السيد..دماءٌ حررت وطناً وسقطت نيابة عن الأمة كلها

ishraq

الاشراق

الاشراق | متابعة.

كنا في مكتب جريدة «الأخبار» نجري مقابلة حول ألبوم فرقة الطفّار «صحاب الأرض». في نهاية المقابلة، سألنا رئيس التحرير: إلى من تحبون إهداء هذا العمل؟ فكان جوابي تلقائياً ومن دون تردد ولا انتظار «للسيد حسن». كانت قد مرّت ثلاث سنوات على انتصار تمّوز، حرب الثلاثة وثلاثين يوماً التي حطّمت صورة الجيش الذي لا يُهزَم. ذلك الخطاب العظيم الذي جعلني أهتف بصرخات التكبير وأنا أشاهد الصواريخ تتجه نحو البحر من سطح منزلنا الكائن في رويسات المطل على الناحية الشرقية لبيروت التي تحتضن حَي «الشعشبوك» وعلى شماله الشرقي الضاحية.

صلّيتُ بعدها ركعتي شكر لله. أنا الشيوعي الذي يعلّق صوَر ماركس وأنجلز ولينين وستالين وغيفارا وكاسترو في غرفته. صلّيت، كنت أصلي صغيراً من وقت لآخر، فأنا جار الجامع وأهلي من القوم «الصوامين القوامين»، كنت أصلّي لإرضائهم والشيخ، غافلاً عن مرضاة الله، ولكن في ذلك اليوم بالتحديد صلّيت من قلبي ركعتي شكر لله الذي مَنَّ علينا بهذا الصوت وهذا المشهد.
رأيت الله فيه.

لم يكن زعيماً يتحدث عن فلسطين والتضحية كي يُلهب حماسة الجماهير عن عبث، كان صادق القول والفعل وبشهادته ومن معه لم يترك مجالاً للنقاش في هذا الموضوع. كان منّا وفينا ونون الجمع هنا أصدق، كان يعيش بيننا ومعنا كل تفاصيل حياتنا وكان البوصلة الحقيقية التي تشير إلى فلسطين.
القائد الذي لا يرتّد عن أي جبهة يفتحها العدو.

مرّت سنتان على إطلاق ألبوم «صحاب الأرض»، واندلعت بعدها أحداث الثورة السورية. توالت الأحداث سريعاً وتحوّلت سوريا إلى ساحة حرب، شاهدنا بأم الأعين «حزب الله» يدخل «القصير» إلى جانب الجيش العربي السوري (السابق)، وأعلن السيد ذلك صراحة وعلى الملأ بالتفصيل. كانت له رؤية واضحة لأنه وضع فلسطين نصب عينيه، وخَبِر مكر وخداع الصهاينة وحلفائهم الأميركيين والأوروبيين وبعض العرب. حدّثنا بإسهاب عن المعارك التي دارت، عن أسبابها ونتائجها، فتبرّأ بعضهم وصاح بأعلى صوته «قتال حزب الله في سوريا لا يمثلني».

صلّيتُ بعدها ركعتي شكر لله. أنا الشيوعي الذي يعلّق صوَر ماركس وأنجلز ولينين وستالين


بكينا شباباً عرفناهم استشهدوا هناك، حدثونا عن الوحش الأسود الذي يلبس ثوب الإسلام، وينفذ أوامر ومخططات أميركا وإسرائيل عبر استهداف المقاومة وقطع طرق إمدادها كما حدّثنا السيد، حار بعضنا وصاح البعض الآخر «كذاب». من اتهموه بالكذب حينها، يشعرون اليوم بنشوة الانتصار بعد الضربة غير المسبوقة التي تلقاها الحزب بقياداته وعدّته وعديده وعتاده ومؤسساته وقياداته وسيّده، ويريدون منا أن نقتنع بأن السيد ذهب ضحية صفقة إيرانية وأن علينا أن نخضع.

إسرائيل متفوقة وإيران باعتكم، تلك لا يمكن هزيمتها وهذه لا يمكن الوثوق بها. مصلحتكم اليوم هي في نسيان السيد ونهجه وقطع العلاقات مع إيران الخامنئي والالتفات إلى الحضن العربي. ما عليكم سوى تسليم ما تبقّى من سلاح والتنازل عن فكرة هذه المقاومة من أساسها والبحث عن المقاومة بطرق أخرى. إنها معزوفة النكسة، وكل تلك الانتصارات جاءت بعد نكسة.

إذا بحثت عن الحقيقة جدّياً، ستجد أن مشروع إيران واضح وعلني وهو دعم حركات المقاومة والتحرر التي تريد فعلاً مقاتلة هذا المغتصب وتواجه مجازره وترفع ظلمه عنها. هذا الوحش الذي يبيد غزة منذ أكثر من عامين لم تتوقف جرائمه يوماً ولم يجرؤ أحد من كل العرب على تقديم قطعة سلاح واحدة لهذا الشعب الأعزل الذي يُباد بل تآمروا عليه وعلى فلسطين.
الإبادة المستمرة اليوم في غزة ليست نتيجة السابع من أكتوبر، والحرب التي لم تتوقف على لبنان رغم إعلان وقف إطلاق النار والتزام الحزب بكل جوانبه وزيادة ليست نتيجة جبهة الإسناد.

الإبادة والحرب المستمرتان نتيجة طبيعية للتفاوض والاتفاقيات والتنازلات ومجالس التهاون والسكوت عن جرائم إسرائيل على مدى عقود. إسرائيل لم تقدّم شيئاً للعرب والسلطة الفلسطينية، رغم كل تنازلاتهم وخضوعهم وخيانتهم سوى المضي قدماً في مشروعها الأساسي الذي كانت لا تجرؤ على الحديث عنه بشكل علني. بفضل أوسلو وكامب دايفيد، أخمدت حماسة الجماهير العربية تجاه فلسطين ومضى العرب في رحلة تحويل العداء لإسرائيل الى عداء لإيران. إنها الحقيقة تقف على رأسها، إيران عدو، إسرائيل صديق.

شهادة السيد حسن نصر الله الذي كان يعيبه بعضهم بأنه جندي عند الولي الفقيه أثبتت صدقه وصدق نهجه ووضعت الحُجّة على كل المتخاذلين الخاضعين مدّعي النضال المتشدّقين بقضية فلسطين لإسكات شعوبهم. دماءٌ سقطت دفاعاً عن غزة المتروكة وحدها. دماءٌ سبق أن حرّرت أسرى من سجون العدو من مختلف الجنسيات والمذاهب.

دماءٌ حررت وطناً وسقطت نيابة عن الأمة كلها بمواجهة المشروع الصهيوني في المنطقة، هي دماءٌ وطنية قبل كل شيء دماءٌ ذكيّة وأرواح طاهرة لن تذهب هدراً إذا صمدنا و«حملنا دمه» وحافظنا على المقاومة عبر الالتفاف حولها، لن تترك إسرائيل لا أرضاً ولا أصحاب أرض إذا لم تبقَ مقاومة و«سيد متل هالسيد».

 

تدوينة للرابر اللبناني جعفر الطفار.

Copyright © 2017 Al Eshraq TV all rights reserved Created by AVESTA GROUP