02/01/2026
ثقافة و فن 17 قراءة
تداعيات آخر العام .. الأدب يُؤبّد الزمن!!

الاشراق
الاشراق | متابعة.
ينطوي عامٌ ويفتتح آخر، وفي تتابع هذه الدوائر الزمنية يكمن اللغز الأكبر: أهي سلسلة من الخسائر المتتالية، أم رصيدٌ متراكم من الوجود؟ الحياة، كما رآها ناظم حكمت، جميلة في جوهرها، لكن جمالها الحقيقي لا يستقى من طول مداها البيولوجي، بل من قدرتها الدائمة على اختراق حاجز ذاك المدى نفسه. فالإنسان، في صميم كينونته، ليس كائناً زمنياً فحسب، بل هو كائنٌ ضدّ الزمن؛ يحيا في حاضر سائل، ويحمل ماضياً متخثراً في الذاكرة، ويتطلع إلى مستقبل مجهول، وفي كل هذه الحالات، يبحث عن معنى يتعالى على ثقل الساعات والأيام.
هنا، في هذا الحيز الوجودي بين البقاء والفناء، ينبت الفن والأدب كأعظم محاولات الإنسان لتأسيس خلوده الشخصي، وكشهادةٍ على أن الزمن الذي يهدم الجسد، تقف في وجهه القصيدة واللوحة واللحن لتقول، مع محمود درويش: "هزمتكَ يا موتُ الفنونُ جميعُها".
الزمن: صراع الوجود والعدم
العلاقة بين الإنسان والزمن هي علاقة صراع وجودي. فالشعور بالزمن ليس إدراكاً محايداً، بل هو تجربة ذاتية عميقة تتأرجح بين الإحساس بثقل الأيام تحت وطأة الهموم، ومرور اللحظات السعيدة كلمح البصر، وقد عبّرت في أحد كتبي عن هذه الحال بالقول: "السعادة قطارٌ نفّاث، والحزن عربةٌ عتيقة يجرّها حصان هرِم". هذه التجربة تبلغ ذروتها في مرحلة الشيخوخة، حيث تتحول إلى مفترق طرق بين رؤيتين: رؤية الانهيار ورؤية التعالي.
في الأدب العالمي، نجد تمثيلاً لهذين المسارين. ففي مسرحية "الملك لير" لشكسبير، تمثل الشيخوخة مأساة العزلة وسقوط السلطة وهشاشة العلاقات الإنسانية. وبالمثل، عبَّر الشعراء العرب القدامى عن سَأَم الحياة وثقلها مع تقدم العمر، كما في قول زهير بن أبي سلمى: "سئمتُ تكاليف الحياة ومن يعشْ.. ثمانين حولاً لا أبَا لك يسأمِ". هنا، يبدو العمر امتداداً للمعاناة، والزمن سجّاناً لا مفر من قضبانه.
لكن الأدب يقدم لنا أيضاً الوجه الآخر، حيث تتحول الشيخوخة إلى مساحة للقوة الداخلية والحكمة. ففي رواية "العجوز والبحر" لهمنغواي، لا تمثل عزلة سانتياغو انسحاباً من الحياة، بل اختباراً صلباً لإرادة الإنسان وتحدياً للقدر. هذه النظرة تصل إلى حد التصالح والانتصار، كما عبّر الشاعر أحمد الصافي النجفي: "سِنّي بروحي لا بعدّ سنيني.. فلأسخرنّ غداً من التسعين". وهكذا، يتحول العد التنازلي للعمر إلى انتصار للروح على حساب الجسد.
الكتابة: استعادة الزمن واستباق الفناء
إذا كان الزمن يجرف كل شيء نحو غايته النهائية، فإن الفن، وتحديداً فعل الكتابة، هو محاولة مستميتة لاصطياد اللحظة، وتجميد التجربة، وتحويل المسار الخطي المحتوم للزمن إلى بنية دائرية خالدة. الكتابة هي خلق زمن موازٍ، لا يسري بقوانين الساعات، بل بقوانين المعنى والعاطفة. إنها قدرة على تحويل اللحظة العابرة إلى أيقونة، كما فعل مارسيل بروست عندما استعاد عالم طفولته بأكمله من خلال طعم قطعة "المادلين" الغارقة في الشاي، محوّلاً إحساساً حسياً عابراً إلى بوابة أدبية خالدة إلى الماضي.
من يرصد الأعمال الأدبية الكبرى يجد أن الزمن نفسه قد تحول إلى بطل رئيسي. فمارسيل بروست في "البحث عن الزمن المفقود" لم يكتب رواية عن الذكريات فحسب، بل عن آلية استعادتها وكيف تشكل هويتنا الراهنة. وهو يذكرنا بأن الزمن هو "أقوى الأمور كلها فعلاً في حياة الإنسان". كما تحول الزمن إلى مادة جمالية مركزية في أعمال كتّاب مثل فرجينيا وولف وجيمس جويس، حيث تذوب الحدود بين الماضي والحاضر في تيار الوعي.
وتمثل الكتابة، في هذا الإطار، أقوى أشكال المقاومة الرمزية. فالكلمة المكتوبة تحول التجربة الشخصية العابرة إلى ملكية مشتركة للبشرية، وتنقل الفرد من حالة التلاشي في المجهول إلى حالة الحضور الدائم في وعي القارئ عبر العصور. بل إنها تتعدى خلود الفرد إلى حفظ ذاكرة الجماعة والإنسانية جمعاء؛ فهي الوعاء الذي يحفظ روح العصر، وأصوات المهمشين، والأسئلة الوجودية الأولى، كما فعلت "ملحمة جلجامش" في حفظ هاجس الموت والخلود قبل آلاف السنين.
حين يكتب الأديب، فهو لا يسجل أحداثاً، بل يؤسس للبقاء. هذه هي العدالة التي يمنحها الأدب: القدرة على هزيمة النسيان، وإضفاء طابع الأبدية على لحظة عابرة. لكن هذا الخلود نفسه هو حوار دائم مع القادمين؛ فهو ليس رخاماً صامتاً، بل كائناً حياً يرتوي بقراءة كل قارئ جديد، ليبقى النص حياً ما دام وجد من يمنحه تأويلاً في عصره.
الأمل: التطلع إلى الغد كفعل إبداعي
في قلب هذه المعركة الوجودية ضد الزمن والعدم، يبرز الأمل ليس كعاطفة سلبية، بل كفعل إبداعي خلاق. إنه التطلع إلى المستقبل باعتباره لوحة بيضاء ما زال في الإمكان رسم أجمل الصور عليها. وهذا بالضبط ما كتبته في قصيدتي "نشيد الحب والأمل":
لا تفقد الأمل
حتى لو كنتَ متعَباً حيناً،
وحيناً عاطلاً من العمل.
احلمْ،
شَرِّعْ نوافذَ العتمةِ العارية،
قُلْ لِحُلكةِ الليلِ:
لو شئتُ أمحوكِ بقبلةٍ
أو بِيَدِ الأمِّ الشافية.
أستعيرُ من وجه امرأتي مصباحاً
ومن قلبِ طفلتي سماءً صافية
أقودُ السحابَ المكفهرَّ إلى حتفه،
أُمطرُ أنّى أريدُ
غيثاً يشبه فرحَ الأطفالِ صبيحةَ العيد
ودعاءَ الأمهاتِ في الليالي الحانية.
هذه العبارات ليست مجرد تفاؤل، بل هي نظرة وجودية: قيمة الحاضر تستمد من المستقبل الذي نحمله في خيالنا ونتوق إليه. الأيام التي لم نعشها بعد، والكلمات التي لم نتفوه بها، وطفولة الكائنات هي ما يمنح الحياة استمراريتها وجاذبيتها.
الفن، بهذا المعنى، هو التعبير الأسمى عن هذا التوق. القصيدة التي لم تكتب بعد، واللوحة التي لم ترسم، واللحن الذي لم يؤلف، هي التي تدفع الفنان إلى الاستمرار. وهذا ينطبق على كل الفنون؛ فالموسيقى التي تحبس رعشة الروح في أنغام، واللوحة التي تسرق ومضة الضوء من نافذة، كلها تحارب الفناء بالسلاح نفسه. الإبداع هو الرغبة الدائمة في تحويل ذلك "المنتظر" الجميل إلى حقيقة ملموسة، وبذلك، نحول الزمن من سجن إلى ورشة لا تنتهي من الخلق.
الخلود المعنوي
في النهاية، العمر ليس مجرد رقْم نعدّه، والزمن ليس مجرد عقارب تدور. العلاقة بينهما هي المادة الخام للأدب والفن. فمن رحم إحساسنا المأساوي بانقضاء الوقت، ومن رغبتنا الجامحة في البقاء، تولد القصيدة والرواية واللوحة. الفنون لا تزين الحياة فحسب، بل تخلق لها مبرراً يتجاوز قوانين المادة والبيولوجيا.
فحين يعلن الشاعر أن "الفنون جميعها" هزمت الموت، فهو لا يتحدث عن خلود مادي، بل عن خلود التأثير والمعنى. الإنسان يموت، لكن بصمته على صفحة الوجود، إذا كانت قد تحولت إلى عمل فني حقيقي، تظل تنبض وتتحدث وتشع نوراً. الأيام الجميلة، إذاً، هي حقاً تلك التي تلوح في أفق انتظارنا، لكنها تصبح أكثر جمالاً حين ندرك أن في قدرتنا، عبر الفكر والإبداع، أن نصنع من كل يوم نعيشه لوحة تظل معلقة في معرض الدهر، شاهدة على أننا كنا هنا، وحُبنا للحياة كان أقوى من كل ما يريد أن ينهيها.
وكل ما قد سلف لا معنى له من دون الحب، الحب بمعناه الإنساني الشامل، والعشق بمعناه الكوني المطلق: العاشق لا يتقدّم في العمر، يتقدّم في الحب.
زاهي وهبي - شاعر لبناني وإعلامي