مناورة الصين حول تايوان .. ممنوع تدخل واشنطن!

ishraq

الاشراق

الاشراق | متابعة.

لم تأت المناورات العسكرية الصينية الواسعة حول تايوان كمجرّد تمرين روتيني أو استعراض عابر للقوة، بل بدت أقرب إلى رسالة مشحونة بدلالات جيوسياسية وعسكرية، تتجاوز حدود الجزيرة نفسها.

وفي توقيت إقليمي ودولي شديد الحساسية، اختارت بكين رفع منسوب الضغط وإعادة ترسيم خطوط الردع حول تايوان، مستخدمة أدوات عسكرية ثقيلة ومواقف سياسية محسوبة، في مواجهة ما تصفه بتنامي "النزعة الانفصالية" والتدخلات الخارجية، وخصوصاً الأميركية.

وبحكم طبيعتها ونطاقها والسيناريوهات التي تضمّنتها، تفتح هذه المناورات باب التساؤلات حول المقاصد الصينية الحقيقية: هل تمهّد لفرض حصار طويل الأمد؟ أم تسعى لاختبار قواعد اشتباك جديدة؟ أم أنها خطوة محسوبة لإعادة ضبط ميزان القوى في شرق آسيا، قبل أي مواجهة مفتوحة قد تعيد رسم ملامح النظام الإقليمي برمّته؟

ووفق تغطيات متعددة، جاء توقيت المناورات تحت اسم "مهمة العدالة 2025" بعد إقرار وإعلان صفقة تسليح أميركية كبيرة لتايوان بنحو 11.1 مليار دولار، ومع تصاعد كلام ياباني عن سيناريو "تايوان" وتداعياته.

وفي اليوم الثاني للمناورات، تواصل بكين أعمالها حول الجزيرة التايوانية، لتصبح السادسة منذ العام 2022، حين زارت رئيسة مجلس ⁠النواب الأميركي آنذاك نانسي بيلوسي الجزيرة.

وقد أعلن الناطق باسم قيادة المسرح الشرقي لجيش التحرير الشعبي لي شي، أمس، أنه "اعتباراً من 29 كانون الأول، ستقوم قيادة المسرح الشرقي لجيش التحرير الشعبي بإرسال قوات من الجيش، ومن البحرية وسلاح الجو وقوات الصواريخ، لإجراء تدريبات عسكرية مشتركة.

وفي بيان آخر، نشرت الصين خريطة لـ5 مناطق كبيرة تحيط بالجزيرة التايوانية، نصحت بعدم دخول أي سفينة أو طائرة غير ذات صلة إلى المياه والمجال الجوي المذكورين.

بيانات "شينخوا" وصفتها بأنها مناورة مشتركة متعددة الأفرع بقيادة "قيادة المسرح الشرقي" وتشمل: الجيش البري والبحرية والقوات الجوية وقوة الصواريخ. كما تضم دوريات جاهزية بحر–جو ورفع الإيقاع العملياتي حول الجزيرة. الاستيلاء على "تفوق شامل"، يشمل (جو/بحر/نيران بعيدة) ثم تثبيته.

وأكد وزير الخارجية الصيني وانغ يي، حينها، أن بلاده "ستتصدى بقوة" لمبيعات السلاح الأميركية لتايوان، محذراً من أنّ أي محاولة لعرقلة ما تصفه الصين بإعادة التوحيد "محكوم عليها بالفشل".

في هذا السياق، اعتبر عضو مجلس الإدارة للجمعية الصينية لدراسات الشرق الأوسط، نادر رونغ هوان، في حديث لـ"الميادين نت" أن "رسالة الصين من المناورة هي أن تايوان جزء لا يتجزأ من الأراضي الصينية، ولا يحق لأي جهة خارجية التدخل بها، بل هي من الشؤون الداخلية لبكين".

وأضاف رونغ هوان أنه في كل مرة سيكون "هناك مخالفة لمبدأ الصين الواحدة، سيتم تنفيذ طوق على الانفصاليين في تايوان، والصين قادرة على حمايتها وسيادتها"، بالإشارة إلى صفقة السلاح التي تمت بين واشنطن وتايبيه.

كما أكد رونغ هوان أنّ جيش التحرير الشعبي الصيني يتدرب حالياً على القدرات، ويمكن تحويل هذه المناورة إلى "قتال حقيقي لتوحيد البلاد".

ردة فعل تايوان
بالمقابل، أعلنت تايوان نشر "قوات مناسبة" رداً على إعلان الصين إجراء مناورات حول الجزيرة، في سياق "الاستجابة السريعة"، منددةً بممارسة الصين "الترهيب العسكري".

بدوره، قال الرئيس التايواني لاي تشينغ ته في منشور له عبر منصة "فيسبوك": "القوات على الخطوط الأمامية مستعدة للدفاع عن الجزيرة، لكن تايبيه لا تسعى لتصعيد الموقف".

ورصدت تايوان 89 طائرة عسكرية صينية، و28 سفينة حربية وزوارق تابعة لخفر السواحل، بالقرب من الجزيرة، وفقاً لوزارة الدفاع.

وفي سياق ما رُصد، أشار الباحث الصيني رونغ هوان في تصريح لـ "الميادين نت"، أنّ "بكين تستخدم أسلحة متطورة تعمل بتقنيات عالية وتكنولوجيا جديدة، ومسيرات جديدة، بالإضافة إلى صواريخ عالية الدقة وسفن حربية من أنواع مختلفة".

برود أميركي تجاه المناورة
وقد أبدت واشنطن على لسان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الإثنين، عدم قلقها بشأن المناورات العسكرية التي بدأتها الصين حول جزيرة تايوان.

وأوضح ترامب: "لا شيء يقلقني حيال هذه التدريبات، لا شيء فإنهم يجرون مناورات بحرية في تلك المنطقة منذ 20 عاماً".

وتعليقاً على ردّ ترامب، اعتبر رونغ هوان أنّ تصريحات الرئيس الأميركي تأتي في إطار إظهار عدم رغبة واشنطن في التدخّل في شأن صيني داخلي.

الجيشان الصيني والتايواني
ويعد الجيش الصيني أكبر جيش في العالم من حيث عدد الأفراد، ويضم حوالي مليونين وخمسة وثلاثين الف جندي نشط واكثر من خمسمائة وعشرة الاف احتياطي.

ويمنح هذا الحجم الهائل من الجنود في الجيش الصيني، القدرة لبكين على تعبئة موارد بشرية ضخمة بسرعة، ويسمح لقواتها بالانتشار عبر مناطق البلاد الإستراتيجية.

كما تمتلك الصين 3304 طائرات عسكرية، بينها 1207 مقاتلات، معظمها من الجيل الرابع، وتعتبر ثالث قوة عسكرية في العالم، بحسب "غلوبال فاير باور".

على المقلب الآخر، رغم أن التكوين الدقيق للقوات المسلحة التايوانية غير معروف، إلا أنه يُقدّر أن قوامها يبلغ حوالي 169 ألف فرد في الخدمة الفعلية، بالإضافة إلى 1.66 مليون فرد في الاحتياط.

ويُقدّر أن قواتها الجوية تمتلك ما يصل إلى 500 طائرة قادرة على القتال. 

وإذا ما أردنا النظر إلى الواقع الحالي على الأرض، فيصعب على المراقبين التنبؤ بما قد يحصل، بفعل التغيرات الجيوسياسية المتسارعة، سواء في منطقة الشرق الأوسط أو البحر الأحمر، أو حتى ناحية الأطلسي والكاريبي، فخريطة العالم اليوم في مخاض جديد... بانتظار التطورات.

وفي المحصّلة، لا يمكن فصل المناورات الصينية حول تايوان عن التحوّل الأعمق في مقاربة بكين لملفّ الجزيرة، حيث لم تعد المسألة مجرّد رسائل ردع سياسية، بل اختباراً عملياً لقدرتها على فرض وقائع ميدانية جديدة من دون الانزلاق إلى حرب شاملة.

وبين حصار يُمارَس بالنار والضغط، وتصعيد مدروس يختبر صبر الخصوم وحدود تدخلهم، تقف تايوان اليوم عند تقاطعٍ يتجاوز جغرافيتها، ويمتد ليطال مستقبل ميزان القوى في شرق آسيا بأكمله.

بقلم - حسين صالح

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP