27/09/2025
تقاریر 225 قراءة
«السيّد» كما رواه لي «مهدي»

الاشراق
الاشراق | متابعة.
لم يكن «مهدي» قد وُلدَ بعد حين بسط «السيد» يديه في الخامس والعشرين من أيار (مايو) ودعانا للعودة إلى قرانا، كما تبسط أمهات الجنوب أرغفة خبز «المرقوق» للضيوف والأحفاد والأحبة، ولم يتسمّر مثل جيلي وجيل أبي على التلفزيون، منتظراً تلك اللحظة في عرض البحر ليقلب عاليها سافلها ويثبت اللحظة الحاسمة للنصر في وعينا وتاريخنا. وُلدَ مهدي بعد ذلك كله، على مقربة من اللحظة الصعبة في أيار الثاني في شوارع بيروت، وكبُر في زمن أريد فيه لفلسطين ألا تجمع خمسين رجُلاً، وأن نرى قاتلي أطفالنا وهادمي بيوتنا يصولون ويجولون في عواصم ومدن العرب.
كان لا بد أن أرى «السيد» في عيون مهدي، وأتعرّف إلى صورته في جيل آخَر. وأتحسّس كل ما يشغل بال هذا الجيل من القضايا: هل مات «السيد» عنده حين نزلت عليه أطنان المتفجرات في ذلك اليوم الحزين من أيلول؟ كيف يرى حرب الإسناد التي دفع «السيد» حياته من أجلها؟ هل يربط وعيه الشخصي بالوعي العام والقضايا الكبرى مثل المقاومة وفلسطين؟ أم أن هذا الجيل هو الذي سيرى موت القضايا بموت رجالها وأيقوناتها والمدافعين عنها؟ جلستُ مع مهدي تحت سنديانة جدّه في القرية الرابضة فوق تلال الريحان، كانت النجوم من فوقنا تسمع حديثنا عن «السيد» وترتب السماء لروحه كي تسكننا، وكنا نشمّ الهواء الجنوبي، الهواء-السلام، الهواء-التحية، الهواء الهدية من الرجل الذي أهدانا الحلم والتحرير والأمنية أن نكون العام القادم في فلسطين
1- متى تعرّفت إلى السيد أول مرة؟
أولّ ما رأيت وجهه في عاشوراء، على مرّ السنين كان صوته عميقاً، مثل الشجن الضارب في الروح الذي يمزج حزن الشجرة الباسقة أمام بيتنا في القرية في الخريف بحزننا الجمعيّ. لكنما صوته فرس الحسين التي تحوم فوق جثته: فرس المعنى التي نطاردها في حياتنا كلها، سمعت وقع حوافرها في الصوت.
يا لهيبة الصوت.
2- هل تدين للسيد بهدية؟
لم أره حين سحبوا الملّالة من موقع للاحتلال و«خمّسوها» أمام ناظريه حين حمل البارودة في قلب الضاحية الجنوبية، ولم أسمع خطابه حين أطلق جملته المدوية والسفينة في عرض البحر تحترق، ولم أودّع مثلك الذاهبين إلى حتوفهم باسمين فوق الجبل الرفيع ويده تمسح فوق رؤوسهم، كل هذا لم أعرفه لأنني لم أولد مثلك في زمان مخمليّ من زعتر ومقاتلين، لكنّي أعرف تمام المعرفة شيئاً وحيداً أكيداً: تهدّمت قريتنا وعدنا إليها بعد أن خِلنا أننا قد فقدناها إلى الأبد، وها أنا وأنت تحت سنديانة جدي في الليل الجنوبي العميق. لكأنما أهدانا نجوم هذا الليل الحرّة، «نشكّها» زنّاراً فوق الجبل، كما تزنر جدتي نورة مصطبتها بالورود.
أهداني «السيد» فكرة: المقاومة فكرة، جامحة مثل فرس الحسين، أليفة مثل ورود «نورة».
3- هل أخطأ السيد في حرب الإسناد؟
هدم الإسرائيلي بيتنا هذا حيث نجلس الآن مرتين، حمل «السيد» ثأري الشخصي وثأر كل تلك البيوت «المدكية» على أبوابها وشبابيكها، ألم تقل لي يوماً إن الحزن في أغنية «وحدن» هو الباب أو الشباك المفضي إلى الذكريات الذي يدق به «الشتي» على أبواب القلب؟ للشبابيك والأبواب ثأر، وللمفاتيح التي علقها الفلسطينيون في أعناقهم ثأر، كان «السيد» يصدّق تلك المفاتيح بدفئها التي تستمدّه من قلوبهم: صنع «السيد» لفلسطين في روحي مفتاحاً وبيّارةً وبيتاً. سيقولون ليته لم يفعل، «إنه ليس ثأرك وحدَك، لكنه ثأر جيل فجيل».
لكن ألم نتعلّم في البيت وفي المدرسة أن نحنو على قطّة عرجاء، وأن نسقي الوردة المريضة؟ كان الفارس الوحيد يطلع من قصيدة أمل دنقل التي تحبُّها، لينصر زرقاء اليمامة الحزينة حين تناديه: وحده «السيد» يلبس الدرع كاملة، يطلب الثأر، يستولد الحقّ من أضلع المستحيل.
4-أين تتذكره وكيف؟
سأذهب غداً إلى أعلى نقطة عند مقام «النبي سجد»، أغسل روحي الجبلية بالهواء القادم من الجهات الأربع، حيث كان المحتل يربض فوق القرى التي ينزل الدم من ميازيبها في الشتاء. عباؤته كانت تحمل المقاومين من السفح إلى أعلى الجبل مثل بساط الريح: هي أرضهم، تعرفهم ويعرفونها، وهو «سيّدهم»، يحبهم ويحبّونه.
5-هل له مكان في ذكرياتك؟
كان قريبنا الشاعر يمازحنا فوق الشرفة المطلّة على «الرفيع»، وكنا صغاراً لمّا نبلغ السابعة: يا «مهدي»، ويا «حسن»، «سيفكك الإسرائيليون جبل الرفيع ويقتلعونه من مكانه». اتكأتُ يومها على كتف ابن عمتي الذي اتكأ بدوره على جذع شجرة الرمان ووبكينا حتى خلنا سنهلك من الحزن والكمَد، لولا خطر في بال «حسن» أن «السيد» سيعيد «الرفيع» إلى مكانه. «مش رح يقبل يقلعوا تراب هادي»: ضحكنا عندها وضحكت شجرة الرمان.
أطلّت الطائرات من فوق «المدينة». لم أخف ولم أحزن. هذا نشاز سخيف، خفّةٌ لا تحتمل
6-(لنفترض أنكما التقيتما، كيف يكون اللقاء؟)
لو التقيته يوماً كنت سأبادره بطلب وحيد: أن نذهب معاً إلى تراب «هادي» خلف حسينية «سجد»، أن «يوشوشه» كما تهمس في أذني بتلك الأسرار بين الابن وأبيه. ألا يداري حزنه على «هادي»: تبكي الجبال أحياناً فينهمر حزنها جدولاً في الربيع. جدول خلف النظّارة التي أحبها.
7- كيف رأيت النعش؟ وهل مات «السيد»؟
ذهبت مع «حسن» إلى المدينة الرياضية قبل ليلة من التشييع، كان المطر ينزل على المدينة كما ينزل البكاء في القلب في تلك الأغنية الفرنسية. أوقدنا ناراً على المدرّج وكان ثمة شيء يولد في روحي كما يولد البكاء في طرف العين. انتظرت اليوم التالي حيث كان الفارق قبل وبعد إطلالة الجثمان كاختلاف الليل والنهار.
أحسست أنني صرت رجلاً دفعة واحدة، وأنني أنتمي إلى أعند عِرقٍ فوق سطح الأرض. سيضربوننا ونضربهم، سيكون ثأر جيل فجيل، سيثبت الغرب أضلاع ابنته التي قال عنها المسجى في النعش «أوهن من بيت العنكبوت»، وسيغفر لي لو خالفته وقلت لـ«حسن» أنها قبضة من فولاذ، ولكن سنكسرها. ستفكّك إسرائيل الجبل الرفيع ونُعيده إلى مكانه. سنستعيد أديان الرفض والباطن القديمة، وتحلّ روحه في طفلٍ يولد في خيمة في غزة، أو في بيت مخلّع الأبواب والشبابيك في الخيام، قرب «وادي العصافير».
8-هل أخافتك الطائرات في المأتم؟
أطلّت الطائرات من فوق «المدينة». لم أخف ولم أحزن. هذا نشاز سخيف، خفّةٌ لا تحتمل. مِلنا كلنا كما تميل غصون الأشجار فوق الجبل حين تفتك بها الريح، مال «أبو علي» فوق الجثمان، وانحنى عليه في غفوته لئلا تعكّر الطائرات نعاسه. سادت دقيقة من الصمت ثم انفجرت الجموع بما يشبه نشوة الدراويش في رقصتهم الدائرية. عجباً لهذا النائم في الضريح كيف يهندس إيقاع الكون في مماته كما في حياته.
9-كلمة أخيرة
تقول لي إن روحك ترتدّ إليك عند «كوع النجاصة» في «سجد»، وإن جدي كان يشعل سيجارة هناك: «ولعيلي سيجارة يا نورة». ذهبت إلى أميركا منذ سنتين وكنتَ قلقاً أن تغريني الحياة هناك وأفكر يوماً في الرحيل إلى الأبد. ثِقْ أن أميركا كلها أصغر في قلبي من «مرج الحما»، و«عرض الأطلب»، وأصغر بقعة في سجد، تأكّد أنني أرى في الضباب كلما وصلت إلى «كوع النجاصة» مثلك كل أولئك الذين يشعلون سيجارة حين ترتدّ إليهم الروح، كل أولئك الذين تنزل عليهم القنابل أطناناً لتدفنهم مع الفكرة، فيرجعون نبعاً في ربيع، جدولاً خلف النظّارة التي أحبّها.
للكاتب محمد ناصر الدين