… سير… سير» تنبع من مشجعين شرسين يمتلكون شعور «نحن» الذي يعكس الخيال الجماعي، ويحول الفرد إلى فاعل، ما يعكس هوية شمولية تتجاوز الانتماءات المحلية وتبرز الوطنية والفخر بالانتماء للوطن، فضلا عن مستوى الانخراط والإبداع المتراكم على مدى سنوات طويلة، وهو ما يفتقده جمهور المناسبات الرقمي.
ولم يغب التحول في سلوك الجماهير عن الجهاز الفني للمنتخب المغربي. فقد سبق للمدرب وليد الركراكي أن عبر، في المؤتمر الصحفي الذي سبق مباراة الافتتاح، عن رفضه لما وصفه بجمهور الحلويات والسيلفي، مؤكدا أنه يريد جماهير تصم الآذان ولا تكتفي بالأكل أو التقاط الصور بين الشوطين. واستحضر الركراكي تجربته مع الوداد الرياضي حين كان يجد صعوبة في إيصال صوته للاعبين بسبب قوة الضجيج الإيجابي في المدرجات، إلى درجة أنه كان ينتظر أحيانا استراحة بين الشوطين لنقل التعليمات، في مقارنة تعكس الفارق بين مدرج الأمس ومدرج اليوم.
تحول بنيوي
ما يحدث في كأس أمم أفريقيا وقبلها كأس العرب يعكس تحولا بنيويا في هوية المشجع، حيث انتقلت المدرجات من فضاء للتعبير الجماعي والانتماء إلى فضاء استهلاكي بصري، تقاس فيه التجربة بعدد الصور والمقاطع المنشورة وعدد المشاهدات أكثر مما تقاس بحجم التأثير داخل الملعب. وتضاف إلى ذلك الرغبة الواضحة لدى بعض الحضور في الظهور الرقمي وزيادة المشاهدات على منصات التواصل الاجتماعي، إذ أصبح التوجه الأساسي للكثيرين التقاط الصور ومقاطع الفيديو بهدف رفع عدد المشاركات والإعجابات، وتحقيق التفاعل على صفحات التواصل الاجتماعي والقنوات الشخصية أكثر من متابعة مجريات المباراة نفسها.
والنتيجة الميدانية للتحولات السابقة هي سيطرة جماهير بلا خلفية رياضية أو جماهيرية أصيلة على المشهد في المدرجات، كما يتضح من مقتطفات استجوابات المشجعين مع وسائل الإعلام. فقد أبدى بعض الحضور ملاحظات حول تفاصيل فنية وتكتيكية، لكنها كشفت عن جهل بأساسيات اللعبة، مثل اختيار لاعبين لم يعودوا أساسيين منذ مدة أو الإشادة بلاعب كان الأسوأ في المباراة.
ويستطرد الباحث السوسيولوجي في تحليل الظاهرة قائلا: «إنها مسرحة للذات وليست دعما حقيقيا للفريق، فهذا هو الشعار الضمني للمؤثرين. حضورهم في المدرجات لا يهدف إلى مساندة الفريق أو التأثير في مجريات المباراة، بل إلى إبراز أنفسهم وصناعة صورة رقمية قابلة للاستهلاك على منصات التواصل الاجتماعي. ويتحول الملعب، في هذا السياق، إلى خلفية للعرض الذاتي، حيث تقدم الهوية الفردية على حساب الانتماء الجماعي، ويختزل التشجيع في محتوى بصري سريع الزوال، يخدم منطق الشهرة والمتابعة أكثر مما يخدم روح الفريق أو معنى الدعم الحقيقي».
جماهير وفية
كما أفادت مجموعة من التقارير الميدانية وشهادات لمشجعين محليين بأن الجماهير الرياضية الوفية شعرت بأنها وضعت على الهامش خلال مباريات كأس أفريقيا. هؤلاء المشجعون الذين اعتادوا تنشيط الملاعب بأهازيجهم وأغانيهم الحماسية المعبرة، والذين كانوا جزءا أساسيا من الضغط النفسي والجو الروحي للمباريات، وجدوا أنفسهم محرومين من ممارسة هذا الدور. وتزامن هذا الإقصاء مع شكاوى حول الطرق المتبعة لبيع التذاكر، خاصة التجربة الجديدة التي بدأها الاتحاد الأفريقي باعتماد الحجز الإلكتروني وبطاقة المشجع، والتي أوجدت صعوبات إضافية للمشجعين التقليديين الذين اعتادوا الحضور إلى الملعب قبل البحث عن التذاكر، ليجدوا أنفسهم أمام وضعية جديدة كليا وتجربة غير مسبوقة كان من الصعب تقبلها. كما أدى البيع في السوق السوداء أو المضاربة على التذاكر إلى زيادة التعقيد، ما أثر على قدرة بعض الجماهير على متابعة مباريات فرقهم، خاصة المواجهات الأكثر قوة.
وبين كأس أفريقيا في المغرب وكأس العرب في قطر، تتأكد ملامح ظاهرة جديدة، جمهور حاضر جسديا، لكنه أقل اندماجا في الفعل الكروي. وهو تحول تفرضه ثقافة المنصات الرقمية وتغير أنماط الاستهلاك الثقافي، ما يضع الاتحادات واللجان المنظمة أمام تحد حقيقي لاستعادة الدور التاريخي للمدرج، ليصبح فضاء فاعلا حقيقيا لا مجرد خلفية للاستهلاك الرقمي.
وبحسب بورقية، فإن الفجوة بين جمهور المشجع التقليدي وجمهور المناسبات الرقمي باتت سحيقة، ويجعل الأهازيج والشعارات المصاغة بعناية، والغنية بالكلمات والتراكيب الموسيقية المركبة، صعبة التقليد والاستبدال، وهو ما يشكل تحديا كبيرا للمشهد الكروي الحديث ويطرح سؤالا حول قدرة المنصات الرقمية على الحفاظ على روح الجماهيرية الأصيلة.