الطاحونة الوجودية وعطب الإنسان في رواية «نعاس»

ishraq

الاشراق

الاشراق | متابعة.

 تتميز رواية «نعاس» لهاروكي موراكامي ترجمة رمزي بن رحمومة، بسلاسة سردية وتضافر بين عناصر الحكاية، وهي تبين عن قوة السرد لدى موراكامي، والخيال الخلاق العميق في قضايا الإنسان ومساره ومصيره، وهو ما إن صح تأويل «فقدان القدرة على النوم» في الرواية على أساس أنه عطب الحضارة المادية الطاحنة للإنسان، التي أفقدته هدوءه، فإن الرواية تحيل سبب ذلك إلى فقدان خاصية الخيال في العالم والواقع، حيث ترى المرأة أن زوجها مثالي السلوك إلى درجة أن الخلو التام من العيوب، «يشي بنوع من الحزم الضمني لديه، حزم يمنع تسرب الخيال إلى عالمه». إن فقدان الخيال هو فقدانُ القدرة على تغذية الواقع بما يحتاجه من التجنيح بعيدا عن قيود المادة المعيقة في كثافتها لأفق الحرية. في حقيقة الأمر أن موراكامي في «نعاس» يختلق سلسلة من الحكايات ضمن المسار السردي للشخصية الرئيسية (امرأة)، وتخلو الرواية من تسمية الشخوص.
تدور أحداث الرواية حول امرأة فقدت القدرة على النوم، ومن ثمة يعمد الروائي إلى تقنية التداعيات، حيث تنخرط الشخصية الرئيسية في سرد حكايتها ضمن وضع الأرق، أو ما يشبهه في مرحلة أولى، تتعافى فيها، ثم يعاودها في مرحلة ثانية، وهو ما يستمر معها إلى نهاية الرواية. تبدو النهاية مفتوحة على إمكانية فهم القارئ مؤولا الخاتمة على أساس أن المرأة تحلم، أي أنها استعادت وضعها الطبيعي، أو أن ما يقع لها في النهاية هو واقع ضمن متخيل الرواية.

المرأة والوعي المأساوي بالواقع:

كل أحداث الرواية مصدرها الشخصية الرئيسية، كساردة وراوية، تسرد كيفيات معايشتها لليليات أرقها ويومياتها. أول ما يلفت الانتباه هو لماذا اختار موراكامي امرأة تعاني فقدان القدرة على النوم؟ فهو كرجل يعرف حالة الأرق أو فقدان القدرة على النوم لأنه على الأقل يكون قد عاناها لفترة ولو وجيزة، وبالتالي، يكون عليما بوضعه النفسي، لأن الرواية تتعمق في تشريح حالة المرأة، وتفاعلها مع تداعيات وضعها والعلاقات الناجمة عن ذلك، خصوصا مع نفسها ومع زوجها وابنها وفي الخارج، إذ تعمد إلى استعادة بعض الهواجس التي تبدو أن لا علاقة لها بالمسار الروائي، لكنها تتأسس ضمن مجالية النوم، كما تأملها لوجهي زوجها وابنها. «كان فمه الكبير مفتوحا وشفته السفلى متدلية. ومن حين لآخر كانت خياشيم أنفه ترتعش.. شعرت بأنى أمام شخص غبي تماما، شخص يرقد كالموتى حتى ليبدو مثلهم قبحا وإرعابا»، أما وصف وجه الابن: «كان في سحنته أمر ما يزعجني..». ولكي تضع الرواية اتجاها يركز اهتمامها بالحياة على العموم، انفجر وعي الساردة في لحظة، منكفئا على معنى الحياة والموت: «وإذا لم يكن الموت مرادفا للراحة، فأين هو الخلاص المنتظر من هذه الحياة المرهقة المليئة بالعيوب؟». ما يهمني هو الجمع بين العيوب في وجهي الابن والأب وعيوب الحياة، وهو ما يعني أن تفاصيل الرواية، تنحو صوب الحفر في الألم الوجودي الضاغط على حياة البشر وواقعهم والوعي به، ولهذا كان فقدان القدرة على النوم، نوعا من الوعي والاستفاقة المريرة على حقائق الوجود التي كان يخفيها النوم، أو «الغفلة»، ولذلك يعيش الإنسان حالة الألم المزدوجة الكامنة في غفلته، أو تغافله عن قلقه الوجودي، أو حتى في الوعي به، لأن الوعي حسب إميل سيوران: «لعنة مزمنة كارثة مهولة إنه منفانا الحقيقي فالجهل وطن والوعي منفى».

يبدو لي أن الروائي اختار المرأة، لأنها الأقدر على معايشة وضع عدم النوم، أو النوم استيقاظا، لأن فترة الولادة، أو حتى بعدها تجعل المرأة تعيش حالة «النوم يقظة» لأن مشاعر المرأة تشكلت في إطار علاقتها البيولوجية المباشرة بالوليد، التي تتحدد بالحبل السُري، الذي يجعلها في توافق طبيعي تام مع حالة التنبه المستمرة التي تتطلبها وضعية الوليد الموصوفة بالعجز الموكول به فطرة وطبيعة إلى الأم، فهي تعيش حالة من اليقظة حتى وهي نائمة، أو ما سميته بـ»النوم يقظة»، تجربة وجودية استثنائية خارج مجال «الغفلة»، أي تعيش الوعي/الشعور حتى وهي في نطاق حالات اللاوعي/اللاشعور.
ينحرف السرد فجأة من مجال فقدان القدرة على النوم إلى الحديث عن الزوج، وتعود الذاكرة بالمرأة إلى أيام الزواج الأولى وكفاحهما في الحياة، والعيادة التي افتتحاها، وكان طبيب أسنان، وكان يقول لها في حالات الصفاء: «وددت لو أحيا حياة أكثر هدوءا، ولكني لا أملك أن أتذمر»، هي الحياة تلك التي تطبق على الناس، تضجرهم وتمنعهم الراحة، إنهم يجرون خلفها، لا تمهلهم لحظة هدوء، رؤية شوبنهاور: «الحياة إرادة عمياء»، ويبدو لي أن الرواية تبين هذا الجانب الذي عكسته في فقدان النوم، الذي هو أساس الهدوء والانفصال عن ضوضاء العالم القاتلة، إذ تأتي على ذكر القرض الذي أرهقهما، وفي حقيقة الأمر، ما يقض مضجع العالم هو، التغول المادي وحياة التذمر التي يحاول البشر مكابدين مغالبة أمواجها العاتية.
طاحونة الواقع والموقف الوجودي:
تتعمق الرواية فلسفيا ووجوديا، حين تصف وجه زوجها متسائلة: «أتساءل فعلا إن كان لوسامتك دور في كثرة زبائنك!»، ثم تستدرك: «تلك دعابتي المفضلة والسر في ذلك أن زوجي لم يكن في واقع الأمر وسيما بالمرة»، ربما يمثل هذا نوعا من النفاق الاجتماعي، الذي تتداوله الجماعات لتسيير شؤون الحياة، وهو ما يسبب قلقا وحيرة، لأن هذا الاعتراف يحيل القارئ إلى غرض الهجاء، وبالتحديد، إلى الحطيئة الذي هجا نفسه: «وأرى لي وجها قبح الله صورته/فقبح من وجه وقبح حامله»، فهل حقيقة كان يهجو نفسه، أو كان يوصف وضعا وجوديا قلقا، فالهجاء في حقيقته موقف من العالم، إذ المتنبي يعترف إنه لم يكن يمدح كافور بقدر ما كان يهجو الذين دفعوه إلى ذلك: «فما كان ذلك مدحا له/ولكنه كان هجو الورى».
ترسو الرواية عند مستوى فلسفي آخر، ربما أكثر تفكيكية للوضع البشري خلال «طاحونة» الواقع، إذ تقول: «لا أعلم كم من الوقت مضى وأنا قابعة هنا في السيارة دون حراك، مغمضة العينين، متصلبة اليدين على المقود، غارقة في ظلام يقظ»، السيارة تعني الحركة، الدال المحسوس على الحياة التي هي حركة مستمرة، والحضارة المادية الغالبة جعلت البشر يعيشون حالة من التوتر، التي تغفل الزمن، وتحترف العمى، وهنا لا بد من استحضار خوسيه ساراماغو ورواية «العمى»، ومع ذلك هناك حالة من التشبث بالحياة. في إفضاء المرأة فكرة دالة على نوع من الوعي داخل الهامش الوجودي، «ظلام يقظ»، تحيل هذه الإضاءة إلى عبد الكبير الخطيبي وما سماه «الهامش اليقظ»، الذي هو هامش اجتماعي (المهمشين) وهامش النص أيضا، «يُستخدم هذا المفهوم للدلالة على الوعي الناقد والإبداعي الذي يمكن أن ينشأ من المواقع الهامشية في المجتمع أو الأدب، ويُعتبر أداة لتجاوز الهيمنة والفكر التقليدي». لهذا، تعتبر الرواية في تأويلها الدال على الوضع الوجودي القلق داخل العالم بما يراكمه الواقع من ضغوط على الإنسان، تعتبر حالة من حالات الوعي بتجاوز «التذمر» إلى «الأمل»، وهو ما يُفهم تأويلا في آخر الرواية باعتبار ما تعيشه حلم، أي عودة إلى الحالة الطبيعية، أي العثور على هامش «النوم» أو الأمل في العودة إلى مستوى «الهدوء الوجودي».

التوازي المرجعي و»الوعي الشقي»:
يتطلب عيش الحياة نوعا من المرجعيات المختلفة التي تستند إليها الوجودية لتستطيع دعم نضالها الحياتي، وهو ما يمكن ان نلتقطه في الرواية من خلال ما ألفته المرأة الفاقدة لهامش النوم من سماع موسيقى هايدن وموزارت، وإعادة قراءة «أنا كارنينا» «في الأسبوع الأول ثلاث مرات متتالية»، ثم مرت إلى دوستويفسكي. تعيد قراءة «أنا كارينينا» مع عدم تذكرها لأي شيء فيها، فقط تتذكر هذه الجملة: «لا يوجد سوى نوع واحد من العائلات السعيدة، لكن ليس هناك عائلة حزينة تشبه عائلة أخرى». لهذه الجملة علاقة بما يطحن الإنسان شعوريا وماديا تحت عجلة الواقع الوجودي، لأن «أنا كارينينا» تروي حكاية الطبقة المخملية وانقساماتها على نفسها تماما، كما هو مفهوم «الوعي الشقي» عند عبد الكبير خطيبي مستلهما معناه من هيغل، هو الشعور النهائي بالاغتراب، الذي أدى بأنا كارنينا إلى الانتحار، وربما يكون قصد تولستوي من العبارة، فقدان معنى السعادة المطلقة، ولا يستطيع الإنسان أن يحدد بدقة النوع الواحد من العائلات السعيدة، وعدم تشابه العائلات في الحزن، يعني أن الفرق بينها في الحزن يمثل لحظة السعادة الهاربة، تلك التي أصبحت تبحث عنها المرأة الفاقدة للنوم في وضع حياتي يتأمل كل شيء حتى لطخة الشكولاتة القديمة على كتاب «أنا كارنينا».
تحيل الذاكرة عند موراكامي إلى التوازي داخل المرجعيات الثقافية، فالمرجعية الثقافية القومية لا تنفي المرجعية الثقافية الإنسانية، بل تؤكدها وتجعلها هامشا للإنقاذ، ذلك أن الوجود القلق فضاء شامل لا يستثني أحدا، والخروج من حالة التأزم الوجودي الخصوصي تستلزم بالضرورة التضافر الوجودي الإنساني.

بقلم عبدالحفيظ بن جلولي

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP