03/04/2025
تقاریر 31 قراءة
من بين 200 مشارك.. عراقية تحصد المركز الأول بفن الخطابة في باريس
الإشراق | متابعة.
حققت الشابة العراقية محبة سعد القهوجي، (22 عاما)، إنجازًا لافتًا في مسابقة فن الخطابة بجامعة باريس "دوفين"، حيث حصدت المركز الأول بعد منافسة شديدة مع 219 مشاركًا من مختلف أنحاء العالم، لتتأهل إلى التصفيات النهائية من بين 15 مشاركًا فقط.
ولدت محبة في مدينة الموصل، في عام 2003، وكان والدها أستاذاً في مادة التاريخ والتعليم المسيحي، بينما عملت والدتها في مجال المختبرات والتحليلات البيولوجية، ومنذ صغرها كان اهتمامها كبيرًا بالعلوم الاجتماعية والسياسية، ما جعلها تسعى إلى تحقيق طموحاتها الكبيرة في هذا المجال.

"رحلة التحول من العراق إلى فرنسا"
واسترجعت العراقية محبة سعد القهوجي مشاعرها العميقة أثناء انتقالها إلى فرنسا في حديث تابعته "الإشراق": "كان هذا التحول محطة مهمة في حياتي، وشعوري أثناء وبعد انتقالي إلى فرنسا كان مزيجاً من المشاعر المتناقضة والمختلفة، حيث خرجنا من العراق بتاريخ 13 حزيران 2015 ووصلنا إلى فرنسا مع أول شعاع شمس يوم 14 حزيران، وأول شعور كان البرد لأن جو فرنسا مختلف تمامًا عن العراق الذي تعودت عليه، والبرد كان يشعرني أيضًا في أعماقي، فلم أكن مستوعبة للموقف، وهذا كان التحدي الأول: التكيف."
وتابعت: " كانت البداية صعبة جدًا، لكنني استطعت التكيف بسرعة، وعلى عكس ما كنت أتوقع، بدأ مساري مع اللغة الفرنسية بصعوبة لم تدم سوى بضعة أشهر، وفي البداية، كان عليّ الاعتماد على نفسي والانتقال من صف خاص بتعلم اللغة إلى الصف الدراسي العادي، وكنت حينها في السنة الثانية من المرحلة المتوسطة في فرنسا، أتابع نصف الدروس مع الطلاب بشكل عادي، بينما كنت أخصص النصف الآخر لتعلم اللغة بشكل مكثف."
وأكملت، أن "اجتهادها كان محركًا رئيسيًا في رحلتها التعليمية: "بعد عام ونصف من تعلم اللغة، التحقت بالصف الثالث المتوسط وبدأت أتابع جميع الدروس مع الطلاب الفرنسيين. وفي تلك السنة نفسها، حصلت على مرتبة امتياز في الامتحان الوزاري الفرنسي، دون أي مساعدة خارجية، فقط بفضل الاجتهاد والعمل الدؤوب، وبالتأكيد، منذ تلك اللحظة، شعرت أن علاقتي باللغة الفرنسية أصبحت أعمق وأجمل."
وأضافت، "كانت تلك أولى خطواتي نحو شغفي بالأدب الفرنسي العريق، الذي أعتبره نافذتي إلى الثقافة الفرنسية؛ وفي عام 2019، حصلت أنا وأمي وأختاي ووالدي على الجنسية الفرنسية بعد ثلاث سنوات ونصف من وصولنا، ومع مرور الوقت، بدأ شغفي بالأدب الفرنسي ينمو بشكل كبير، تحديدا في مرحلة الإعدادية وبكتابة الشعر الفرنسي، وكانت كتابة الشعر نقطة تحول في علاقتي مع اللغة، حيث أحببت أن أعبّر عن مشاعري وأفكاري بلغة موليير، فكانت الأدب نافذتي إلى العالم الفرنسي وثقافته العريقة".
وبينت: "في بداية العام الدراسي، قررت الانضمام إلى مؤسسة الطلاب لفن البلاغة والخطابة في جامعة دوفين، وكان هذا أول تحدٍ حقيقي لي، حيث بدأت في خوض العديد من المسابقات على مستوى الجامعة لكن كانت مسابقة الخطابة الكبرى هي المحطة الأهم، فبالنسبة لي كانت تمثل فرصة لإثبات قدرتي على التواصل والتعبير عن آرائي في قضايا ذات أبعاد دولية".
وأردفت، أن "الدافع الأول للانخراط في مجال البلاغة والخطابة هو حبي للكلام واللباقة، بالإضافة للفلسفة والآداب، مما دفعني للغوص في أعماق هذه المجالات، في حين كان الدافع الآخر هو رغبتي في تغيير المفهوم العام لفن البلاغة والخطابة، لأنها ليست مجرد فن التعبير البليغ، بل هي وسيلة لتوصيل رسالة نبيلة بطريقة مؤثرة، وأن يكون المرء فصيحًا لا يعني إلقاء كلمات بلا ترتيب، بل هو فن ترتيب الأفكار لخلق انسجام وتجنب الفوضى".

رحلة البلاغة والحلم
لا تقتصر مسيرة محبة مع البلاغة على العام الحالي فقط على الرغم من أن هذه السنة كانت بمثابة نقطة التحول وتحويل مشروعها إلى واقع ملموس، إلا أن تجربتها في مجال الخطابة تعود إلى سنوات سابقة، فقد ألقت محبة ما يقارب الخمسين كلمة في مجالات متنوعة، مثل شهادة الحياة، وتحدثت في مناسبات عديدة أمام جمهور واسع في العراق، كما حظيت بفرص عديدة في مدرستها لقراءة قصائد شعرية ومدح وطنها خلال احتفالات رفع العلم.
ونوهت محب، بأن "اللغة الفرنسية هي لغة حية، لا تاريخ لها وحسب، بل عمق وكيان وهوية خاصة بها، وهي لغة الدبلوماسية، الأدب، والحب، ودور اللغة الفرنسية يتجاوز حدود النحو واللغويات، فهي تمثل أكثر من ذلك بكثير، حيث تصبح وسيلة للتواصل الثقافي والاجتماعي"، مشددة على أن "اللغة هي كيان حي ومستقل، لكنها في الوقت ذاته تنبثق من المجتمع والبلد الذي تنتج فيه، ومن هنا تصبح اللغة جزءاً لا يتجزأ من عملية توصيل التجارب الحياتية، سواء كانت تتعلق بالحرب أو الغربة، بل هي أداة أيضًا لإيصال رسائل نبيلة عن حقوق الإنسان، السلام، والتضامن".
وبعد تأهلها إلى النهائيات، قامت محبة القهوجي بقراءة العديد من الكتب المتعلقة بموضوع المسابقة قبل أن تبدأ في كتابة خطابها، وذلك بهدف أن تكون على دراية كافية، كما قرأت العديد من القصائد والأشعار التي تتناول نفس الموضوع، ولم يكن لمحبة حرية اختيار الموضوع في هذه المسابقة الوطنية فقد كان في التصفيات الشامل عدة مواضيع وهي:
الموضوع الأول في التصفيات كان:
Homme libre, toujours tu chériras la mer
اي: ايها الإنسان الحر، ينبغي دائماً ان تعتز بالبحر
الأول كان ملهم من قصيدة "الإنسان والبحر" للشاعر الكبير بودليغ (Baudelaire)
وفي النهائيات كان؛
La Méditerranée ne connaît pas de ligne d’horizon: elle est le prolongement du ciel
اي:
البحر المتوسط ليس له أفق: فهو امتداد للسماء
ألهمتها هذه المقولة لكتابة خطابها من خلال ثلاثة عناصر رئيسية: "أولًا، تحدثت محبة عن أن أول بحر رأته عيناها كان البحر المتوسط، عندما كانت في الطائرة في طريقها إلى فرنسا، ليكون بذلك بمثابة وعدٍ لها بأفق جديد، ثانيًا: اعتبرت أن البحر والسماء يمثلان انعكاسًا لعنصر واحد، لا يعرف الحدود، أما العنصر الثالث، فكان يتعلّق بإخواننا الذين تحدوا القدر، وخاطروا بحياتهم في محاولة للنجاة، لكنهم قضوا في طريقهم إلى الأمان، فقد أصبح البحر مثواهم الأخير، في حين كانت السماء ملاذهم الأبدي".

التحديات والمتطلبات في المسابقة
أكدت محبة، أنها "شاركت في هذه المسابقة وهي تحمل طموحًا كبيرًا منذ البداية، وكان هدفها الأول هو الفوز بالمركز الأول، إذ كانت تحلم بإلقاء كلمتها أو مقالها في الأمم المتحدة"، مبينة أنه "سمعت عن فرصة المشاركة من خلال صديقتي ضحى، من مؤسسة "Dauphine éloquence"، وهي مؤسسة تهتم بترويج فن البلاغة بين الطلاب، وكان التحدي أكبر مما توقعت، ما جعلني أتردد في البداية قبل إرسال فيديو مشاركتي، الذي كتبته وأرسلته في آخر يوم قبل إغلاق باب التسجيل".
واستطردت بالقول: "خاض التصفيات 219 من أفضل الطلاب من جامعات مرموقة في فرنسا، مما رفع من مستوى التحدي بشكل كبير ورغم ذلك، دفعني هذا التحدي لأن أكتب وألقي أفضل ما لدي، حتى أستطيع أن أقول لنفسي أنها على الأقل حاولت بكل جدية، وعندما جاء وقت الالقاء، غمرني شعور من الفرح والطمأنينة، وكنت أمل أن تصل رسالتها إلى الجمهور بأجمل شكل ممكن".
ولفتت محبة الى أن "هناك العديد من المتطلبات التي كانت تواجهها خلال مراحل التأهيل قبل الوصول إلى النهائيات، وكان على الخطاب أن يكون مختصرًا بحد أقصى ثلاث دقائق، وكان الموضوع مفروضًا علي بشكل عام وكان من الضروري أن يكون الخطاب مفهوماً، جميلاً، يحمل رسالة واضحة وجديدة، وأن تكون المراجع والإشارات المرجعية متنوعة وعريقة".
وتذكر محبة: أنها لم "تتلقَ أي مساعدة من أحد في التصفيات أو مراحل التأهيل، فقد كتبت خطابها بمفردها، وصوَّرت نفسها وحدها، وأرسلت الفيديو بمفردها أيضًا ولم تتبع أي تدريب معين، ولم تتلقَّ أي مساعدة من مختص في فن الخطابة خلال تلك الفترة".

تجربة استثنائية وتحديات كبيرة في مسابقة البلاغة
وتصف القهوجي تجربتها في المسابقة بأنها "كانت استثنائية بكل المقاييس، حيث كانت لجنة التحكيم من أعلى المستويات، وكان لديهم متطلبات كثيرة، كذلك كل شيء تقريبا صعب المنال، رغم أن القاعة كانت ممتلئة، لم أستطع أن أنظر في أعين الحاضرين. كانت نظراتهم لي مليئة بالاهتمام والتشوق، وفيها إعجاب وتقدير".
وأشارت إلى أن "التحديات التي واجهتها لم تكن بسيطة، بل كانت تتطلب منها أن تكون هي نفسها على المنبر بكل قوتها وحضورها، إذا لم أكن أنا نفسي على هذا المنبر، فلن يكون هناك من يستطيع أن يجعل كلماتي وروحي تنبض بالحياة على هذا المنبر".
وبينت: "عندما بدأت في الالقاء، وجدت أن كلماتي تتجاوزني بشكل غير مدرك، ولم أكن أدرك ذلك على الإطلاق وكانت تتدفق من تلقاء نفسها، دون أن أكون على وعي بذلك."
وذكرت محبة لحظة إعلان فوزها: "كنت لا أكاد أصدق أنني فعلاً سألقى كلمتي في مؤتمر الأمم المتحدة، وكنت على أول درجة من سلم النجاح في هذا المجال الصعب المنال. كان مزيجًا من الفرح وعدم إدراك هذه اللحظة، وكنت سعيدة وفي نفس الوقت كنت أتساءل، هل كانت بهذه السهولة؟"
وأضافت، أن "هذه الجائزة كان لها تأثير كبير على مسيرتها الشخصية والمهنية بشكل إيجابي، وفوجئت بالاهتمام الكبير والفخر الذي نالته من أشخاص لم تكن تعرفهم من قبل والكم الهائل من الاهتمام والفرح والفخر الذي سيكون جزءًا من مسيرتها الشخصية."

أما على الصعيد المهني، أكدت محبة أن "فوزها بهذه المسابقة سيكون نقطة تحول هائلة في حياتها وسيأخذها إلى عالم آخر مختلف وجديد، وهو عالم الأمم المتحدة والمنابر الدولية، وهذه ستكون خطوة محورية في حياتها المهنية، وسيتيح هذا الفوز لها إمكانية القاء خطابها في الامم المتحدة في شهر حزيران المقبل".
وبدأت القهوجي خطابها في المسابقة بالقول: "حين ابتلت قدماي بماء البحر للمرة الأولى كانت عيناي شاخصتين نحو الأعلى، قبل أن أرى البحر طالعت السماء".
وتدرس اليوم القهوجي في السنة الثالثة من تخصص علوم سياسية واجتماعية، وفي المدرسة العليا ENS.، الفتاة التي تحب العراق كثيرا، وتقول: أفضل الحوارات ان تكون بالعربية، أحب اللغة العربية، وأحب كوني عراقية".